المجنونة والمقبرة
المجنونة والمقبرة
المجنونةوالمقبرة: عودة ملوك كٕمٕت

في تلك الأثناء، كان الليل قد بدأ يزحف ببطء، وأضواء الشوارع تضيء زوايا المدينة الصاخبة. جلست مريم ورفيقتاها، نور وريم، داخل أحد المقاهي الصغيرة، يُراقبن ناميسا التي بدت أكثر هدوءًا وفضولًا في آنٍ معًا، تحدّق بهن كما لو كانت تراقب لوحة فنية غريبة.
لم تتحمل مريم صمتها الغريب، فمالت للأمام قليلًا، وأسندت ذراعيها على الطاولة، وقالت بجرأة ممزوجة بنبرة تهكمية خفيفة:
— “أنا مريم، ودي ريم، ودي نور… كده عرفتي بينا. فهماني ولا هنُتعب بعض؟!”
ابتسمت ناميسا، وكان في ابتسامتها هدوء مهيب، لكنها فجأة غمزت بعينيها بطريقة غير متوقعة، مما جعل مريم تجحظ عينيها من الدهشة، فصاحت:
— “إيه ده؟! بتغمزي لي أنا؟!”
ضحكت ناميسا بخفوت، ثم ردّت بنبرة يعلوها ثبات غريب، كأنها تتفاخر بشيء لا يُدركنه:
— “نحن نتحدث كل اللغات، ونعرف كل الأسرار.”
لم تفوّت مريم الفرصة، فتسلّلت السخرية إلى ملامحها سريعًا، وقالت وهي ترفع حاجبيها في تهكم واضح:
— “آه طبعًا، وبتحلموا بالمستقبل كمان؟ ولا عندكم اشتراك في قنوات الأحلام؟!”
ضجّت نور وريم بالضحك على تعليق مريم، لكن لم يغب عن أعينهن أن حديث ناميسا لا يبدو مجرد مزاح… كان هناك شيء في نظراتها وصوتها يُوحي بأنها لا تمزح إطلاقًا.
ومع مرور الوقت، ومع كل كلمة جديدة، بدأن يشعرن بانجذاب غريب تجاهها، وكأنها تسحبهن ببطء نحو حكايتها.
جلست ناميسا بثقة، ثم نظرت لهن بجدية:
— “جئت إلى هنا للبحث عن أخي، وقد علمت أن مصيره معلّق في عالمكم هذا… أحتاج مساعدتكن.”
نظرت الفتيات لبعضهن، وبرغم الحيرة، وجدن أنفسهن يوافقن على الفور، دون نقاش يُذكر. شيء ما في أعماقهن دفعهن لذلك، كأن قلوبهن خُطَّ عليها هذا القرار قبل أن يُنطق به.
بعد دقائق، كن جميعًا داخل سيارة، يقودها سائق خاص استأجرنه خصيصًا للرحلة، يعبر بهن بين شوارع القاهرة المكتظة، حيث الزحام لا يرحم ولا يهدأ.
في المقعد الخلفي، جلست ناميسا إلى جوار مريم، تُطيل النظر من النافذة إلى هذا العالم المزدحم، تحدّق بذهول حقيقي… الأضواء تلمع بحدة، الأبراج العالية تخترق السماء، والسيارات تتحرك كالسيل بلا توقف.
أما مريم، فتابعت نظراتها بنصف ابتسامة ساخرة، وهمست لها:
— “إيه رأيك في الكوكب بتاعنا؟ مش قولت لك مفيش أجدع من الجرافيك!”
لكن ناميسا لم ترد، كأن عقلها غارق في مكان آخر… وفجأة، شهقت بحدة، وعيناها اتسعتا وكأنها رأت شبحًا!
صرخت وهي تشير إلى مرآة السيارة الخلفية، وصوتها يقطّع الهواء:
— “أخي! إنه هناك! أراه!”
في لحظة، التفت الجميع باندهاش نحو الخلف، تبحث أعينهم عن المعجزة التي نطقت بها، بينما صاحت ريم، بفزع:
— “يا نهار أبيض! بتهزري؟! فين ده؟!”
لكن نظرات ناميسا كانت ثابتة، تحدق بمرآة السيارة، تقول بإصرار، وهي ترتجف بين الحماس والخوف:
— “إنه هو… نرمر! هو… أخي!”
