حكايات ذرية من قهوة الحاج عطية
المشهد الأول :-
حكايات ذرية من قهوة الحاج عطية
-“والله ما أهلكنا سوى هذا.”
صاح بها شكري بخيبة أمل كبيرة.
فقال تكة بامتعاض:- والله لم أسمع به من قبل…”
ثم تحرك بعيدًا عن الطاولة صوب المذياع، ورفع الصوت ليصدح الشيخ محمد صديق المنشاوي بآيات من سورة الأحزاب.
-( مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ ۖ فَمِنْهُم مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ ۖ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا) [الأحزاب: 23].
قال الحاج عطية بهدوء :
-” يا أستاذ شكري، شباب هذه الأيام -إلا من رحم ربي- مع الأسف لا يبحثون في علوم الدين، تجد المرء لا يفقه منهم سوى حفنة مما لا يسع المسلم جهله من الثوابت.”
قال رشدي ملطفًا الاجواء عندما أحس أن تكة قد تجهم من الخجل:
-” أنا أيضًا لا أعلم من هو صاحب الشهادتين.”
فنظر له شكري بحيرة وقال بعجبٍ:
-” أن لك هذا يا رجل، أنسيت ما درسنا صغارًا؟!”
قال أباظة متدخلًا:
-” إنه الصحابي الجليل خزيمة بن ثابت الفاكه الأنصاري -رضي الله عنه- ”
قال تكة محاولًا تجنب توجيه الحديث إلى شكري؛ حتى لا يسمعه المزيد من التأنيب :
-” وما علاقته بتلك الأية يا دكتور أباظة ؟”
فرد شكري قبل أباظة متحفزًا :
-” الأصح أن تسأل في البداية لمَ لقب بهذا اللقب؟”
نظر له تكة بجانب عينه، وقد علم أنه لن يصمت في ليلته هذه، فقال كاظمًا غيظه:
-” أفدنا من علمك، يا أستاذ شكري.”
حكايات ذرية من قهوة الحاج عطية
حكايات ذرية من قهوة الحاج عطية
المشهد الثاني :-
حكايات ذرية من قهوة الحاج عطية.
انفرجت أسارير شكري؛ لأنه يتحمس عندما يتعلق الأمر برواية السيرة وقال:
-” في يوم من الأيام ابتاع رسولنا الكريم -صلى الله عليه وسلم – فرسًا من أعرابي، فاستتبعه ليقبض ثمن فرسه، وكان النبي الكريم في مشيته سُرعة، فتقدم عليه وتخلف الأعرابي بضع خطوات عنه، فلم يشعر الناس أنهم مترافقان في الدرب، فبدأ رهط من الناس يوقفون الأعرابي ويعرضون عليه شراء دابته، حتى جاء له عرض بأكثر مما سيدفع النبي.”
فقال تكة :
-” ولكن لا يجوز أن يبيع ما هو مُباع اصلًا.”
فسأل أباظة متدخلًا:
-” إلا لو؟!”
فأكملها له رشدي:
-” لم يرَ أحد أنك قد بعته.”
فأردف شكري يكمل :
-” وهنا مربط الفرس، استعجل الأعرابي أجرته، فنادى النبيَّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ وقال: إن كنتُ مبتاعًا هذا الفرسَ وإلا بعتُه، فتوقف النبي صلى الله عليه وسلم حين سمع نداءَه وقال: أليس قد ابتعتُه منك؟
فقال الأعرابي مجادلًا : لا واللهِ، ما بعتُكَه. فقال النبيُّ: قد ابتعتُه منك.
وظلا يتجادلان حتى احتشد عليهما الناس، فقال الأعرابي بمكر :
-” هلمَّ شاهدًا يشهد أني قد بعتُكَه.”
لأنه يعلم أن ما شهد عليه شاهد – سوى رب العالمين بالطبع-
فلم يستجب أحد من الحشد، حتى شق الحشد رجلنا (أبو عمارة) وقد فهم ملابسات الموقف وقال:
-” أنا أشهد أنك قد بعتَه.”
