الجــاثــوم أم شــلل النــوم1
الجاثوم أو شلل النوم(sleep paralysis) يُقــال أنـه حالــة تـحــدث يستـقــيــظ فيــهـا وعــي الأنـســان قبــل جـســده. بــمعنـى أدق : العقل يصحو والجسد يظـل في وضـع الشـلل.
شــلل النـــوم: حـيــن يتـحـــول الــجــاثــوم إلــى بــديـــل.

لم يكن النوم يومًا مخيفًا بالنسبة لي،كنت أراه استسلامًا بسيطًا مــثــل أن تــضـــع رأســـك عـــلى كـــتــف الـــعــالــم لـــثــوانٍ.
حتى تلك الليلة، استلقيت كعادتي، عــلى ظهري، أحـدّق في السـقف الأبيض. كانت الساعة تشير إلى 3:13 تمـامًا. تــوقيــت غــريــب أن تــفــتـح عيـنــيـك فـيه، وغــريــب أكــثــر أن تـغـمـضـهـمـا فـــيـــه.
لم أكن متعبًا جسديًا، لكن رأسي كان ممتلئًا حتى الحافة. ندمٌ قديم، قرار لم يُتخذ، صوت أبي وهو يغلق الباب منذ سنوات، وأمي وهي تقول: بـكــرا تـفـهــم.
لــكـــن الـلــيــلــة، لــم أفـــهــم، اللــيــلـة… شُـللــت.
الجـــاثــوم: الــوجـــه الآخـــــر لــشــلل الــــنـــوم.
الجــاثــوم أم شــلل النــوم

استيقظت….
لا، لـــم أســتـيـقـظ، فـقــط فـتــحــت عــيــنــي، الـسـقـف نـفـســه. الظل نفسه عند زاوية الغرفة، الـنافـذة نصـف المـفتوحة التـي لــم أغــلـقــهـا، حــاولــت أن أتــحــرك، لم أستطع، حاولت أن أستـنجـد لم يخرج صوت.
فـي البداية، لم أشعر بالخوف، فـقط دهشة ثقيـلة، كأنـك تـكـتـشـف فـجـأة أن جـســدك لـيـس مـلـكـك، ثـم شــعـرت بـه.
لـيـس كـائـنًـا ولا شــخــصًـا، بـل حــضـورًا، شـيـئًـا يـجـلـس عــلى صــدري دون أن أراه، ثِـــقَــلٌ بلا وزن، نَــفَــسٌ لـيــس لــه صـــدر.
بـدأت ضربات قلبي تتلاحق، متصادمة، كأنها تحاول كـسر القفص مـــن الــداخــل، ثــم… سـمـعـتـه.
صــوت قــريــب مـن أذنـي، بـطـيء، مـبـحـوح: أخيـرًا سبـقـتـك. حـاولت أن أبكي، لم يتحرك وجهي، حاولت أن أغلق عيـني بقيتا مـفـتـوحتـيـن عـنـوة. وحـين حـاول عـقـلي أن يـختـلق تفـسيرًا، سـلبـني قـدرتــي عـلـى الـتـفـكـيـر.
الجــاثــوم أم شــلل النــوم.
الجــاثــوم الــذي خـــرج مـــن ظـلـــي.

بدأت الذكريات تتحرك وحدها، رأيت نفـسي طـفـلًا، مـختبـئًا تحت الــســريــر، بـيـنــما أبــي يــصــرخ فــي الـــغــرفــة الـــمــجـاورة.
رأيت نفسي مراهقًا، أبتسم لأصدقائي وأخفي انهياراتي في الحمّام. رأيت نفسي شابًا، أترك أحلامي عند أول باب مـغلـق وأقـول: خـيـر.
كـــان الـمـشــهــد يـتـغـيــر، وأنـــا ثــابـــت، كـــأن حــيــاتــي تــمـرّ عـــليّ، لا لأمــوت، بــل لأُدان.
والـصـــوت يـعود: كـنتَ سريـعًا في الـهـرب، بطيــئًا فـي المواجهة، فتـركـتـني أكـبـر مــكــانــك.
شعرت أن صدري يزداد ثِقَلًا، وكأن كل ما تهرّبت منه في حياتي قرر أن يــجـلـس فـــوق قلـــبي دفــعــة واحـــــدة.
حــاولــت أن أقـــرأ آيــة، لــكــن لــســانــي لـــم يــتــحـــرك.
حاولت أن أصرخ باسم أمي، وصوتي أيـضًــا اختــفى قبل أن يولد. حينها، رأيته، لم يكن وحشًا، لم يكن شيطانًا، لم يكن “جاثومًا” كـما تــصــفــه الحــكـايـات، كـــان… أنـــا.
نسخة مني، لكن بعينين فارغتين، ومــلامح هادئة أكثر من اللازم، وابتسامة من يعرف أنه انتصر، مــدّ يـــده نـاحيتي، ولمست أنامله صدري، وقال بهدوء قاتل: كنتُ صبرك الطويل، فلما انتهى، خرجتُ مــكـــانـــه.
الجــاثــوم أم شــلل النــوم.