ارتجفت أنفاس مريم، أما نور، فصرخت في السائق:
— “على مهلك! إرجع بسرعة! اقلب العربية! يلااااا!!”
دبّت الفوضى في السيارة، وأصوات القلوب تسبق أصوات الإطارات، فقد بدأت رحلة المطاردة… رحلة البحث عن نرمر، في قلب مدينة لا تعرف سوى الضجيج….
دون أدنى تفكير، مدّت ناميسا يدها إلى باب السيارة، تحاول فتحه بعنف، غير مدركة أنه ليس بابًا خشبيًا كما اعتادت في عالمها. راحت تضغط وتشدّ وتضرب بقبضتها الصغيرة على الباب بقوة، وهي تصرخ بانفعال يتزايد مع كل ثانية:
— “افتحوا هذا الباب اللعين! أخي هناك! رأيته بأم عيني!”
كانت مريم أسرع من الجميع، أمسكت يدها بشدة قبل أن تُقدم على أي حركة طائشة، وقالت بعصبية وهي تحاول السيطرة على الموقف:
— “يا سلام! على فين كده يا ست الفرعنة؟! انزلي في نص الزحمة دي؟! شفتي إيه؟ عروس البحر ماشية في الميكروباص؟!”
لكن ناميسا نظرت إليها بحدة، وصرخت من بين أسنانها بغضب ملكي:
— “أصمتي! فقط أصمتي، أيتها الثرثارة!”
صمتت السيارة للحظة من وقع كلماتها النارية، قبل أن تنفجر مريم في ضحكة عالية، وهي تهمس مستمتعة:
— “يا سلام! غلطت، أنا كنت مستنياها تغلط! كنت متأكدة إنها هتقول حاجة من كوكبها الفرعوني!”
ضحكت ريم حتى دمعت عيناها، أما نور فتنهدت بجدية وهي تحاول ضبط الموقف وسط الفوضى:
— “يا بنات، كبّروا دماغكم شوية! إحنا محتاجين نفهم، هي ليه مصممة تنزل وسط الزحمة دي؟!”
ردّت مريم، بسخريتها المعتادة، وهي تمثل وكأنها تتحفز للهجوم:
— “أنا هفهمها بعد ما أجيبها من شعرها الأكرت الأول، وبعدين نتحاور كحضارات متحضرة!”
لكنها توقفت فجأة، حين وقعت عيناها على خصلات شعر ناميسا…
شهقت مريم ورفعت حاجبيها في ذهول حقيقي وهي تهمس:
— “يا نهار أبيض! هو أنا اللي اتجننت ولا إيه؟!”
كانت ناميسا تملك شعرًا ناعمًا شديد النعومة، طويلًا ينحدر على كتفيها كالشلال، بلونه الأبيض الفضيّ، يلمع كلما لامسته الأنوار… لم يكن هناك أي أثر لما وصفته مريم من “شعر أكرت”!
ضحكت نور بهمس وهي تهمس:
— “هو إحنا جينا في فيلم ديزني ولا إيه؟!”
أما ناميسا، فلم تلتفت إليهن إطلاقًا، كانت مشدودة تمامًا نحو الزجاج، تضغط بكفيها عليه وهي تلهث بقلق:
— “افتحوا الباب! إنه هو! إنه في العربة اللعينة التي أمامنا!”
نظرت مريم إلى نور، وقالت بسخرية وهي تضحك ضحكة خبيثة:
— “أنا عايزة أفهم، يعني الباب اللي قدامنا ده طلع أخوها؟ هو إيه ده بقى؟!”
وهنا لم تحتمل نور الموقف، فتظاهرت بالجدية، وراحت تحرك يديها بحركات تمثيلية مسرحية قائلة بنبرة ساخرة جدًا:
— “لا لحظة بقى! استني! أنا كده مش قادرة أستوعب! يعني الباب ده بقى أخوها؟! يعني ينفع تقول مثلًا إن النيل عمها؟ ماشي! نعديها، النيل عمّنا وعم كل الشعوب، لكن توصل إنها تقول الكنبة تابوت وتحاول تفتحه عشان تنام فيه؟ برضه نعديها، كل واحد ينام على الجنب اللي يريحه… لكن الباب بقى! الباب أخوها؟! واسكيوزمي؟! لمؤاخذة يعني، ده إزاي؟!”
