لعنة زمجر

لعنة زمجر

العين تُدركُ بالبصر.. والقلب يُدركُ بالبصيرة.
____________________♡

أثناء مروري أمام مخبزن العيش البلدي اليوم سمعت جارتي أم إحسان تقول للبائع بكل عفوية، أنَّ الحاج إسماعيل الدرويش هو رجل بركة وأنه من أصحاب الخطوة الذين يسافرون من مكان لآخر في لمح البصر

وحينما كذَّبها نظرت له وهي تقول مقسمةً أن هناك الكثيرين ممن ذهبوا لحج بيت الله الحرام قد رأوه هناك!

القصة ذكرتني برحلتي لمدينة العريش من حوالي ثلاثون سنة، يعني في وقتها كان عندي حوالي 25 سنة وكنت ما أزال شباب.

كنا مجموعة مكونة من ثلاثة أصحاب ذاهبين لزيارة أحد اصدقائهم من العرب في مدينة العريش

حيث الطبيعة الجبلية والصخرية والصحراوية الخلابة والمدهشة، القصة التي ما زالت لا استطيع الجزم في كونها حقيقة أو خيال فربما أن واهم.. مختل عقليًا.. لا أعرف.

لأنه للأمانة لست أنا بطل القصة الوحيد… بل أنا وثلاثة من اصدقائي..إثنين منهم لا أستطيع أن أجعلهم يحلفون لي بأن كل ما حدث حقيقة وثالث مسافر.. حضرنا جزء واقعي منها وجزء لا يمكن للعقل أن يسميه.

صديقي هذا قرر أن يأخدنا لرحلة صحاري.. وهناك نزلنا ضيوف لدى قبيلته.. بالتحديد مع جده الذي كان يسكن واحة في الصحراء، وهذه الواحة اسمها “زمجر”

واحة بديعة الجمال.. فيها بحيرة رائعة وتحيط بها الهضاب والجبال من كل إتجاه.. عرفنا وقتها أن جد صاحبنا هذا من المعمرين وعنده 100 سنة

ولكن حينما تراه فبالنسبة لسنه فما يزال الرجل بصحته.. والدموية تجري في وجهه كالنهر، مسيطر على أمور قبيلته وسيدهم وعال العال، يعني حفيده هذا ابن ابن ابنه وصاحبنا هذا عنده متزوج ومعه أطفال بالأساس.

عادات العرب تتخلف عنا كثيرًا، هذا ما فهمتهُ فهمته..

الواحة كانت مشهورة بمغارات الجبال الكثيرة والشقوق التي تغوص في الجبال.. عاديك عن النخيل المنتشر في كل مكان فيها وهذا اعطاها رونقًا خاصًا بها.

في أول يوم وصلنا هناك.. رحب جده بنا ترحيب شديد وذبح لنا ذبيحة، رغم إني كنت أشعر بنظرة عتاب وغيظ في عيونيه تجاه حفيده.

أول يوم كان بالنسبة لنا السحر، حضرنا فرح واحد من القبيلة وخرجنا تجولنا في البر بجانب البحيرة وكان منظر السماء والنجوم أكثر من رائع

لعنة زمجر

ثاني يوم وثالث يوم.. ورابع يوم.. كل يوم أجمل من الذي قبله.. خصوصًا وأنت تتعرف على عادات جديدة وحياة جديدة.. بعيدًا عن التكنولوجيا والهم اللي بوظ عقولنا.

حتى جاء خامس يوم… وعلى المغرب.. كل القبيلة اطفأت أنوارها بشكل غريب.. جاء صاحبنا وقال لنا:

“يا شباب اليوم ما في طلعة وما حدا يخرج من الخيمة.”

وقتها سألناه بكل فضول؟ :
« ليه يا مجد، فيه أيه؟»

_ « جدي يقول في هف ريح جاي محمل بغبر الصحاري.. والوضع راح يكون صعيب، الريح هذه ممرضة وحذر كل أبناء القبيلة محداش يخرج، ناموا الليلة وفي الغد نخرج»

حركنا رؤوسنا جميعًا كالحمقى وقلنا:

خلاص اشطا.. بس هنعوض ده بكره.

بعدما اتفقنا على الأمر وضع كل واحد منا دماغه فوق المخدة وبدأت فرقة رضا في غزف سنفونيات الحناجر..

يا نوم طول وهات العمر من الأول… إلا أنا خاصمني النوم..

تعجبت من نفسي:

” ايه كمية النشاط اللي جات لي مرة واحدة دي؟”

تطلعت حولي على الملحنين من اصحابي وعازفي الحلوق المبدعين حولي!

كلهم نائمين..بل موتى! وأنا لا أستطيع أن أغلق عيني من فرط النشاط، تحركت من مكاني، نظرت من باب الخيمة لأرى الأجواء كيف هي ؟

الأمور كلها بخير! والجو جميل والسماء صافية، تعجبتُ!..

” ازاي يعني جده بيقول فيه ريح؟”

غلفت رأسي بما يُسمى «التلفيحة» وخرجت اتمشى قرب البحيرة.. جلست على الشط واندمجت مع شكل المياه التي بتلمع.. وشكل السماء الذي سرق عقلي! مددت بجانبها.

لعنة زمجر

وعيوني تسير مع النجوم التي ولأول مرة أراها بوضوح هكذا ! لحظات وسمعت صوت غناء بدوي! صوت عذب هادي.. حزين.. شجن..صوت لم أسمع له مثيل من قبل!