قـــبـــل شـــلل النــوم كـانــت الـســاعـة 3:13
فـجأة، تحرّك جسدي،اندفعت جالسًا على السرير، ألهث، كمن خرج مـــن قــبــره الآن.
وجــدتُ أن العــرق يغطينــي، الــهواء حاد في صدري، والغرفة كمـا هي، لا أحد فيها.
قلت لنفسي: كــابـــوس، لـكــن شيــئًا واحـدًا لـم يـكن كـما تركــتـه الــسـاعة!
لم تعد تشير إلى 3:13.
كانت تشير إلى 3:14.
مــرت الأيام، عـاد النـوم إليّ، لـكـن لم يعد آمنًا، بدأت أرى ظله فــي الزحام.
في المرآة، أراه واقفًا خلفي، يبتسم، في صوتي، أسمع نبرة غريبة لا تشبهني، كنت أُنجز أكثر، وأشعر أقل، أضحك في الوقت الـــمناسب، وأخـتــفي حيــن أحـتــاجنــي.
وبينما الناس يمدحون قوّتي المفاجئة، كنت أشعر أن شيئًا ما يُسرق مــنـي ببـــطء، دون مـــقــاومـــة.
فــي اللــيلة الأربــعــيـن، استيــقــظت في نـفـس التـوقيــت 3:13. لكـني هذه المرة كنت أتحرك، قمت من السرير، ســرت نحو الـمـرآة. لم أجد انعكاسي، وجدته هو. قال بهدوء: الدور عليك الآن، أن تـنام مــكــاني، ثــــم انـــطـــفـأت الـــغــرفــة.
استيــقظ جــسدي فــي الصباح، ذهب إلى العمل، تـحدث مع الناس. ابتسم، عاد إلى البيت، أما أنا، فما زلت مسـتلقيًا فـي تــلك اللحـظـة، عند 3:13، مفتوح العينين، أنتـظر أن يســمح لي جـسـدي بالعــودة.
الجــاثــوم أم شــلل النــوم.

الـجاثــوم يــولــد من الامـنـيـات المـكـسـورة.
لكن الزمن هنا لا يتحرك كما تعرفه، لا دقائق، لا سـاعات، فــقـط ذلك الــرقــم الــعــالــــق فــــي رأســي كـالــمــســمـار: 3:13
لا أشــعر بجســدي، لكننــي أشعر بكــل شــيء آخر، الخــوف، الندم، الذكــريــات، حتـــى الأفــكــار التـي كنت أهرب منها في اليقظة، هنا تـصـطــف حـــولــي كـدائرة محـكـمة.
في البداية، ظننت أنني نائم، ثم ظننت أنني ميت، ثم اكـتشفــت أن الأسـوأ مــون الاثــنيــن هـــو أن تــكــون مـــوجــودًا بـــلا جــســد.
كنــت أسمع حركته في الخارج، أسـمعـه يستـخدم صـوتي، يضحـك بنفس الطريقة، ينادي أمي باسمي، يـجـلس مـكـاني عـلـى الـطـاولة. كنت أصرخ داخلي: ده أنا… ده مش هو! لكــن العالـم لا يسمع من لا يــمـلك فـمًــا.
مـــرّت اللــيـــلة الأولـــــى، ثـــم الـثــانــيـــة، ثـــم لا أعــــرف كـــم. كـل مرة أظن أن جسدي سيعود ليسأل عني، كل مرة يخيب ظني.
رأيته يقع في الحب، يمشي بذراعيّ حول امرأة لــم أعــرفها، يتكلم عن أحلام لم أحلم بهــا، يــقـول بثقــة لـم أعـرفها أبــدًا: أنــا تـمــام. وكــان هــذا أكـثـر مــا يــؤلمـنــي.
الجــاثــوم أم شــلل النــوم.
أنـا والآخر داخـل شــلل النـــوم الجاثــوم.
في إحدى الليالي، سمعته يدخل الغرفة، اقتـرب مــن المـرآة، جلـس علــى الــســريــر، وقـــال بـــهــــدوء: لـــســه عــــايـــز تــــرجـــــع؟
لم أعرف كيف سمعني، لكـنني صرخت بكل ما تبقى لي: رجّعني ده جـســدي، ده عــمــري!
ابتــســـم وقـــال: إنـت كـنـت مسـتـخدمــه بــس وأنــا اســتلـمــته. ثــم أضــاف: أنــت كــنـت عــايــش بتــأجِّـــل، وأنـــا جـــاي أنــفّــذ.
بدأت أفقد ملامحي، لم أعد أتذكر شكل وجهي، ولا صوت ضحكتي. حتى اسمي صار غريبًا عليّ، كنت أذوب ببطء، كما تذوب الأحـــلام عنـــد الاستـــيـــقـــاظ.
وفـــي لحظة يأس أخيـــرة، فكـــرت: لو استـــطـعــتُ أن أوقـظــه، لـــو أجــــبــرتــه علـــى الـــنــــــــوم… ربــــمــــــا أعــــــــود أنــــــا. جمعت كـــل ما بقي لـــي من وعــي، كل خوف، كل ندم، كل صرخة مــكـــبوتـــة.