ضحك الجميع حتى دمعت أعينهم، ولم يعودوا قادرين على التحكم في أنفسهم، حتى السائق كاد ينحرف بالسيارة من شدة الضحك.
لكن وسط الضحك، صاح ريم فجأة وهي تلهث بين القهقهات:
— “بس يا بنات! افتحي اللوك بسرعة خلينا نشوف مين ده اللي أخوها، بدل ما نتزف في نص الشارع!”
بالفعل، توقفت السيارة فجأة، وسارع الجميع بالنزول من الأبواب، يتلفتون في كل اتجاه، يبحثون عن هذا “الأخ الغامض”.
وهناك، على الرصيف المقابل، وقف نرمر، عيناه تتسعان بدهشة، لا يكاد يصدق ما يراه… هل يعقل؟! هل هذه… أخته حقًا؟! كيف وصلت إلى هنا؟! بل كيف عرفت بوجوده؟!
وقبل أن يفيق من صدمته، قاطعته ناميسا، بصوتها الذي اخترق صخب الشارع:
— “نرمر! أنت نرمر! أخي! اشتقت إليك! عندما غبت، لم نعلم عنك شيئًا! أخبرني، ماذا حدث معك؟!”
كان نرمر يهمّ بفتح فمه للرد، لكن فجأة، تعالى صوت ساخر من بعيد، وهو يصرخ ضاحكًا:
— “يلا يلا يا جماعة! انزلوا من على المسرح! الفيلم الفرعوني ده لازم يخلص، بدل ما الناس تحدفنا بالطوب!”
انفجر الجميع ضحكًا من جديد، حتى ناميسا، لأول مرة، ارتسمت على وجهها ابتسامة طفيفة، لكنها سرعان ما نظرت بجدية نحو أخيها، وقالت بهمس حاسم:
“الحديث بيننا لم ينتهِ بعد… كل شيء سيُكشف الليلة…!
وسط تلك الأجواء المشحونة، حدّق نرمر في مريم بذهول حقيقي، ملامحه مشدودة، حاجباه معقودان كأنّه يراها ككائن هبط عليه من السماء، أو من أعماق عالم غريب، ثم تساءل بحدة وهو يرمقها من رأسها حتى قدميها:
— “من تكونين أنتِ؟!”
لكن مريم، بعجرفتها المعتادة، لم تترك له المجال لتقطيع صمت اللحظة، بل رفعت حاجبها بتعالي، وقالت ببرود مصري خالص وهي تشير بيدها إشارة متعالية، كأنها تقطع الطريق على أي نقاش:
— “لأ بص يا جدو… عشان نكون متفقين من البداية، وأنت شكلك حلو وتخطف العين كده، إحنا هنتكلم بالمصري عشان الترجمة توصل للمخ ونفهم بعض من غير وجع دماغ ولا دروس تاريخ!”
كان الطبيب خالد على وشك أن يُفسّر الموقف ويوضح أن نرمر يفهم العربية، لكن مريم كانت مثلما يُقال في المثل الشعبي المصري “قطر قشاش مش بيفرمل”، لا تقطعها إلا معجزة سماوية.
نظرت إليه مريم نظرة فيها كل الغرور والثقة، وسألت ببرود مصطنع وقد وضعت يدها على خاصرتها:
— “وحضرتك تكون مين بقى؟!”
وهنا تدخّل الطبيب خالد فورًا، قبل أن تتفوّه بكلمة أخرى قد تشعل حربًا فرعونية، ورفع كفّه أمام وجهها محذرًا، قائلاً بنبرة حازمة:
— “بس، بس… إيه ده؟! إنتِ معندكيش كنترول على لسانك؟! اهدي شوية، يا فصيحة هانم، لأنه بيفهم كلامك كويس جدًا.”
تظاهرت مريم بالاستغراب المبالغ فيه، واتسعت عيناها في مشهد مسرحي طريف، ثم التفتت إلى نور وريم، تقلّد حركاتهما الساخرة حين تصمت إحداهن في المواقف الحرجة، ثم وضعت يدها على جبينها بإيماءة درامية، كأنها تذكرت أمرًا مهمًا فجأة:
— “آه آه… هو طلع زي البت ناموسة! بيعرف عربي… ما هو طبيعي، أصلهم إخوات! لازم يتكلموا نفس اللغة!”
