إسكريبت أكثر مما تحتمل الرمال ٣
المشهد الأول
_وصلتي لإيه؟
وبعد مرور قرابة الثلاث أشهر كانت واقفة قدام نفس السؤال للمرة اللي متعرفش عددها، هل فعلًا قدرت تعمل حاجة كويسة؟ لكن المرة دي قدرت أعرف الإجابة
رغد كانت واقفة على طرف الهضبة، حواليها الشمس بتميل للغروب، والقبيلة تحتها هادية بشكل غريب، هدوء مش صمت… هدوء استقرار.
الستات بقوا يتحركوا براحتهم أكتر، كلامهم بقى مسموع، مش عالي ولا متحدّي، لكنه موجود ولا حاجة اتكسرت، ولا جبل وقع زي ما كانوا مكبرين الموضوع!
لفّت وبصّت لزين اللي كان واقف على بعد خطوتين منها، سايب لها المساحة، زيه زي دايمًا مبيقربش زيادة، وفي نفس الوقت مبيبعدش زيادة
المشهد الثاني
_وصلتي لإيه؟
قالها وهو باصص للقبيلة مش ليها، ابتسمت رغد ابتسامة هادية، نضيفة، مفيهاش انتصار ولا شماتة.
_وصلت إني فهمتكم أخيرًا وأنتم فهمتوني!
سكتت لحظة، وبعدين كملت:
_وفهمت إن مش كل تغيير لازم يبقى صاخب ويعمل ضجة كبيرة علشان يبقى حقيقي
بصلها المرّة دي. نظرة مختلفة مش نظرة شيخ بيحاسب، ولا رجل بيشك، ولا خصم مستني غلطة نظرة حد اتعلّم فعلًا وكلامها أثر فيه
_الستات بقوا أقوى
_لا بقوا أأمن.. والقوة بتيجي بعدها لوحدها من غير معافرة
المشهد الثالث
سكت زين شوية، وبعدين قال:
_كنت فاكر إن دوري أحمي الجبل
_ودلوقتي؟
_دلوقتي شايف إن الجبل الحقيقي… هو اللي يعرف يسيب الهوا يعدّي من بين شقوقه من غير ما يقع
الكلمة لمستها، مش علشان معناها علشان هو اللي قالها وفعلًا طالعة من قلبه ومصدقها، وقفت لحظة وبعدين قالت:
_أنا همشي
المشهد الرابع
قالتها من غير مقدمات من غير اعتذار من غير دموع وقتها زين ماستغربش ولا سأل ليه حتى كأنه كان عارف ان ده هييجي
_عارفة.
قالها بهدوء.
_وكنت مستني اللحظة دي
لفّت تبصله، وفي عينيها سؤال مقدرتش تقوله، خلته جاوب بسرعة
_مش علشان عايزك تمشي والله
كمل وهو ثابت.
_لكن علشان اللي بيكمل هنا… لازم يبقى مننا، وإنتِ عمرك ما كنتِ من هنا
ابتسمت بس الابتسامة دي كان فيها وجع، على قد ما كان فيها رضا باللي وصلتله
المشهد الخامس
_وأنت؟
سألته.
_إنت من هنا قوي… بس قلبك كان دايمًا واقف على الحافة برا
ضحك ضحكة قصيرة، لأول مرة من غير حذر.
_يمكن علشان كنت مستني حد يوريني إن الحافة مش دايمًا خطر وإن لازم هييجي يوم ونتغير غصب عننا!
الهواء عدّى بينهم خفيف ولا واحد فيهم قرّب… ولا واحد بعد.
_زين أنا محبتش المكان.
سكتت، وبعدين بصّت له في عينه:
_أنا حبيت الرحلة… وحبيت اللي قابلته فيها
المشهد السادس
الكلمة متقالتش بشكل مباشر، بس كانت أوضح من أي اعتراف صريح كانت ممكن تقوله ويفتحله أبواب كتير
زين شد نفس عميق، كأنه بيجمع نفسه.
_وأنا…
قالها بصوت واطي.
_اتعلّمت إن في حاجات بتيجي مرة واحدة في العمر.
سكت لحظة.
_وحتى لو سبتها تمشي، هتفضل فاكرها طول عمرك
قرب خطوة، خطوة واحدة بس كفاية.
_تقدري تكملي الباقي من عمرك هنا؟
_ليه؟
_أبدًا بس هتبقي مرات شيخ القبيلة
_شيخ القبيلة القديم ولا الجديد؟
_شيخ القبيلة بشخصياته الكتير سواء كان قديم أو جديد
_والله لو هتحافظ على اللي عملته هنا ممكن أوافق!
_ولو لا؟
_هضطر أقعد بنفسي أحافظ عليه
_وإن مشالتكيش الأرض أشيلك جوا عيني وقلبي
المشهد السابع
فضلوا واقفين لحظة بعد آخر كلمة، كأن الزمن قرر يهدى احترامًا للي اتقال كله
رغد حسّت إن القرار أخيرًا مش قاسي… قرار ناضج، شبههم، بصّت حواليها، الخيام، النار البعيدة، صوت الستات وهما بيضحكوا، كل حاجة كانت بتقول إن المكان ده عاش… واتغيّر من غير ما يحس.
افتكرت أول يوم دخلته، خوفها، وحدّتها، وغضب زين اللي كان سابق أي كلمة.
دلوقتي، مفيش غضب في قبول وبس
قربت خطوة، مش علشان تمشي… علشان تودّع.
مدّت إيدها، وزين أخدها بهدوء، لا استعجال ولا تردّد.
إيده كانت دافية، ثابتة، زي الجبل اللي كان دايمًا خايف عليه.
_متنسيش إن في ناس هنا صوتها بقى مسموع علشانك.
ابتسمت، والعينين كانوا مليانين كلام أكتر من أي رد.
_وأنت متنساش…إن الحماية مش دايمًا سُكوت
شدّ على إيدها ثانية واحدة زيادة، وكأنه بيطبع اللحظة جوّه ذاكرته.
_لو رجع الزمن؟
سألها فجأة.
_كنت هعمل نفس اللي عملته.
قالتها من غير تفكير.
_وكنت هحبك بنفس الطريقة… من غير ما أطلب حاجة.
الكلمة خرجت بسيطة، بس وافية.
زين ابتسم، ابتسامة دافية، مختلفة عن كل اللي قبلها.
_يمكن ده أجمل حب…
قال.
_اللي مطلبش مقابل فيه، هنجيلك في أقرب وقت نطلب إيدك وترجعي لمكانك وسطنا
المشهد الثامن
سابوا إيد بعض بهدوء، ولا واحد فيهم استعجل، رغد لفّت ومشيت، بس المرة دي، كانت حاسة إنها سايبة جزء منها هناك… مش خسارة، أثر.
وهو فضل واقف، شايف ضهرها بيبعد، بس قلبه ثابت.
عارف إن في ناس بتيجي في حياتنا مش علشان تكمّل الطريق…
لكن علشان تعلّمنا نمشيه صح.
والليل نزل على القبيلة،
مش تقيل…
دافي.
༺༻༺༻༺༻༺༻༺༻༺༻༺༻༺༻
بقلم رنا محمد “حبة البُندق” 🌰🤎
رأيكم يا حلوين🦋🤎
النهاية
اكتشاف المزيد من عوالم من الخيال
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.