وصحـت فيــه من أعــمــاقي: نــــام زي مــــا كنـت دايمًا بتــعـمـــل!فجأة…ترنّح، جلس مكانه ببطء، وضع رأسه على الوسادة. وأغـمض عـيـنــيـه، وفـــي اللـــحـــظــة نــفــســها…شـــعـــرت بــجــســـــدي. استيقظت، أتنفّس، أتحرك، قلبي يخبط بقوة كأنه عاد من عالم آخر. قفزت من السرير، ركضت إلى المرآة، رأيتني،لكنني لم أشعر بإرتياح. كــــــان فـــــي عــــينـــــــي شـــــــيء لـــــــم يــــــكــــــن لـــــــي.
الجــاثــوم أم شــلل النــوم.
خرجت إلى الشارع، الناس كما هم، الدنيا كما هي، لكــنني لست كمـا كنت، صرت أقل خوفًا، وفي المساء، وأنا أخلع ملابسي أمام المــرآة لاحظت شيئًا صغيرًا على صدري، كدمة داكنة فـي موضــع الضـغط. اتّسعت عيناي،وفي رأسي، سمعت صوته للمرة الأخيرة: مـاتـقلـقـش إحنـا دلوقتي واحـد.
وفي الليلة التالية، حين تمدّدت عــلى السرير، فتـحـت عينـي عـنـد 3:13 لكــن، هذه المــرة، كـان الذي ينظـر مــن الـسـريـر، ليـس أنــا.
أنــا المســجون خــلف شـــلل النـــــوم الجــــاثــــوم.
فــي الليلة التالية، لــم أحتج أن أنتظر 3:13، الـرقـم جاءني وحـده مــطبــوعًــا عــــلى ســقــف الغــرفــة، كأنــه نــدبــة فـــي عــينـــي. تمدّدت على السرير، جسدي ثقيل، رأسي فارغ كأن شيئًا ما بداخلي انتهى من الترتيب.
أغمضت عيني، وللمرة الأولى، لم يحدث شلل، لـم يحدث ظِــل، لـــم يحدث ضغط، حدث فراغ،ثم سمعته من داخلي، لا من حولي: فـاكِر آخـــر مــــرة قــلــــت فــيـــها: مـــش قـــادر أكــمـــل؟
ارتعش قلبي، تذكّرت ليلة قديمة، قبل كل شيء، ليلة جلـست فيـهـا وحــدي، أطفـأت النـــور، وقـلـت بـصـوت مــكـسـور: يـا ريتني أنـام ومــصــحــاش.
كنـت أظـنــها جــمــلـة عــابــرة، تنــهيدة تعــب، دعــوة بـلا يــقــين. لـكنه أكـمل بصـوتي: أنـت مـا طلبتش المــوت، أنت طلبت الإعفـاء.
الجــاثــوم أم شــلل النــوم.
فهمــت، لــم يــكن الجـاثـوم، لم تـكن هلوسة، لـم يكن خلل نوم، كان البــديـــل، النسخة التي تولد عندما يتنازل صاحبها عن نفسه، ولـــو مرّة واحدة بصدق.
كل مرة هربتُ فيها من مواجهة، كل مرة قلتُ: مـش وقتـه، كل مـرة رضيتُ بأقل مما أستحق، كنتُ أوسّــع له المقــعد داخـــلي، إلـــى أن جــلـــس.
حــــاولـــت أن أصــــرخ: أنـــــا مــــا كنــتــش أقـــصــــد!
ردّ بهـــدوء قاتــل: وأنـــا مــا كــــنــــتــش مـــســــتـــني إذنــــك.
شـلل النــوم الـدقيـقـة التـي سُــرقـت.
شعرت بجسدي يفرغ، ليس كشلل، بل كخلعٍ بطيء للروح، ذكريـاتي تتساقط، اسمي يتفكك، وجهي ينسحب مـن ذاكرتي كـمـا ينسـحب الحلم عند الاستيقاظ.
آخر ما رأيته، هو وهو يمسك قلبي بيـديّ، ويرتّبه فـي مــكانـه، كـمـا يُرتّب شخص بيته الجديد.
في الصباح، استيقظ الجسد، ذهب إلى العمل، ضحك ونجح، وأيضًا ترقّى، وتزوّج.
صـار الرجــل الــذي “كــان يــجــب أن أكــونـــه”.
أمـــا أنــــا، فـــلـــم أمــــت، وهــــذا كـــان الـــعــقـــاب.
أنا الآن، مسافة خلف عينيه، مجرّد شاهد، لا أستطيــع الحــركة. ولا الصراخ، ولا الاعتراض، أشاهده يعيش حياتي بلا خــوف، وأدفـع أنا ثمن الرغبة في الهروب.
لــم يــأتِ أحــد ليــنقــذني لأننــي، أنـا مــن فتحتُ لــه البـاب.
الجــاثــوم أم شــلل النــوم.
تمت.
زينَب عطية.
لقراءة مقال أفضل كتب تنمية ذاتية من هنا
اكتشاف المزيد من عوالم من الخيال
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.