رمقها الطبيب بدهشة، ثم ردّ ساخراً وهو يضع يده على رأسه وكأنه يشعر بصداع مفاجئ من منطقها:
— “إخوات؟! زي بعض؟! ما يمكن كمان من نفس الأم والأب! صبرني يا رب، صبرني!”
انفجرت الفتيات ضاحكات على ردّه، وهنّ يشاهدن مريم وهي تندفع فجأة نحو الطبيب محاولة جذبه من قميصه، وفي لحظة غضب، بدا وجهها كأن شرارات النار تتطاير من عينيها. مريم حين تغضب لا تعرف معنى التروي، بل تنقضّ كالعاصفة.
لكن ريم ونور أمسكتا بها سريعًا، وبدأن بجذبها من ثيابها للخلف، في محاولة يائسة للسيطرة عليها، وهما تهمسان لها بلهفة:
— “اهدِي يا مريم، اهدِي شوية، خلينا نفهم الأول إيه اللي بيحصل!”
في هذه اللحظة، كان الطبيب خالد يتأمل وجه ريم بانبهار غريب، كأنما يرى ملامحها للمرة الأولى؛ تلك البشرة القمحية، وتلك العيون الواسعة التي تجمع بين الرمادي والعسلي، مزيج عجيب لا يُشبه إلا الأساطير القديمة، وكأنها خرجت من إحدى لوحات الجداريات الفرعونية.
لكن شروده قُطع فجأة بصوتٍ ساخر من خلفه، صوت مريم التي لم تهدأ، بل عادت لتستفز الجميع:
— “يا عم سوما العاشق، يلا ننجز، الشمس حمّصتنا خلاص!”
التفت خالد لها بوجه جامد، وعيناه تضيقان بضيق شديد، ثم قال بشمئزاز واضح، موجهًا حديثه للفتيات جميعًا:
— “سوما؟ وحمّصتنا؟! لا، لا، دي ميتردش عليها أصلًا!”
جحظت عينا مريم من صدمتها، كيف يجرؤ هذا الطبيب أن يحدثها بهذه الجرأة؟! رفعت حاجبيها وصاحت باندهاشٍ مصطنع، ثم التفتت إلى نور وريم قائلةً:
— “إيه؟! سمعته؟! ده شكله مش عارف هو بيكلم مين! يا بنات، ده اليوم ده مش هيعدي بسلام… أنا حاسة إن فيه خناقة كونية جاية في السكة، وأكيد أنا بطلتها كالعادة!”
بمجرد سماع تلك الكلمات، أدرك الجميع أن يومهم لن يمر إلا بفضيحة فرعونية جديدة على يد مريم، وكيف يمر بسلام وفيه فتاة لا تعرف الصمت ولا التراجع!
وفي ذروة ذلك الموقف المشحون، كانت مريم تقف في مكانها، نظراتها تشتعل شررًا، لا تُصدق أن أحدهم قد تجرأ وخاطبها بتلك الطريقة!
رمقت نور وريم بنظرةٍ سريعة، نظرة تحمل كل معاني التواطؤ والوعيد معًا، وحين التقت أعينهن، فهمتا فورًا أن السلام في هذا اليوم صار حلمًا مستحيلًا… فكيف يمر يوم بسلام وفيه فتاة اسمها مريم؟!
لوّحت بيدها أمام الجميع، قائلة بثقة وتحدٍ، وهي تُصلح من طوق قميصها وكأنها تتهيأ لمبارزة:
— “غلط، وكنت مستنيا اللحظة اللي يغلط فيها… سيبوني عليه بقى! هعرّفه غلطه… بكل تحضّر، وأدب، وقلة ذوق برضو لو اضطرينا!”
كانت كلماتها الأخيرة كالسهم الذي أصاب الطبيب خالد في مقتل، نظر إليها بذهول ودهشة، كيف جمعت بين الأدب وقلة الذوق في جملة واحدة بكل تلك البراءة؟!
حدّق فيها بخبثٍ خفي، وتمتم في سره وهو يتأملها:
يا ستير يا رب… دي مش بنت، دي إعصار متحرك
نظرت له مريم بزهول.
هو بيتحول ولا إيه؟! ده تقريبا عيونه بتولع… أجروا يا بنات، اللحظة دي هتولع نار!
ووسط تلك اللحظات المتوترة، كانت نور تستعد للتدخل بحكمة، لكن قاطعها نرمر بصوتٍ جهوري غاضب، كأنه يقود معركة لا تقبل التشتيت:
— “كفى! لا أحد يتكلم الآن! دعونا نفكر فيما نحن فيه!”
