في ضيافة نوح الألفي

في ضيافة نوح الألفي 

خارج اختصاص نوح الألفي: الجزء الأول.

آخر حاجة كنت أتوقعها إن ابقى متهم في محضر جنائي، وقّعهُ ضدي بطل روايتي المُفضلة!

قاعد في المترو، فاتح الرواية وبحاول أبان عميق ومثقف قدام بنت جميلة واقفة قصادي.

وطبعًا، المترو في ساعة الذروة ملوش علاقة بالروايات ولا بالأجواء الهادية؛ لأني كنت قاعد محشور في مكاني، وأكيد مش هحكي تفاصيل الأجواء والزحمة ناهيك عن الروايح.

ومع ذلك كنت مصمم أعيش الدور، فتحت رواية “قضية ذيل القط” ودا هيوضحك إن ميرنا المهدي كاتبتِي المُفضلة.

وعدلت نضارتي وفتحت أول صفحة ” التهميد”  وأنا بقرأ أول صفحة بصوت واثق، وعيني على البنت اللي قدامي وبتبص في موبايلها، تعمدت يبقي صوتي مسموع شوية ( عشان تسمعني طبعًا)

قضية ذيل القط لميرنا المهدي.

“أدعى نوح الألفي.. أنا ضابط في المباحث الجنائية في منطقة قصر النيل.. أنا ميت، تقريبًا…”

خلصت الجملة واستنيت أشوف نظرة الإعجاب أو الفضول في عينها، لكن اللي حصل إنها نفخت بضيق وقالتلي:

يا أستاذ، مادام ميت تقريبًا، ومخلص إجراءاتك، ممكن تقوم تقعدني مكانك؟ رجلي ورمت من الوقفة وحضرتك عمال تحضر أرواح هنا!

الركاب اللي حوالينا كلهم ضحكوا، قفلت الرواية وحطيتها في كيس ف ايدي بسرعة، وقومت وأنا وشي بيغلي من الكسوف، وحسيت إن “نوح الألفي” نفسه لو شافني في اللحظة دي كان استقال من المباحث الجنائية.

نزلت في محطة “قصر النيل”، كانت لحظة الفرج وأخيرًا عرفت أتنفس.

في ضيافة نوح الألفي: محطة قصر النيل.

بس المحطة كانت فاضية بشكل مُريب، وده غريب على وقت زي ده، طلعت الرواية من الكيس عشان أحطها في الشطنة، بس لمست حاجة لزجة على الغلاف.

فتحت الصفحة الأولى، كانت عادية للحظة الأولى لحد ما الكلام المطبوع بدأ يتحرك! النقط السوداء بدأت تسيل على الورق الأبيض زي ما يكون حبر لسه مكتوب حالًا، الجملة اللي كانت بتقول “أنا ميت، تقريبًا” بدأت الحروف فيها تتجمع من تاني عشان تشكل جملة جديدة تمامًا:

​أنت اتأخرت يا ماجد، التمهيد خلص، والمقابلة بدأت.

الحبر الأصفر اللي كان بيميز الاقتباس بدأ يشع نور خافت ومزعج للعصب البصري، وفجأة، سمعت صوت خبط منتظم جاي من نفق المترو الضلمة، خبط جزاز عسكري تقيل بيقرب مني.

الكهرباء قطعت في المحطة كلها، إلا النور اللي طالع من صفحة الرواية، لمحت في المراية اللي ورايا حركة، لقيت ملمح وشه بدأ يظهر ورا كتفي، مش لابس لبس ضابط، لكن عينه كانت مطفية تمامًا، وماسك في إيده كارنيه مكتوب عليه بخط أحمر: “المباحث الجنائية – قطاع ما بعد الموت”.

همس في ودني بصوت بارد زي التلج: مش أنت اللي كنت بتنطق اسمي من شوية؟ أهو أنا جيت.

حاولت أجري، بس رجلي كانت كأنها لازقت في أرضية الرصيف، الضابط اللي واقف ورايا مكنش له ظل، والنور اللي طالع من الرواية كان بيقطع ملامحه بطريقة تخلي القلب يقف، مد إيده الباردة وخد الكتاب من إيدي بمنتهى الهدوء.

