رواية جزيرة إبستين

رواية جزيرة إبستين.

البداية الغامضة لجزيرة إبستين.

دعني أسألك سؤالًا بسيطًا.

ماذا لو أخبرتك أن هُناك جزيرة صغيرة، جزيرة إبستين لا تتجاوز مِساحتها بضع كيلومترات، كانت تعرف من يَملُك العالم؟

لا… لم تكن جزيرة مهجورة، لم تكن خرابة في عرض البحر، كانت فاخرة، مضاءة جيدًا.

ومستعدة لاستقبال ضيوف من نوع خاص.

طائرات خاصة، رحلات لا تمر عبر البوابات المعتادة.

قائمة أسماء، لا تُنشر كاملةً.

والمثير؟ أن كثيرًا من تلك الأسماء، كانت تظهر علىٰ شاشات الأخبار صباحًا، ثم تختفي ليلًا في مكان لا تلتقطه عدسات المصورين.

لا تتعجل، لسنا هنا لنطلق اتهامات، نحن فقط نربط النقاط.

صعود الرجل الغامض وعلاقاته في جزيرة إبستين.

الرجل الذي امتلك الجزيرة، لم يكن سياسيًا، ولم يكن عالمًا، وأيضًا لم يكن فنانًا، بل كان رجلًا يعرف كيف يقترب من الدوائر الصحيحة.

صعوده كان سريعًا، وثروته تضخمت كأنها تعرف الطريق وحدها.

وعلاقاته؟ كانت أكبر من أن تُفسَّر بسهولة.

هل كان عبقريًا؟ أم كان مجرد بابٍ يعبر منه آخرون؟

ثم حدث ما لم يكن متوقعًا: اعتقال، تحقيقات، ملفات فُتحت فجأة.

العالم بدأ يسأل: من كان يزور جزيرة إبستين فعلًا؟ ولماذا الآن فقط نتكلم؟

ليلة النهاية الغامضة في جزيرة إبستين.

لكن الليلة الأكثر غموضًا، لم تكن ليلة الوصول، كانت ليلة النهاية، كاميرات تعطلت، حُراس ناموا.

سجين وُضع تحت المراقبة، ثم لم يعد يتنفس، التقرير الرسمي قال: “انتحار”.

لا أطلب منك أن تصدق نظرية، ولا أن تتبنى شكًا، ولكن فكر: ولو كانت الجزيرة تعرف أسرارًا تهز عروشًا، هل كان مسموحًا أن تبقى مفتوحة؟

لم أكن أنوي أن أكتب عن تلك الجزيرة التي تدعى جزيرة إبستين.  في الحقيقة، كنت أظنها مجرد خبر عابر، واحد من تلك الأخبار التي تشتعل فجأة ثم تنطفئ قبل أن تترك أثرًا حقيقيًا في الذاكرة. لكن المشكلة أن بعض الأخبار لا تنطفئ بل تتوارى. تختبئ تحت السطح، وتظل تنتظر من يعيد طرح السؤال الخطأ في الوقت المناسب.

جزيرة إبستين
جزيرة إبستين

الجزيرة صغيرة. هذا أول ما يخدعك. قطعة أرض محاطة بالماء من كل الجهات، نخيل، رصيف خاص، مبانٍ بيضاء لامعة تبدو في الصور كمنتجع فاخر لا أكثر. لو رأيتها في كتيب سياحي لظننت أنها مكان مثالي لقضاء عطلة هادئة بعيدًا عن ضجيج المدن، لكن الغريب أن الضجيج كان يصل إليها رغم بعدها. ضجيج الطائرات الخاصة، تحديدًا.

قد تقول إن الأمر طبيعي، أثرياء يتزاورون. سياسيون يتعارفون، رجال أعمال يبحثون عن صفقات. نعم، هذا التفسير متاح دائمًا، وهو التفسير الأكثر راحة. لكن المشكلة لم تكن في الزيارات وحدها، بل في السرية المبالغ فيها، في الإصرار على أن تظل التفاصيل ضبابية. في ذلك الشعور الغامض بأن الجزيرة لم تكن مجرد مكان للترفيه، بل مساحة خارج الرقابة، خارج الحساب.

