جبر الخواطر، موقف غير حياتي بالكامل

جبر الخواطر، موقف غير حياتي بالكامل.

كنت دايمًا فاكر إن جبر الخواطر كلمة حلوة بنسمعها في الخطب والكلام اللي بيتقال وخلاص من غير ما حد يقف عندها بجد.

لحد ما جه يوم فهمت فيه إن موقف بسيط جدًا ممكن يغيّر حياة كاملة.

ماكانش بطولة، ولا تضحية كبيرة، ولا حاجة تستاهل تتحكي أصلًا.

كانت لحظة إنسانية عادية جدًا. بس اللحظة دي فتحتلي باب عمري ما كنت شايفه.

موقف عابر في يوم ممطر – قصة من قصص عن جبر الخواطر.

كنت دايمًا بقول إن في مواقف في حياتك بتعدي كده عادي.

ولا بتاخد بالك إن ربنا ممكن يكون بيغيّرلك مسار كامل من خلالها من غير ما تحس.

كنا دايمًا بنستعجل النتائج، ونقيس كل حاجة بالمكسب السريع، وننسى إن في حاجات بتتكتب لنا بهدوء في الخلفية.

من حوالي أربع سنين، كنت شغال في محل موبايلات صغير تحت البيت، محل على قدّه، واجهته زجاج قديم متخدش من الزمن، ولافتة باهتة فيها اسمي بخط بسيط.

الشغل مش بطّال، يعني بيجيب مصاريفي بالعافية، لكن مش هو اللي كنت بحلم بيه.

كنت دايمًا شايف نفسي في مكان أكبر، مكتب أنضف، شغل ليه قيمة أوسع، اسم يتحط جنب كلمة مهندس مش بتاع موبايلات.

كنت بقف ساعات أبص للشارع من ورا الزجاج، أشوف الناس رايحة جاية، وكل واحد شكله عارف هو رايح فين إلا أنا.

الإحساس ده كان بيأكلني من جوا، لا بتقدم ولا بتأخر، مجرد واقف.

في يوم مطر تقيل جدًا، من النوع اللي يخلي الشوارع تتحول لبرك مية، والرصيف يختفي، وصوت المطر على الصاج يعمل دوشة تخليك مش سامع نفسك.

الجو كان كئيب في المحل، والزبون قليل.

قعدت ماسك الموبايل في إيدي بلعب بيه من الملل، وبقول لنفسي: هو ده اللي كتبته لنفسي؟

فجأة باب المحل اتفتح، ودخل راجل كبير في السن، هدومه مبلولة، وشاله متغرق مية، وماسك موبايل قديم  بإيده الاتنين كأنه ماسك حاجة غالية قوي.

قاللي بهدوء وصوت فيه رجاء: يا ابني هو ده يتصلّح؟

جبر الخواطر حين لا ينتظر الإنسان مقابل.

بصيت على الموبايل وبصراحة أول فكرة جت في بالي: صعب يتصلح.

قولتله: صعب جدًا يا حاج، قطع غياره قلت خالص في السوق.

سكت شوية وبص للأرض، وبعدين قال بتردد وصوته حزين شوية: عليه تسجيلات صوت لبنتي، الله يرحمها.

إتأثرت من كلامه، لقيته كمل وقال: كانت بتحب دايمًا تسجل فويسات بصوتها عليه، كنت بفتحها وأنا مسافر والموبايل هو كان شغال بس وقع مني في الميه، ومن ساعتها مش راضي يفتح، ماقدرتش أروح غير لما أحاول أصلحه الأول، مش عايز حاجة منه غير صوتها.

سألته: مفيش نسخة تانية؟ على موبايل تاني؟

هز راسه وقال: لا، ده كان بتاعي أنا بس.

افتكرت ساعتها حديث النبي ﷺ: من فرّج عن مسلم كربةً من كرب الدنيا، فرّج الله عنه كربةً من كرب يوم القيامة.”

هو أنا قدام كربة؟ يمكن بسيطة، بس بالنسبة له كانت كبيرة.

خدت الجهاز من إيده وقلتله: سيبهلي يومين كده أحاول، يمكن يظبط معايا وإن شاء الله خير.

بعد ما الراجل مشى، قعدت على الكرسي البلاستيك اللي ورا المكتب، وحطيت الجهاز قدامي.

فتحت ضهره، نفخت التراب، ركبت البطارية، وصلت الجهاز بالكمبيوتر.