قمت من رقادي وأنا أتلفت حولي في سعادة.. وعلى بُعد وقعت عيني على فتاة شابة في حدود الثامنة عشر.. تجلس أمام مجموعة من الماعز وبجانبها شعلة من النار.

ترجلت تجاهها حتى تضح ملامحها أكثر، ما هذا! ملامحها خلابة الجمال! ترفع برقعها في راحة وهي متأكدة تمامًا لعدم وجود أحد في هذا المكان من هذا الوقت من الليل.

أقتربت وأنا اتنحنح..

ولا أعلم في وقتها من أين جأت بهذه الجرأة التي تنافي طبيعتي الخجولة!

أعرف عادات العرب وأعرف أن حريمهم لا تتكشف على رجال.. كان من المفروض أن أعود بمجر ما أن أراها ولكن! سحرني جمالها.

اقتربت وقولت لها بدون وعي:

أنتِ إزاي جميلة كده؟ دا كأن ربنا وهبك جمال الكون كله، دا زي ما يكون القمر بيدور في عيونك.

ابتسمت بكل راحة وأشارت على الرمل جمب منها وهي بتقول بصوت ناعم رقيق:

” أجلس يا زين.. أجلس كحيل العين.. عنك يروح البين.. أحظى بكل قليب. ”

قالت هاتين الجملتين مع ابتسامة وعينان تلمعان وأنا وكأني وقعت من الدور العاشر… جلست جانبها وأنا بقول:
« أنتِ اسمك أيه؟ وبتعملي أيه في الليل»

ضحكت. ضحكة جميلة وقلت لي:

«أنا زمجر.. عيون الهوى الحامل … يرميك في المهالك، أنت وقبيلتك.. هالك»

رددت عليها بتعجب مصحوب ببسمة رجل غريق وأنا أقول:

” وماله، بس أنتِ بتعملي أيه هنا بردو؟ ”

لعنة زمجر

اشارت نحو قطيع الماعز الجالسين وهي بتقول:
” برعى قبيلتي.. وعايلتي.. واطعمهم في ليلة صيد”

نظرت للماعز.. وقد فزع قلبي حينما وجدتهم قد وقفوا في اتجاه واحد كأنهم كتيبة وينظرون لي بعيون متسعة لامعة.

نظرت لها وقد تملكني الرعب وانتفض قلبي وجسدي لهول المشهد

ثم وجدتني أقفز في مكاني وأنا اطالعها بجسد مرتعش حينما وجدت فمها وقد انقسم نصفين، واظلمت عيناها..ونما لها قرنا ماعز..وتحولت يداها لحوافر ماعز، رفعتهم وضربتني بهم على رأسي

لم أشعر بعدها بشيء! إلا حينما فتحت عينياي لأجدني مربوط في عمود الخيمة أنا وصديقاي

حينها نظرت لهم بلهفة ودون فهم وأنا احاول استيعاب المشهد وأسأل:

فيه أيه؟ أحنا مربوطين كده ليه؟ أيه اللي حصل؟

دخل مجد صديقي من باب الخيمة ومعه جده الذي يتكأ على عصاه وقد ظهر على وجهه الضيق الشديد والحزن.

سألته بكل خوف: أمجد فيه ايه؟ أنت ازاي تسيبهم يعملوا فينا كده؟ هو ده كرم الضيافة.

نظر لي أمجد نظرة ضيق أكثر وكأنه يريد أن يقت.لني
وبعدها خرج من الخيمة دون حديث وبقى جده الذي نظر لي نظرة لا أعرف معناها؟

لعنة زمجر

نظرت لصديقي بقوة وأنا أصرخ قائلًا:

«الله! هو فيه أيه؟ ما تنطقوا؟ أحنا عملنا أيه علشان يربطونا كده وأمجد ماله مش بيرد علينا ليه؟ انتم غلطتوا في حاجة؟»

كان الخوف والحزن ظاهران على وجهيهما فرغم صراخي عليهما..لا أحد ينطق.

حتى أنفجر حازم في وجهب وهو يقول:

” أخرس بقى ضيعتنا، يعني أنت مش فاكر أنك البارح ق. تلت ولاد عم أمجد الاتنين! واللي واحد منهم كنا يا دوب لسه حاضرين فرحه من كام يوم… الله ياخدك ضيعتنا”

هنا كانت صدمتي وقلبي الذي شعرت أنه توقف للحظات، عقلي الذي يحاول أن يستوعب الذي قيل..

أجبتهم وفي صوتي رعشة واهتزازة:

“إزاي يعني؟ أنا اقتل؟ طب إزاي وامتى؟ أنتم اكيد مجانين، شريف قول له حاجة، قول له أني مش أنا، اكيد ده مقلب صح”

رفع شريف رأسه المنخفض وقال بشيء من البكاء :

” كفاية بقى يا أخي… ضيعتنا كلنا. ”

لعنة زمجر

حدثت نفسي كالأبله:

أيه؟ هما المجانين دول بيقولوا ايه؟

اقترب مني جد صاحبي وهو يمسك في يده خنجر وضعه على عنقي وفجأة……

بقلم /آمنة_محمد

أقرأ قصة حكايات الخاطبة أم سعيد من هنا


اكتشاف المزيد من عوالم من الخيال

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

اترك رد