وحين بدأت الأسئلة تُطرح، لم تُطرح بهدوء، بل بانفجار. فجأة تحولت الجزيرة من منتجع خاص إلى عنوان رئيسي في الصحف. وبدأت كلمة واحدة تتردد في كل مكان: التحقيق.

هنا تحديدًا يصبح المشهد أكثر تعقيدًا. لأن التحقيق لا يكشف فقط ما حدث، بل يهدد بكشف من كان هناك. ومن كان هناك، بحسب ما نُشر في تقارير إعلامية متعددة، لم يكونوا أشخاصًا عاديين. سجلات رحلات، صور قديمة. شهادات، كل شيء بدأ يتراكم، كأن أحدهم نسي أن يُحكم إغلاق الباب.

كان الرجل رهن الاحتجاز. تحت المراقبة. هذا ما قيل رسميًا. لكن في تلك الليلة، تعطلت كاميرات. وُجدت ثغرات في الإجراءات. واستيقظ العالم على خبر وفاته. التقرير الرسمي قال إنها نهاية اختارها بنفسه. وهناك من قبل الرواية كما هي. وهناك من تساءل، بهدوء في البداية، ثم بصوت أعلى: هل كانت صدفة؟

أنا لا أملك إجابة، ولا أزعم أنني أملك الحقيقة الكاملة. لكن ما أعرفه أن بعض الوقائع حين تجتمع، تترك ظلًا أطول من المعتاد، أن تتعطل الكاميرات في توقيت حساس، أن تُغلق ملفات بسرعة لافتة. أن يتحول الحديث من “من كان يزور؟” إلى “لماذا نتحدث عن هذا الآن؟” كل ذلك لا يثبت شيئًا، لكنه لا يريحك أيضًا.

أنت حر في أن تختار الرواية التي تناسبك، أن تصدق النسخة الرسمية كاملة، أو أن تشك في بعض تفاصيلها، أو أن تضع الملف كله في درج “الأمور التي لن نعرفها أبدًا”، لكن قبل أن تفعل، تذكر شيئًا بسيطًا: ليس كل ما يُغلق ينتهي، وليس كل ما يُنسى يختفي.

وأن البحر، مهما بدا هادئًا… يخفي تحته دائمًا ما لا نراه.

ليلى منصور واكتشاف شبكة جزيرة إبستين.

لم تظهر “ليلى منصور” في أي صورة رسمية للجزيرة، لم تكن سياسية،ولا وريثة عائلة نافذة، ولا نجمة مجتمع.

كانت صحفية استقصائية، من النوع الذي لا يحب الظهور أصلًا، تؤمن أن أفضل مكان للرؤية هو الظل.

حين بدأت قصة الجزيرة تطفو على السطح، لم يشدها اسم المالك بقدر ما شدّها اسم آخر، تكرر في سجلات الطيران الخاصة. اسم رجل أعمال عربي-أوروبي يُدعى “مازن الديب”. لا تُعرف عنه فضائح، لا تُعرف عنه قضايا، فقط شبكة علاقات واسعة، وابتسامة ثابتة في كل الصور.

جلست ليلى أمام شاشة حاسوبها تقلب البيانات التي حصلت عليها بصعوبة، تواريخ الرحلات، أوقات الهبوط، أرقام الطائرات، كانت تعلم أن الأرقام لا تكذب، لكنها أحيانًا لا تقول الحقيقة كاملة أيضًا. رن هاتفها، كان رقمًا مجهول، لم تقلق لأنها كانت معتادة على تلقي المكالمات المجهولة والتي تتبعها التعديلات بعد كل تقرير صحفي كانت تعمل عليه.

تهديدات مجهول من جزيرة إبستين. 

– ليلى، أنصحك تبعدي عن الموضوع ده. كان الصوت هادئًا، باردًا، بلا تهديد مباشر.

سألت بثبات: مين معايا؟

– شخص مش حابب يشوفك تتورطي في حاجة أكبر منك.

ابتسمت، لم يكن هذا أول اتصال من هذا النوع، لكنها لاحظت شيئًا جديدًا: لم يُنكر المتصل وجود شيء أصلًا. فقط وصفه بأنه “أكبر”. أغلقت الهاتف دون رد.

