على باب الله1

على باب الله.

على باب الله
على باب الله

كان دايمًا عندي مشكلة مع فكرة “التقدير”، كنت بحب أشتغل، وأتعب، وأجتهد، بس جوايا صوت صغير مستني حد يقول: شاطر، مستني تصفيق، أو على الأقل اعتراف إن اللي بعمله ليه قيمة.

فكنت دايمًا بشارك أي إنجاز كنت بعمله على السوشيال، مع اللي حواليا، لحد ما بقت عادة فيا.

ورمضان تحديدًا كان بيكبر الإحساس ده، كنت بشوف الناس بتنزل صور شنط رمضان، وموائد الرحمن، وفيديوهات توزيع الأكل.

وأقول لنفسي: هو الخير لازم يتشاف عشان يتحسب؟ هو أنا بحب أعمل الخير دا لله ولا عشان يتقال عليا بتاع خير؟

وهل القيمة الحقيقية للفعل في عدد اللي عرفوا بيه ولا في نية اللي عمله؟ ولو محدش شافك، هل لسه عندك نفس الحماس تعمل الصح؟

على باب الله: حين يصبح الخير في الخفاء أعظم من التصفيق.

الأسئلة دي فضلت فترة طويلة بتلف في دماغي، بس بصراحة، ماكنتش بحب أواجهها، كنت دايمًا بختار الإجابة اللي تريحني، مش اللي تكشفني.

كل سنة، أول ما الشهر يدخل، تبتدي المبادرات: صور شنط رمضان، فيديوهات توزيع وجبات، بوستات مؤثرة عن فعل الخير. وكنت بشارك، أحيانًا بنيّة صادقة، وأحيانًا بنيّة مختلطة، أعمل الخير، وأحب إن الناس تعرف إني عملته، لحد السنة اللي فهمت فيها الفرق.

الشركة اللي بشتغل فيها قررت تشارك في حملة تجهيز كراتين لقرية فقيرة، الدنيا كانت مليانة حماس. كراتين بتتفتح، أكياس رز وسكر بتتوزع، ضحك وصور سيلفي، ومدير بيعدّي يشجع الكل. الجو كان جميل، وفيه طاقة إيجابية.

كنت وسط الزحمة، بنقل كراتين وبضحك، وبفكر أي صورة هتنزل أحسن. مش بفكر في الموضوع بشكل سلبي، لكن كان في دايمًا جزء صغير جوايا مستني اللحظة اللي أتحط فيها في الصورة.

على باب الله: حكاية بسيطة عن الصدقة في الخفاء وبركة الإخلاص.

وفي وسط المشهد ده، عيني راحت على عم حسين.

عم حسين عامل النظافة في المبنى من سنين، راجل كبير في السن، شعره أبيض، حركته هادية، وصوته دايمًا واطي، موجود طول الوقت، لكن نادرًا حد بياخد باله منه، بييجي بدري قبل الكل، ويمشي بعد الكل، وكأنه جزء لا يتجزأ من المكان.

كان واقف بعيد شوية، بيتفرج علينا وإحنا بنجهز الكراتين. لا شارك، ولا قرب، بس عينه كانت متابعة بهدوء.

قربت منه بهزار وقلتله: إيه يا عم حسين، مش هتيجي تتصور معانا وإحنا بنعمل الخير؟

بصلي وابتسم ابتسامة بسيطة جدًا، وقال جملة عدّت في ساعتها كأنها عادية: أنا صورتي عند ربنا تكفيني يا ابني.

ضحكت، وهزّيت راسي ورجعت أكمل شغل، بس مش هنكر إن الجملة علقت في دماغي، مش عارف ليه.

بعد شوية، وأنا بعدّي جنب الكراتين، شفته بيعمل حاجة بسرعة، كان ماسك ظرف أبيض صغير، وبحركة هادية جدًا حطه جوه واحدة من الكراتين، وبيبص حواليه كأنه بيتأكد إن محدش شايفه.

استغربت. قربت منه بعد ما خلصنا وسألته: حطيت إيه؟

اتلخبط شوية وقال: ولا حاجة مهمة، شوية فلوس بسيطة.

قلتله: بس إنت على قد حالك يا عم حسين.

رفع عينه وبصلي نظرة فيها رضا غريب، وقال:

أنا بقالي تلات سنين بجمع من مرتبي كل شهر جزء صغير، كنت ناوي أشتري بيه موبايل جديد، الموبايل اللي معايا قديم وبيفصل كتير، بس لما سمعت عن الحملة دي، فكرت إن يمكن حد محتاج الفلوس دي أكتر مني، أنا الأمور مستورة معايا، من أكل وشرب وبيت برجعله دايمًا، غيري مش لاقي لقمة ولا حتى عنده بيت، وربنا شايف ومطلع.