برامج قديمة، محاولات كتير، رسائل خطأ، توصيل وفصل، كان كل شوية أفقد أمل.

بعد محاولات كتير، قدرت أوصل لجزء من الذاكرة.

ملفات صوت، بصيغة قديمة، دست تشغيل.

وطلع صوت بنت بتضحك… بابا، عامل إيه.

حسيت بفرحة وقتها كأني عملت إنجاز كبير، كأني أصلحت حاجة أكبر بكتير من موبايل.

وبعد ما حددت كل الملفات الموجودة قدامي، حفظتها ونسختهم على فلاشة،وعملتله نسخة احتياطي.

تاني يوم الراجل جه بدري، كنت مستنيه من غير ما أقول لنفسي.

حطيت الفلاشة في اللاب، وشغلت أول تسجيل.

سمع صوتها، صوت بنته وهي بيتسجله.

بصيت عليه لقيته قعد على الكرسي وبكى، كان بُكاء راجل كبير مش متعود يعيط قدام حد.

قاللي وهو بيحاول يتمالك نفسه: أنا كنت فاكر إني فقدتها للمرة التانية.

ودعالي دعوة حسيتها طالعة من قلب موجوع: ربنا يعوضك ويجبر خاطرك في أعز ما عندك.

الموضوع خلص هنا بالنسبة لي، ورجعت لحياتي العادية: المحل، الزبون، الملل.

رزق غير متوقع، أثر جبر الخواطر في حياتنا.

لكن بعد شهر تقريبًا، وأنا قاعد في المحل، دخل نفس الراجل، بس المرة دي مش لوحده، كان معاه شاب باين عليه في منتصف الثلاثينات.

قاللي: ده جوز بنتي، ولسه راجع من السفر من كام يوم.

الشاب سلّم عليا وقال: “أنا عندي شركة برمجيات، وبابا حكالي اللي حصل معاه، على رغم من صعوبة فتح الفون واسترجاع الملفات بالسرعة ومع ذلك تحاول من غير ما تضمن نتيجة، ومن غير ما تطلب مبلغ كبير.

قلتله عادي يعني.

قاللي:مش عادي.

وقالي إنهم فاتحين فرع جديد، وعايزين ناس تكون شاطرة وأمينه زيك كده.

ماكنتش مصدق، روحت المقابلة بعدها بأسبوع… واتقبلت.

سيبت المحل، وبدأت شغل جديد،مرتب أحسن. بيئة أحسن. مستقبل أحسن.

جبر الخواطر، الباب الذي لا نراه

بعد سنة تقريبًا، وأنا قاعد في المكتب بتاعي، افتكرت يوم المطر ده، وصوت المطر على الصاج، والراجل المبلول و الموبايل القديم.

لو كنت قلت للراجل: ماليش دعوة.

لو كنت اعتبرت الموضوع مضيعة وقت.

لو كنت قفلت المحل بدري وروحت.

مكنتش هبقى هنا، ساعتها فهمت حاجة بسيطة جدًا:

إنت مش بتتعامل مع مواقف، إنت بتتعامل مع اختبارات صغيرة جدًا محدش بيقولك نتيجتها إمتى.

يمكن ربنا بيبعتلك رزقك في صورة إنسان محتاج.

يمكن بيختبر قلبك قبل مهارتك.

يمكن بيشوف هتعمل الصح حتى لو محدش شايفك.

وأكتر حاجة بتضيع على الناس فرصهم.

إنهم بيحسبوا المكسب الفوري بس.

هستفيد إيه؟ هاخد كام؟ إيه اللي هيعود عليا دلوقتي؟

ونسوا إن في دعوات بتسبق خطواتك، ونسوا إن جبر الخواطر مش رفاهية، ده باب رزق، باب بركة، باب طمأنينة.

الراجل ده علّمني حاجة من غير ما يقصد: أحيانًا ربنا بيبعتلك باب في شكل شخص محتاج مساعدة.

بيفتحلك باب أكبر ماكنتش حتى فاكر إنك تستحقه.

ومن ساعتها وأنا عندي قاعدة واحدة: عمري ما أستهين بموقف بسيط، لأن أبسط لحظة ممكن تكون بداية لحياة مختلفة.

تمت.

زينب عطية.

لقراءة رواية حجر الجن من هنا

 

للمزيد من القصص والمقالات


عوالم من الخيال


اكتشاف المزيد من عوالم من الخيال

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

اترك رد