مواجهة مع بطل ميت.. تقريبًا

فتح صفحة “التمهيد”، وطلع قلم حبر قديم، وشخط بخط عريض على جملة “أنا ميت، تقريبًا…”.

بص لي بعيون خالية من أي تعبير وقال: “تقريبًا دي كانت رفاهية مخلصتش، دلوقتي النقطة التالتة اكتملت.”

​بصيت على الورقة، لقيت اسمي مكتوب تحت اسم “نوح الألفي” الحبر مكنش أسود، كان أحمر، وبيطلع منه ريحة شبه ريحة الورق القديم المحروق.

فجأة، رصيف المحطة بدأ يتمط، والحيطان البيضاء بدأت تتشقق وتتحول للون أحمر دموي داكن، بيفكرني بلون الخلفية اللي كنت صممتها لموقع “دار الكرم” المحطة مبقتش محطة مترو، بقت ممر طويل لـ “لوكاندة” قديمة، أبوابها كتير وكل باب عليه رقم بلون ذهبي مطفي.

الضابط مشي قدامي وهو بيخبط بالجزاز العسكري، وكل خبطة كانت بتسمع في دماغي مش في ودني. وقف قدام باب رقم “2024” نفس السنة اللي نشرت فيها روايتي الأولى، وقال بصوت يشبه فحيح الأفاعي: هنا بنحقق في الجرائم اللي الكُتاب بيعملوها في أبطالهم، أنت متخيل إن موت الأبطال في رواياتك بيعدي بالساهل؟

الجزء الثاني: في ضيافة نوح الألفي.

فتح الباب، ولقيت نفسي قدام الضحايا، الأبطال اللي كتبت عنهم في رواياتي.

كانوا قاعدين حوالين طاولة خشبية قديمة، وفي نصها كان فيه طبق فيه كب كيك، بس مكنش يفتح النفس، كان عليه طبقة من الرماد.

​واحد منهم قام وقف، ملامحه كانت مشوشة كأني لسه مخلصتش رسم شخصيته في خيالي، وقال: أنا ميت، مش تقريبًا يا ماجد.. أنا ميت بجد بسبب قلمك، وجيه الوقت إنك تجرب الإحساس ده.

​الضابط نوح الألفي قعد على رأس الطاولة، وفتح الرواية على صفحة فاضية، وقدم لي القلم وقال: اكتب نهايتك دلوقتي، قبل ما الحبر يخلص، وقبل ما المترو الأخير يوصل.

وقفت قدام الطاولة، وعيني مش قادرة تنزل من على عين البطل اللي ملامحه لسه ممسوحة، كان ماسك في إيده قلم “ديجيتال” شبه اللي بستخدمه في تصميم أغلفة “Dark Noir”.

الضابط نوح الألفي خبط بإيده على الطاولة، فجأة الطبق اللي كان فيه “الكب كيك” اتحول لمجموعة أوراق محروقة، هي دي مسودات رواياتي القديمة.

​”اكتب..” همس نوح بصوته اللي كان بيقطع السكون زي الموس، اكتب مخرج ليهم، أو مخرج ليك. القواعد هنا مش زي قواعد ‘كلية الحقوق’ بجامعة القاهرة اللي بتدرس فيها، هنا العدل بيتحقق بالحبر، مش بالمواد القانونية.

مسكت القلم، إيدي كانت بتترعش، بصيت في الورقة الفاضية، وبدأت أكتب أول جملة جت في بالي، جملة كنت ناوي ابدأ بيها كتابي الجديد “ألف ليلة وليلة”: الهروب مش دايمًا جبن، أحيانًا بيبقى ذكاء.

بمجرد ما كتبت الجملة، الأبطال اللي حوالين الطاولة بدأوا يصرخوا، البطلة اللي كنت عذبتها في رواية “جرائم معكوسة” قامت ووقفت قدامي، وشها كان شاحب جدًا، وقالتلي: “إحنا مش مجرد حبر على ورق يا ماجد.. إحنا حتت من روحك، وزي ما حبستنا في الدراما النفسية والغموض، إحنا هنحبسك في الصفحة دي للأبد.