الكلمة الأخيرة دي فضلت ترن في ودني: وربنا شايف.

دخلت في قلبي كده بشكل مختلف.

مش الناس، ولا الكاميرات، ولا الإدارة، لا..ربنا.

رجعت بيتي الليلة دي، وقعدت لوحدي في البلكونة، ماسك الموبايل وبقلب في الصور اللي اتاخدت النهارده؛ صور ضحك، وصور كراتين، وصور جماعية. لكن أول مرة أحس إن في حاجة ناقصة.

سألت نفسي بصراحة: أنا بعمل الخير ليه؟

لو محدش هيعرف، هل هعمله بنفس الحماس؟

لو مفيش تقدير، هل لسه شايف إن له قيمة؟

فضلت أفكر في عم حسين… في مرتبه البسيط، وفي الموبايل اللي كان نفسه يشتريه، وفي الظرف الأبيض اللي اختفى جوه كرتونة من غير ما حد يشوف، تأملت المشهد دا وفيه شعور غريب جوايا، قلق، عدم راحة، ماكنتش قادر أحدد.

بعد يومين، قررت أعمل تجربة صغيرة مع نفسي.

روحت اشتريت مواد غذائية على حسابي، وجهزت كرتونة بنفسي، بس المرادي لا قلت لحد، و لا شاركت في جروب، و لا صورت حتى لنفسي.

اخترت أسرة محتاجة في منطقة قريبة، وسيبت الكرتونة قدام الباب ومشيت بهدوء.

ولما نازلت من على السلم، سمعت صوت الباب بيتفتح، وقفت تحت شوية كده لما سمعت صوت ست مليان امتنان وفرح :

يا فرجك يا رب، مين اللي عمل كده؟ ربنا يجبر بخاطرك ويفتحلك أبواب السماء.

وفكرت لحظة، وكان ممكن أرجع وأقول أنا، رغم إني مش هنكر إن جزء من جوايا بيلح عليا وبيتباهى بكده، بس قررت اتجاهله وماعملش كده.

مشيت،ولأول مرة في حياتي أحس براحة صافية بالشكل ده، راحة من غير تصفيق، من غير شُكر مباشر، من غير حتى اسم، كأن في حاجة جوه قلبي بتتغسل، ومن وبعد الشعور دا قررت إني همشي على النهج دا.

عدّى رمضان، وعدّت شهور، والحياة رجعت لطبيعتها؛ شغل، ضغط، اجتماعات، لحد ما حصلت مشكلة كبيرة في الشركة، خطأ إداري اتحط اسمي فيه، رغم إنه مش بتاعي.

الموضوع كبر بسرعة، وبقى فيه تحقيق داخلي.

كنت قلقان جدًا، حاسس إن تعبي كله ممكن يضيع بسبب سوء فهم.

وفي يوم الاجتماع النهائي، مدير الشركة بصلي وقال:

أنا راجعت كل التفاصيل. وإنت أكتر واحد شفت عنده أمانة في الشغل. حتى في الحاجات اللي محدش بيراقبها.

الجملة دي وقعت عليّ تقيلة؛الحاجات اللي محدش بيراقبها.

والغريب إني حسيت ساعتها إن ربنا بيردلي حاجة… يمكن دعوة من حد خد الكرتونة دي، يمكن لحظة إخلاص محدش شافها، يمكن ظرف صغير اتحط في كرتونة من غير كاميرا.

مش بقول إن ده سبب مباشر، لكن كنت متأكد إن في ميزان تاني غير اللي إحنا شايفينه، ميزان بيتحسب فيه الإخلاص قبل النتيجة، والنية قبل الصورة.

ساعتها فهمت درس عمري ما كنت واخد بالي منه:

مش كل خير لازم يتشاف، وأحيانًا أقوى الأعمال هي اللي محدش يعرف عنها حاجة.

ومش كل حاجة تتعمل عشان الناس تعرفها، في أعمال بتترفع مباشرة، من غير وسطاء، من غير تصفيق.

إنك تختار الإخلاص حتى لو نفسك بتحب الظهور.

إنك تؤمن إن في عين لا تنام.

من يومها، بقيت كل ما أعمل حاجة في السر، أفتكر ابتسامة عم حسين، وجملته البسيطة: صورتي عند ربنا تكفيني.

لأني اكتشفت إن أعظم أثر ممكن تسيبه في حياتك، هو الأثر اللي يتكتب في السما قبل ما يتشاف على الأرض.

على باب الله: لماذا الأعمال الصامتة هي الأكثر أثرًا وبركة؟

تمت..

زينب عطية.

لقراءة قصة اللامبالاة في المجتمع من هنا.

للمزيد من القصص والمقالات


عوالم من الخيال


اكتشاف المزيد من عوالم من الخيال

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

اترك رد