وقبل أن يتسرب الهدوء للحظة، قفزت مريم بجملتها الشهيرة، متهكمة بنبرة ساخرة وهي تلوح بيديها:
— “يمي! يمي! خاف يا عيد! على أساس كده يعني نخاف ونسكت خلاص؟!”
ابتسم نرمر بضعف من ضحكتها، ثم قال وهو ينظر إليها بتسلية:
— “عارفة يا مريم…”
لكنها قاطعته قبل أن يتمم جملته، رافعة حاجبها في سخرية ساخنة:
— “ما شاء الله! عرفت اسمي؟! أكيد بقى أنت من أجدادي… طبيعي تعرف كل حاجة!”
رمقها نرمر بغضبٍ عارم، عينيه تشتعلان كأنهما لهب قديم أُيقظ من سباته، ثم قال بنبرة صارمة تخترق الأجواء:
— “اصمتي، أيتها الفتاة! يا لكِ من ثرثارة!”
ساد صمت مشحون بالدهشة، فقد علت أصوات الدهشة من الجميع، أما مريم، فلم يطرف لها جفن، بل رفعت كتفيها ببرود مفرط، وردّت بجملة باردة كأنها ألقتها على المائدة باستهزاء:
— “مش هرد عليك يا جدو!”
وانفجرت نور في ضحكة خفيفة لم تستطع كتمانها، بينما التفت نرمر إليها فجأة، وقد أُسر بملامحها، وهمس لنفسه وهو ينظر إلى نور بدهشة خفية:
يا إلهي… ما هذا الوجه الملائكي؟! أتُعقل هذه الفتاة قريبة لتلك الثرثارة؟!
وبكل فضول، توجه إليها وسألها بنبرة صادقة، يشير بيده نحو مريم بلا خجل:
— “أأنتِ من أقارب هذه الفتاة العجوز؟!”
شهقت نور من وقع كلماته، وهي تضع يدها على فمها، تخشى انفجار الغضب المتوقع… مريم؟ عجوز؟! يا للمصيبة!
أما مريم، فقد وقفت في ذهول للحظة، ثم انفجرت بصوت مرتفع غاضب وهي تشير إليه بحدة:
— “أنا إيه؟! عجوز يا جدو؟! يا جدو، إوعي! متخلنيش أحطك في تابوت وتحسبه قصر! أنتوا أساسًا عايشين جوه توابيت، تفتكرني مش هعرف أتعامل؟!”
نظر إليها نرمر بلا مبالاة، وكأن نظراته تقول بوضوح: افعلي ما يحلو لكِ… لن يردعني تهديدك التافه!
بادلتْه مريم بنظرة نارية لا تخلو من الحقد المرح، وعيناها تومضان برسالة صريحة: استعد… القادم أسوأ يا جدو!
وفي خضم تلك الحرب الصامتة، تدخل الطبيب خالد بحزم، مُمسكًا نرمر من ذراعه كأنما ينتزعه من ساحة معركة ساخنة، وقال متنهّدًا:
— “خلاص بقى… يلا من الشمس دي، كفاية سخافات!”
ولكن… مريم، كالعادة، لم تترك الفرصة تمر، التقطت كلمة “الشمس” بسرعة، وعلّقت بجملة استعراضية ساخرة، وقد وضعت يدها على صدرها كأنها تفتخر:
— “بس متقولش شمس وتعيب فيها، لحسن جدو يزعل! احتمال تكون الشمس عندهم لقب، ولا صفة عظيمة! خد بالك من نفسك!”
التفت إليها نرمر باستغراب، متسائلًا كأنها مخلوقة من كوكب آخر:
— “صفة؟! هل مرّ عليكِ يومًا كتاب تاريخ في حياتك؟!”
أجابت مريم بعلو كعب واعتداد شديد:
— “أنا كنت أدبي مش علمي، يا جدو…!”
كادت الأرض تنشق تحت أقدام خالد من شدة الضحك المكتوم، وانفجر ضاحكًا على طريقتها العجيبة، في حين بدا نرمر كمن أصيب بالشلل اللحظي، لا يصدق أنه استُدرج إلى هذا الجنون.