بصيت لنوح الألفي، لقيته بيبتسم ببرود وهو بيعدل نضارته السوداء، وقال: “أنا ضابط جنائي يا ماجد، مش منقذ.. ومهمتي إني أسلمك لضحاياك.”

الجزء الثالث: في ضيافة نوح الألفي.

حسيت إن الورقة بدأت تسخن تحت إيدي، لقيت نوح الألفي قرب مني، ملامحه كانت بتتحول لخطوط حبر مشوشة وهو بيقول بخرير صوت مرعب: فاكر إن مجرد جملة في كتاب جديد هتغير القواعد؟ إنت في محكمة الحبر يا ماجد، والقانون هنا مبيعرفش الثغرات اللي بتدرسها في عالمك.

بصيت له بثبات وطلعت اللابتوب بتاعي من الشنطة، الشاشة نورت، وبدأت أصابعي تتحرك بسرعة على الكيبورد وأنا بفتكر كورس الذكاء الاصطناعي اللي درسته. مكنتش بكتب مرافعة، كنت بفتح ملف مشروعي القديم عن “توقع رفض الجسم للأعضاء”.

​إيه اللي بتعمله ده؟ صرخ نوح الألفي وهو شايف الحروف المطبوعة في الرواية بتبدأ تتهز وتسيح زي الدم.

رديت عليه بتركيز تام: أنا بستخدم الذكاء الاصطناعي عشان أمسح ‘أثري’ من الصفحات دي، لأن نسيت أقولك إن رواياتي كنت بحولها لكود برمجي، في الطب، لما بنزرع عضو جديد في جسم غريب، الجهاز المناعي ساعات بيعتبره عدو وبيبدأ يهاجمه ويطرده، ده اللي بنسميه : رفض الجسم للعضو.

وأنا دلوقتي ببرمج “حالة رفض حاد” لوجودي جوه عالمك، الكود هيجبر الرواية إنها ترفضني وتطردني براها!

لكن قبل ما أدوس “Enter” عشان أنهي البرنامج، الشاشة قلبت أحمر دموي، وظهرت الرسالة اللي جمدت الدم في عروقي:

خطأ في النظام: لا يمكن تغيير القدر، الضحايا يطلبون التوقيع الأخير.

وفجأة، كل حاجة تلاشت في سحابة سوداء، فتحت عيني بسرعة وأنا بنهج، لقيت نفسي قاعد في نفس المترو، الهزة كانت مجرد وقوف المترو المفاجئ في المحطة، بيعلن وصولي لمحطتي، بصيت حواليا برعب، مفيش لوكاندة، مفيش دم، ومفيش ضحايا واقفين حواليا.

بصيت في إيدي، لقيتني لسه ماسك الرواية.. رواية “قضية ذيل القط”. كانت مفتوحة على صفحة التمهيد ، رققت عيني وأنا بقرأ السطر اللي كنت لسه ناطقهُ من شوية: أنا ميت، تقريبًا.

​حسيت ببرودة في أطراف صوابعي، وبدأت أشك في كل اللي حصل، هل أنا نمت لمدة دقيقتين وحلمت بكل ده؟ ولا عقلي اللي متعود على قصص الغموض والرعب النفسي هو اللي ألف المشهد ده في ثانية؟

رفعت عيني ببطء عشان أتأكد من البنت اللي كانت قاعدة قصادي، لقيتها لسه موجودة، وبتبص لي بنفس القرف من فوق لتحت.

قمت عشان أنزل محطتي، وفي ثانية كانت نطت مكاني وكأن الكرسي ورث ومستنياه، قعدت وهي لسه بترميني بنظرات الغل التاريخية، وبتبص لي من فوق لتحت وهي بتبرطم بكلام مش مفهوم،تفتكروا كانت بتبص لي كده عشان ما قمتش وقعتها مكاني طول الطريق؟ ولا مالها دي؟

تمت..

زينب عطية.

لقراءة مقال الربح من مهارة الكتابة من هنا 

 

للمزيد من القصص والمقالات


عوالم من الخيال


اكتشاف المزيد من عوالم من الخيال

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

اترك رد