اللامبالاة في المجتمع: أخطر مرض لا نراه.

اللامبالاة في المجتمع: أخطر مرض لا نراه.

اللامبالاة في المجتمع: المدينة التي لا تشعر.

كنت أظن أن أسوأ ما قد يحدث لمدينة هو الفوضى؛ ضجيج لا يتوقف، شوارع مزدحمة، خلافات صغيرة تكبر ثم تُنسى.

لكنني اكتشفت متأخرًا أن الفوضى على الأقل علامة حياة، وأن المدينة التي تخلو من الضجيج تمامًا قد تكون أخطر مما نتصور. لأن السكون التام لا يعني السلام دائمًا، أحيانًا يعني أن الجميع اتفقوا على ألا يشعروا بشيء.

انتقلت إلى تلك المدينة منذ أربع سنوات، بدافع العمل أولًا، وبدافع الفضول ثانيًا. كانت تُسوَّق باعتبارها نموذجًا للحضارة الحديثة؛ نظام صارم، خدمات دقيقة، شوارع نظيفة كأنها تُغسل كل ساعة، ووجوه هادئة لا يبدو عليها التعب.

في الأيام الأولى شعرت أنني أخيرًا وجدت المكان الذي أستطيع أن أعيش فيه دون أن أستهلك أعصابي في صراع يومي مع العالم. لا أحد يرفع صوته، لا أحد يتدخل في شؤون غيره، ولا أحد يقترب أكثر مما ينبغي.

لكن شيئًا في هذا “الكمال” كان يقلقني، كلوحة جميلة أكثر من اللازم حتى تشك في أنها تخفي شرخًا خلف إطارها.

في أحد الصباحات، بينما كنت في محطة القطار في طريقي إلى العمل، سقط شاب في منتصف الرصيف. سقط فجأة، كأن أحدهم أطفأ زرًا داخله.

توقعت أن يهرع الناس نحوه، أن يتحرك أحد على الأقل بدافع الغريزة، لكن المشهد كان غريبًا إلى حد أزعجني؛ المارة انحرفوا قليلًا في مسارهم وتجاوزوه كما يتجاوزون عمود إنارة.

لا ذعر، لا صراخ، لا حتى فضول. فقط نظرات عابرة، باردة، ثم استكمال للطريق.

اقتربت منه وحدي، حاولت إفاقته، طلبت إسعافًا، كنت ألوّح بيدي للناس طالبًا مساعدة، لكنهم كانوا ينظرون إليّ وكأنني أنا من أفسد المشهد. أحدهم قال بهدوء غريب: “ستصل الجهات المختصة.” وكأن الإنسان لم يعد مسؤولية بشر، بل ملفًا إداريًا ينتظر الإجراء المناسب.

عادت تلك الجملة معي إلى البيت: “الجهات المختصة.” في تلك المدينة، لم يعد أحد مختصًا بالإنسانية. كل شيء له قسم، إلا التعاطف.

مرّت الأيام وبدأت ألاحظ تفاصيل لم أكن أراها في البداية. جارتي العجوز في الطابق الثالث اختفت فجأة. لم أسمع ضجيج سيارة إسعاف، ولم أرَ أقارب يأتون أو يذهبون. سألت البواب عنها، فقال ببرود:
تم نقلها.

سألته إلى أين، فهز كتفيه بلا اكتراث. لم أكن أعرفها جيدًا، لكنني كنت أراها كل صباح تضع طعامًا للقطط عند باب العمارة. في اليوم التالي لم أجد القطط، ولا الطعام، ولا أثرًا لها. المدينة تبتلع تفاصيلها بهدوء، كما يبتلع البحر حجرًا صغيرًا دون أن يترك دوائر كثيرة.

في العمل كان النظام أشد صرامة. كل شيء يُقاس بالأرقام؛ الإنتاجية، السرعة، نسبة الالتزام. اقترحت في أحد الاجتماعات أن نخصص جزءًا من أرباح المشروع لتحسين ظروف العمال في أحد المصانع المتعاقدة معنا. لم أطلب ثورة، فقط تعديلًا بسيطًا يضمن لهم تأمينًا صحيًا أفضل. ساد الصمت للحظة، ثم ابتسم المدير ابتسامة مهذبة وقال: لسنا مؤسسة خيرية.

ضحك البعض بخفة، وانتهى النقاش. في تلك اللحظة أدركت أن المشكلة ليست في رفض الاقتراح، بل في نبرة الاستغراب التي استقبلته؛ كأن التعاطف فكرة ساذجة لا تليق بأناس “عمليين”.