لكن مريم لم تتوقف، أمسكت بيد ريم ونور، وجرّتهما معها بعيدًا بخُطى ملكية مرفوعة الرأس، وكأنها أعلنت انتصارها الساحق، وقبل أن تبتعد تمامًا، عادت للخلف قليلًا، وأمسكت يد ناميسا، ثم نظرت للجميع بابتسامة متعالية، وقالت:
— “إحنا مش فاضيين، عندنا حفلة شواء فرعونية، اتفضلوا اقعدوا مع بعض وفضّوا نفسكم بقى… سلام يا أحفاد التوابيت!”
وغادرت المكان مزهوّة، كأنها بطلة انتصرت في معركة أسطورية، تجرّ خلفها زوبعة من الضحك والدهشة…!
المجنونة والمقبرة: أكتشاف السر
ركب الطبيب خالد سيارته، وكان نرمر إلى جواره، يراقب الطريق بدهشة وفضول. أمامهم انطلقت سيارة الفتيات، يقودها سائق العائلة، بينما ضحكاتهن تتعالى، ومريم كالعادة تتصدر المشهد بلسانها السليط الذي لا يهدأ.
لم تمر سوى دقائق حتى توقفت السيارتان أمام منزل عريق في قلب مدينة الأقصر، منزل يزهو بهاؤه بطراز شرقي قديم، له بهو واسع ونوافذ خشبية مزينة بالمشربيات، وتغمره لمسات التاريخ في كل زاوية.
فتحت باب المنزل امرأة في الخمسين من عمرها، بملامح مصرية أصيلة، تبدو عليها ملامح الوقار والجدية، لكنها مع ذلك تهتم بمظهرها جيدًا، وكأنها تُخفي وراء أناقتها سنوات عمرها الطويلة.
وقبل أن تنطق المرأة بكلمة، دوّى صوت مريم عاليًا من داخل السيارة، وهي تلوّح بيدها بمرح وجرأة:
— “أهلا، أهلا، أهلا يا عمتي! عاملة أكل إيه؟! إحنا جايين جعانين!”
رفعت العمة حاجبها، ونظرت إليها بحدة خفيفة، قبل أن تردّ عليها بلهجة حادة لكنها لا تخلو من الدفء:
— “يا سلام! اسألي عليّ الأول يا حيوانة، مش على الأكل! بطنك دي بقت ماسورة صرف! لا قعر ولا نهاية!”
وقفت مريم تتصنّع الصدمة، واضعة يديها على صدرها كأنها قد سُمّرت في الأرض، ثم أردفت بمرح وسخرية، وهي تشير للحاضرين:
— “عادي، عادي يا جماعة، اتفضلوا… متخضوش! عمتي دي لازم تدلعني كل يوم… دي عادة يومية كده، ما ينفعش يوم يعدي من غير شوية قصف جبهة! ست كبيرة وعلى الله حكايتها، وقريب أهو، هنقدم لها طلب رسمي ونبعته لدار المسنين، ترتاح ونرتاح.”
ضحك الجميع من طريقة حديثها، حتى الطبيب خالد نفسه لم يستطع كتم ضحكته، وقد بدأ يتيقن أن التعامل مع هذه الفتاة لن يكون بالأمر السهل.
دخلوا جميعًا إلى المنزل، وجلسوا في صالة واسعة تفوح منها رائحة القهوة والبهارات، يزين جدرانها بعض الصور القديمة، وكانت مريم تتحرك داخل المنزل كأنها صاحبته، بل إنها راحت تمدّ يدها إلى صحن الفاكهة بلا خجل.
همس خالد لريم وهو يراقبها بدهشة:
— “هي بتتصرف كأنها عايشة هنا من زمان!”
ابتسمت العمة، وقد سمعت تعليقه، فأجابت وهي تضع الصينية على الطاولة:
— “ما هي فعلًا عايشة هنا من سنة… من يوم ما أمها وأختها سافروا الحج واستقروا هناك مع خالها الكبير، وسابوها هنا معايا… وأنا يا عيني اللي ادبست ومش قادرة أرجعها.”
قهقهت مريم، وقالت بكل فخر:
— “آه طبعًا! أنا دلوقتي هنا الرئيسة…
ابتسم نرمر في حيرة، يحاول فهم حديثهم الغريب، بينما ناميسا تراقبهم بدهشة صامتة.