في الجهة الأخرى من المدينة، كان مازن الديب يجلس في مكتبه الزجاجي المطل على النهر، المكتب أنيق أكثر مما ينبغي. كل شيء في مكانه، حتى الصمت.

دخل مساعده بهدوء: في صحفية بتسأل عن رحلات قديمة، يا فندم.

رفع مازن عينيه ببطء: اسمها؟

– ليلى منصور.

توقف لثانية، ثم عاد ينظر إلى الملف أمامه: الناس بتحب تحفر في الماضي. سيبها تحفر.

– ولو لقت حاجة؟

رفع مازن حاجبه: اللي بيدور على حاجة، غالبًا بيلاقي نفسه.

ليلى لم تكن تبحث عن فضيحة، كانت تبحث عن نمط، لكي توصل إلي الحقيقة.

اكتشفت أن الرحلات إلى الجزيرة لم تكن عشوائية. كانت مرتبطة بمواعيد محددة: مؤتمرات اقتصادية، قمم سياسية، اجتماعات دولية. كأن الجزيرة لم تكن مكانًا للراحة،بل امتدادًا لغرفة اجتماعات مغلقة.

في إحدى الليالي، التقت بمصدر قديم في مقهى بعيد عن وسط المدينة.

كان اسمه “يوسف”، عمل سابقًا في شركة طيران خاصة.

قال بصوت منخفض: الجزيرة دي ما كانتش مجرد وجهة. كانت محطة.

– محطة لإيه؟

– لناس محتاجة تتكلم بعيد عن التسجيل.

– يعني صفقات؟

يوسف هز رأسه.

– مش دايمًا فلوس.

سكت لحظة، ثم أضاف: أحيانًا نفوذ.

لم تكن ليلى ساذجة، هي تعلم جيدًا الفرق بين الشك والدليل، لكنها كانت ترى أن الصورة أكبر من مجرد رجل ثري وجزيرة خاصة. كان هناك خوف غير معلن. توتر في نبرة كل من يُسأل.

وفاة مالك جزيرة إبستين؟ 

وفي منتصف كل هذا، جاء خبر وفاة المالك.

جلست أمام التلفاز تتابع البيان الرسمي. الكلمات كانت مرتبة بعناية. “انتحار.” “لا شبهة جنائية.” “إغلاق الملف.”

أغلقت الشاشة، ثم همست لنفسها: لما الملف يقفل بسرعة كده يبقى لسه مفتوح.

في تلك الليلة، تلقّت رسالة إلكترونية من عنوان مجهول، كانت تحتوي على ملف مرفق، وقعت عيناها على عنوانه: قائمة لا يجب أن تُنشر.

ترددت في بداية الأمر ولكن انتهى التردد بضغطها على الزر.

لم تكن القائمة مليئة بأسماء مشاهير كما توقعت. كانت مليئة بشركات. مؤسسات. صناديق استثمار. منظمات ضغط.

همست: آه، كده الصورة أوضح.

الموضوع لم يكن أشخاصًا فقط، كان شبكة.

في صباح اليوم التالي، استيقظ مازن الديب على خبر صغير في أحد المواقع المستقلة: هل كانت الجزيرة مجرد منتجع أم مساحة خارج الرقابة؟”

قرأ المقال حتى النهاية، ثمابتسم: واضح إن في حد مش فاهم اللعبة.

سؤال بلا إجابة عن جزيرة إبستين.

الرواية هنا لا تقول إن أحدًا مذنب، ولا تزعم امتلاك الحقيقة.

لكنها تسأل: ماذا يحدث عندما تتقاطع الثروة مع السياسة؟

وعندما تصبح الأماكن المعزولة أكثر ازدحامًا من العواصم؟

يتبع…

انتظروا المزيد من القضايا والجزء القادم من تحقيقات جزيرة إبستين

بواسطة: زينب عطية.

لقراءة مقال إزاي تختار رواية من هنا 

للمزيد من القصص والمقالات


عوالم من الخيال


اكتشاف المزيد من عوالم من الخيال

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

اترك رد