كنت أعود إلى شقتي ليلًا وأتساءل: متى تحوّل الاهتمام بالآخرين إلى رفاهية؟ ومتى أصبح الحياد فضيلة مطلقة؟ نحن نُربّى على أن اللي ملوش فيه ما يتكلمش فيه، لكننا لم نسأل أنفسنا: وماذا لو كان الصمت مشاركة غير مباشرة في الخطأ؟

تذكرت حديث النبي صلى الله عليه وسلم: مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد.

وتساءلت بيني وبين نفسي: ماذا يحدث لجسد لا يشعر بأطرافه؟ هل يبقى حيًا أم يتحول إلى جسد بلا روح؟ المدينة التي لا تتألم مع أحد، هل هي مدينة قوية… أم أنها فقط فقدت القدرة على الإحساس؟

الاختبار الحقيقي جاء في مساء شتوي، حين رأيت طفلًا يقف عند مدخل أحد المراكز التجارية، يبكي بصوت مكتوم، كأنه يخجل من دموعه. كان الناس يمرون حوله في مسارات محسوبة، لا يصطدمون به، ولا يقتربون منه.

لم يكن هناك خطر ظاهر، فقط طفل ضائع في بحر من الغرباء. وقفت لحظة أفكر، لا لأنني لا أريد مساعدته، بل لأنني بدأت أتشرب قواعد المكان دون أن أشعر. في داخلي صوت يقول: هناك حراس، سيهتمون بالأمر.

وصوت آخر أهدأ لكنه أصدق يقول: “وأنت ماذا ستفعل؟”

اقتربت منه وسألته عن اسمه، عن أهله، حاولت تهدئته، خلال دقائق عثرنا على والدته التي كانت تبحث عنه في الطابق الآخر، وحين احتضنته بكت بحرقة جعلتني أفهم أن الدقائق القليلة قد تكون عمرًا كاملًا بالنسبة لقلب أم.

لم يستغرق الأمر أكثر من ربع ساعة، لكنني تأخرت على موعد مهم، وتلقيت ملاحظة رسمية في اليوم التالي عن عدم الانضباط.

حينها أدركت أن الثمن في تلك المدينة لا يُدفع مرة واحدة، بل يُخصم من إنسانيتك بالتقسيط، كل مرة تختار أن تتجاهل، تربح وقتًا وتخسر جزءًا صغيرًا من نفسك. وكل مرة تختار أن تشعر، تدفع من راحتك، لكنك تستعيد شيئًا أعمق.

بعد عامين من الإقامة هناك، لم أُطرد ولم أفشل، بل على العكس كنت أتقدم مهنيًا، لكنني كنت أشعر أنني أبتعد عن شخص أعرفه جيدًا، نفسي القديمة، التي كانت تنزعج لرؤية متسول في الحر، أو تتألم لخبر حزين في نشرة المساء.

بدأت أخاف من فكرة أن أستيقظ يومًا فلا يهزني شيء، أن أسمع عن كارثة فأقلب القناة لأنني “لا أستطيع تغيير العالم”.

قررت الرحيل بهدوء، كما يفعل الجميع هناك. لم أكتب منشورًا غاضبًا، ولم أُعلن ثورة، فقط اخترت مدينة أقل مثالية وأكثر إنسانية. مدينة قد تتأخر فيها المعاملات، وقد يرفع الناس أصواتهم أحيانًا، لكنك إذا سقطت في شارعها سيجري نحوك أكثر من شخص دون أن ينتظروا “الجهات المختصة”.

تعلمت من تلك التجربة أن أخطر ما يمكن أن نصبح عليه ليس القسوة الصريحة، بل البرود المهذب. أن نبرر صمتنا بالحكمة، وحيادنا بالعقلانية، وابتعادنا بالخوف من التورط.

لكن الحقيقة أن الإنسان خُلق ليشعر، وأن القلب الذي لا يتألم مع الآخرين يبدأ في الذبول، حتى لو ظل صاحبه ناجحًا في مقاييس الدنيا كلها.

اليوم، كلما سمعت أحدهم يقول: خلّيك في حالك، أتذكر تلك المدينة التي لا تشعر، وأدرك أن أسوأ ما قد يحدث لمجتمع ليس كثرة الشر، بل اعتياد الخير على الصمت. لأن الشر حينها لا يحتاج أن ينتصر، يكفيه أن لا يجد من يعترض طريقه.

ولو كان عليّ أن أختصر كل ما عشته هناك في جملة واحدة، فسأقول: ليس كل نظام عادل، وليس كل هدوء سلامًا، وأحيانًا يكون أكثر الأفعال تمردًا، أن تظل إنسانًا في مكان يطلب منك أن تكون رقمًا.

تمت.

زينب عطية

لقراءة قصة جبر الخواطر من هنا.

 

للمزيد من القصص والمقالات


عوالم من الخيال


اكتشاف المزيد من عوالم من الخيال

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

اترك رد