حكايات ذرية من قهوة الحاج عطية|الجزء 3|

المشهد الأول :-

حكايات ذرية من قهوة الحاج عطية

كانت أمسية هادئة في المقهى، الحاج عطية يجلس على كرسيه يتلو آيات القرآن بهدوء بعدما عاد من صلاة التراويح، تكة يعد المشروبات للزبائن بسرعة لتفادي غضب أحد زوار المقهى البغضاء الذي يكن لهم كل الضغينة.
كان الرجال الثلاثة منغمسين في حواراتهم، يتناقشون في مشكلة ما تخص شكري في العمل، أرهقتهم تفاصيلها الكثيرة التي تدل على صغر عقل زملاء شكري في العمل ونفوسهم المشؤومة.
قطع استرسالهم في الحوار صوت جلبة قرب باب المقهى، تبعها دخول طفل صغير ليشتري قنينة مياه معدنية.
تساءل تكة بصوت عالٍ :-” هل مازالت بنت الحاج حسن مريضة ؟!”
رفع الحاج عطية رأسه عندما انتبه أن الطفل هو مصطفى بن صديقه الحاج حسن، غمز لتكة لكي لا يأخذ منه نقودًا، ثم قال بتعاطف للصغير:-” كيف حالك يا صغيري، وحال والدك؟!”.
ابتسم الصغير و تبادل حوار قصير باستعجال لأن عائلته تنتظره في الخارج، ثم خرج مسرعًا واستقل سيارة أجرة مع عائلته وأخته المريضة.

حكايات ذرية من قهوة الحاج عطية

المشهد الثاني:(الرؤية)

حكايات ذرية من قهوة الحاج عطية

التفت رشدي إلى الحوار فتنحنح وسأل الحاج عطية بقلق:-” ما ببيت الحاج حسن؟!”
ارتسمت الشفقة على محياه قبل أن يرد قائلًا :-” ابنته ممسوسة، هناك من سحر لها بالمرض.”
التفت أباظة مندهشًا وقال:-“كيف ذلك؟!”
قال الحاج عطية مفسرًا:-“مرضت الفتاة من فترة، آلام في معدتها لا تحتمل، ذهبوا بها لطبيب أمراض باطنة، ظن أنها اعراض جرثومة معدة، ولا شيء في تحليل الجرثومة.”
قال رشدي:-” وماذا فعل الطبيب؟!”
قال تكة متدخلًا:-” ظل لمدة شهر كامل يحاول معها بكل انواع المطهرات المعوية، والمضادات الحيوية…لم يُبقي الرجل نوعًا إلا وقد كتبه.”
ثم استرسل تكة في ذكر جميع المضادات الحيوية التي وصفها الطبيب للفتاة المسكينة
امتعض أباظة بشدة وقال:-” كيف يعطي مضادات حيوية بكل هذا القدر في شهر واحد وهو يجهل التشخيص؟!”
قال الحاج عطية:-“احتار المسكين لم يكن له حيلة غير هذا…الألعن هو ما قد اكتشفوه بعد ذلك.”
سأل شكري بفضول:-“ما الذي عرفوه؟!”
قال عطية بهلع بعد أن بسمل:-” قرأت الفتاة الرقية الشرعية عندما احتارت في علتها…فواردها حلم كأنها طيف سابح وجسدها مسجي على طاولة أمامها، ثم تقدمت هي في الحلم فشقت أحشاءها حتى أخرت منها عيونًا وشعرًا وأسنانًا.”
رفع رشدي حاجبيه في عجب وقال:-“حلم غريب المعالم.”
قال الحاج عطية:-” والحلم الذي يقظته وقت الفجر رؤية.”
قال شكري :-” أهم ذاهبون بها إلى طبيب أخر ؟”
قال أباظة بعدم اقتناع:-“وكيف عرفوا تأويل حلمها؟”
فقال تكة:-” استشارت أم الفتاة جاراتها، فدلتها أحداهن على شيخ سره باتع.”
نظر رشدي لأباظة نظرة ذات مغزى وقال محللًا الوضع:-” وبالطبع طلب رؤية الفتاة، وقرأ عليها، وقال لهم أنها مسحورة بعمل سفلي لكي تمرض.”
قال الحاج عطية:-” بالضبط، والسحر خبيث مدفون في جثة لا يدرون في أي قبر تقبع….فنصح الفتاة وأهلها بأن يقرأ عليها ويرقيها بشكل مستمر وهكذا.”
قال رشدي :-” وما حال الفتاة؟!”
قال الحاج عطية:-” مسكينة تارة ترتاح وتارة لا تخلد للنوم من آلام بطنها.”