فأقبل النبيُّ صلى الله عليه وسلم على خزيمة متعجبًا فقال: بم تشهد؟
قال: بتصديقِك يا رسول الله.
فجعل رسول الله شهادة خزيمة بشهادة رجلين ( أي أن من شهد له خزيمة كفته شهادته).”
فقال تكة بغير فهم :-” وما علاقة هذا بالآية ؟”
فقال أباظة مصححًا :
-” ليس بتلك الأية فقط وإنما بثلاث آيات ، فهناك اخرتين هما أواخر سورة التوبة، {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ * فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ} [التوبة: 128-129].”
أكمل عنه شكري:
-” عندما بدأ زيد بن ثابت بجمع القرآن، كانت مهمته صعبة للغاية، ويجب أن تكون دقيقة فلا مجال للخطأ، فوضع شرطًا ألا تُكتب آية إلا بشهادة رجلين أنها كتبت بين يدي النبي ﷺ، فهنا لعبت شهادة خزيمة المضاعفة دورًا عظيمًا، فوجد زيد أواخر سورة التوبة عنده وعند أبي خزيمة( في رواية أخرى) وحفظت تلك الآيات، وأما الأحزاب ،فكان زيد قد سمع تلك الآية يصلي بها النبي، وفقدها فما وجدها إلا مع خزيمة (فكفت شهادته) .”
حكايات ذرية من قهوة الحاج عطية
حكايات ذرية من قهوة الحاج عطية
المشهد الثالث:-
حكايات ذرية من قهوة الحاج عطية
قال الحاج عطية :
-” سبحان من حفظ كتاب.”
فقال شكري:
-” لا أعلم كيف يمكن للمرء أن يعبر على الأيات كل مرة ولا يدرِ فيما نزلت، أو ما وراءها من أحداث ولا قصص الصحابة.”
فقال أباظة :
-” هناك مشكلة عويصة في عصرنا هذا، أننا نعلم أهل النار ولا نعلم أهل الجنة، ولا تتلى سير الصحابة بأعتبارهم القدوة في البطولة، فصار الأطفال من الصغر يعلمون الأبطال الخارقين ولا يعلمون حمزة وعمر وحد معرفتهم بالفتى على أنه نام في سرير النبي ليلة الهجرة، وتختصر أخبارهم في المناهج الدراسية – إن ذاكر أحد التربية الدينية من الأساس.”
فقال رشدي مردفًا :
-” حتى الأبطال الرياضيين، يعرف الجميع بولت كأسرع عداء، ولا يعلمون سلمة بن الأكوع الذي كان يسابق الخيل والإبل من سرعته، ويقاتل سيرًا على الأقدام.”
فرد أباظة:
-” كانت العرب سابقًا يفخرون بأبطالهم، وكان المسلمون يفخرون بالصحابة كزينة الفتيان وأشد الرجال، وكان الصحابة لا تقتصر مميزاتهم في فنون الحرب والعلوم ولكن منهم من كان شاعرًا، ومنهم سديد القول الحكيم، ومنهم معسول الكلام السفير، فكانوا خير صورة ومثل في أن تكون خير الرجال….وهذا ما افتقرناه في زمن يتخذ فيه الأطفال المغنيين والراقصين قدوة، ولا يعلمون من الرياضة سوى التعصب لخسارة فريقك المفضل ، ولا علم لهم إلا ما علمتهم في مناهج التعليم ، وبحثهم على تيك توك يفوق بحثهم في المراجع.”
فقال تكة بحيرة:
-” يبدو أنه قد فاتنا الكثير.”
ليقول شكري :
-” علينا اللوم أيضًا فنحن من أفلتناكم حتى التقطتكم الملهيات.”
فابتسم تكة قائلًا:
-” إن شرحت لي دون عتب، سأتي إليك كلما كنت هنا لتعلمني شيئًا جديدًا.”
قال شكري مازحًا:
-” رغم أنك غلاباوي، لكنني موافق.”
وهنا عقدت الصفقة عن تراضٍ.
– سلمى مسعد
اكتشاف المزيد من عوالم من الخيال
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.