حكايات ذرية من قهوة الحاج عطية

حكايات ذرية من قهوة الحاج عطية

المشهد الثالث:-(ما بين العلم والدجل)

حكايات ذرية من قهوة الحاج عطية
عدل أباظة وضع نظارته قائلًا:-“أتدرون أن هناك تفسير طبي لهذا….قد تكون الفتاة مصابة بورم التيراتوما .”
قال الحاج عطية:-” ما الذي تقوله يا برفسور أقول لك رأت الفتاة في حلمها عيونًا في معدتها وتقول لي ورم لمَ فأل الشؤم هذا ؟!”
قال شكري ساخرًا:-” وهل كان السحر هو التفسير الخير؟!”
قال أباظة مفسرًا تحليله السابق؛-” بزعم أن رؤية الفتاة إشارة لحل الأعراض، فورم التيراتوما ينتج عنه تشكل عيون أو أسنان أو حتى شعر وأظافر في المبيض للإناث.”
ترك تكة ما كان يفعله واقترب قائلًا بتعجب :-” وكيف يعقل هذا؟”
فأكمل أباظة تحليله قائلًا:-” توجد خلايا تدعى الخلايا الجرثومية germ cells، تلك الخلايا تحمل المادة الوراثية في جسم الإنسان، وتعتبر هي الشعلة الأولى لتكوين جسم الجنين، حيث لها القدرة على الإنقسام والتمايز، ثم تعود مجددًا للأعضاء التناسلية بعد تكوين الجنين وتطوره لتكون الحيوانات المنوية والبويضات.”
قال تكة :-” وما علاقة ذلك بفيلم الرعب الذي كان في الحلم؟”
فرد عليه أباظة قائلًا:-“تلك الخلايا لا تنسى قدرتها الأولى، فعندما يحدث سرطان ونمو غير طبيعي البتة في تلك الخلايا تفقد السيطرة على نفسها وتبدأ سلسلة عشوائية من الانقسامات والتمايز لتفعل ما كانت ستقوم به لو كانت في الرحم ( تكوين جنين جديد) وهنا تحدث تلك الفوضى في المكان الخاطيء.”
هنا قال شكري ليحاول تجميع أفكاره:-“إذًا الخلاصة هي أن الخلايا الجرثومية هي “الخلايا الأصلية” التي ينبغي أن تصنع الحياة، ولكن عندما يحدث خلل في طريقها أو انقسامها، فإنها قد تكون هذه الأورام العجيبة التي تحاكي أنسجة الجسم المختلفة.”
وافقه أباظة القول، بينما وضع الحاج عطية يده على لحيته قائلًا بتعجب وذهول:-“يا ويلي!! تفسير السحر كان أهون، إنه مرض غريب!”
قال رشدي وهو يقلب عينه بين الجمع :-” لابد أن تذهب الفتاة لمركز الأورام للتحقق من ذلك.”
حك شكري ذقنه وتساءل:-” لكن من أين أتى ذلك الشيخ بهذا التفسير؟!”
نظر أباظة ورشدي لبعضهما وهنا فهم شكري أنهما يشكان في ذلك الرجل، فابتسم بمكر وقال:-” وكيف تتأكدان؟”
قال رشدي :-” اتركها عليَّ!”

حكايات ذرية من قهوة الحاج عطية

حكايات ذرية من قهوة الحاج عطية

المشهد الرابع:( العلاج الوهمي)

حكايات ذرية من قهوة الحاج عطية

بعد ساعة من انتهاء النقاش، وقفت سيارة أجرة أمام البناية المجاورة للمقهى، نزل الحاج حسن وعائلته يسندون الفتاة التي كانت واهنة وشبه نائمة، صعد الشباب بأختهم إلى المنزل.
خرج تكة مسرعًا ينادي على الحاج حسن ليتمهل قليلًا ، تبعه رشدي وأباظة وشكري، وبعد كلمات المواساة، سأل رشدي بمكر:-” كيف كانت رقية الشيخ؟”
ليقول الحاج حسن بإرهاق:-“رقى الفتاة وبخرها وسقاها مشروب أعشاب طبية مقروء عليه أيات من القرآن، فارتاحت الفتاة ونامت .”
قال أباظة وهو يفرك أنفه:-” هل سمعت ما قرأ عليها، أو معك من هذا الشراب؟!”
ارتاب الرجل وقال وهو يخرج قنينة زجاجية صغيرة من حقيبة بلاستيكية:-” أعطاني قليلًا منه؛ لتشربه ابنتي يوميًا.”
طلب أباظة بفضول أن يرى القنينة، فناوله الرجل إياها، فتحها أباظة واشتم ما بها ثم فرك أنفه بشدة، وناولها رشدي ليقوم بذات الفعلة ثم أعادها إلى الرجل، وودعوه وعادوا أدراجهم.
قال شكري بفضول :-” ماذا شممتم؟!”
قال رشدي :-” رائحة الحشيش طاغية في المشروب.”
ليردف أباظة :-” وعلى ملابس الحاج حسن أيضًا، لذا أظنه يخلطه مع البخور لتستنشقه الفتاة وتنام.”
قال الحاج عطية بغيظ :-” ابن الأرندلي، ليس شيخًا بل نصاب ودجال…سأخبر حسن لكي يأخذ الفتاة إلى مستشفى الأورام غدًا.”
تفاجأ الجمع بصوت شكري قائلًا عبر هاتفه المحمول:-” مرحبًا! شرطة النجدة، أريد الإبلاغ عن دجال ومتاجر في المخدرات…إليكم العنوان….”

-سلمى مسعد

للمزيد من القصص والمقالات


عوالم من الخيال

 

 

 


اكتشاف المزيد من عوالم من الخيال

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

تعليق واحد

  1. تحفة بجد .. عندما تكون الكاتبة صاحبة علم.. بارك الله فيك دكتورة وزادك يا رب

اترك رد