وبعدما هدأت الأجواء، اجتمع الجميع في الصالة، وجلس نرمر وناميسا وسطهم، وبدأ الحديث يتجه نحو الجدّ، حيث سألهم خالد بنبرة جادة:
— “عايزين نفهم بقى… أنتم مين بالضبط؟ وإيه اللي جابكم هنا؟”
تنحنح نرمر، ثم اعتدل في جلسته، كأنما يتأهب لإلقاء خطاب رسمي، وقال بنبرة مهيبة:
— “نحن لم نأتِ عبثًا… لقد جئنا نحمل رسالة، وواجبًا خطيرًا.”
استمع الجميع باهتمام بالغ، بينما أخذ نرمر يسرد قصته، يحكي عن زمنه، عن سحر مقبرة توت عنخ آمون، عن التعاويذ التي تحمي العالم من قوى لا يمكن لبشر تصورها.
كان حديثه مليئًا بالرهبة والعظمة، وكيف أن السحر في عصره لم يكن مجرد وهم، بل كان علمًا حقيقيًا، يُستخدم لحماية الممالك والأرواح.
قال بنبرة عميقة:
— “في زمننا، السحر لم يكن مزحة… كان علمًا قائمًا على قواعد دقيقة، كنا نحمي به أنفسنا من الأفاعي والعقارب، وكنا نحفظ به أرواحنا من اللعنات.”
سألت ريم بدهشة، وهي تميل بجسدها للأمام:
— “يعني كنتوا بتستخدموا التعاويذ فعلًا؟!”
أجابها بثقة، وعيناه تلمعان:
— “ليس فقط لحمايتنا، بل للسيطرة… كنا نتحكم في الكائنات التي تزحف تحت الأرض… السحر كان سر قوتنا، وكنزنا الأعظم.”
وعندما تحدّث عن تعويذات الحماية، خصوصًا تلك التي تحمي المقابر من لصوصها، بدأت ملامح الدهشة ترتسم على وجوه الحاضرين جميعًا، حتى العمة التي ظنّوا أنها لا تهتم، جلست تنصت بدهشة خفية.
كانت مريم تهمّ بفتح فمها كعادتها لإلقاء تعليقها اللاذع، لكن نظرة واحدة من ريم، تلاها تحذير صامت من خالد، جعلتها تكتفي بحركة بيدها وضغط شفتيها كأنها قُيّدت عن الكلام، لكنها قالت في سرها بتهكم:
— “ماشي، سكتوني أنتو، بس والله أنا مخزنة تعليق، وهطلعه في وقته… يا أنا يا السحر ده في الأخر!”
لاحظ نرمر ما حدث، ولم تخفَ عليه حركات مريم المتحفزة، لكنه قرر التغاضي عن ذلك مؤقتًا، وأكمل حديثه بجديّة شديدة:
— “السبب الحقيقي لقدومي… أن هناك خطرًا عظيمًا قادم. هناك من يحفرون حول الهرم الأكبر، يوشكون على فتح البوابة المحرمة… بوابة العالم السفلي… لو نجحوا، سينقلب العالم رأسًا على عقب.”
ساد الصمت فجأة، وبدت كلمات نرمر كأنها خنجر يخترق الصدور، والكل متسمر في مكانه، يحدق به وكأنه يرى مشهدًا سينمائيًا يتجسد أمامه حيًّا.
تنهد نرمر ببطء، وختم كلماته بنبرة ثقيلة:
— “جئت… لأوقف هذا الجنون… قبل أن يبتلع هذا العالم…!
كان نرمر يتحدث كثيرًا عن السحر واستخدامه فعليًا، بينما كان الجميع يهتم بحديثه. وعندما انتبه لهم بتركيز، رأى معالم وجوههم مملوءة بالاستغراب.
“ما بكم؟ هل أصابتكم اللعنة؟!”
“عارف، مش أنت جدو؟! بس دمك خفيف، أكيد أنا من سلالتك…”
انفجرت ضحكة من فم ناميسا عندما تذكرت ديمون.
نظرت لها مريم مستفهمة:
“لماذا الضحك؟”
“لا، لا، لا! أبدًا! تذكرت أحد الأشخاص، فهو مثلك تمامًا، أكيد من سلالته، ليس سلالة أخي نرمر…”
“بمن تذكرتِ؟!”
“ديمون!”
صدحت ضحكة عالية من مريم عند سماعها الاسم:
“هل عندكم في عالمكم تيمون وبومبا؟!”
نظرت لها ناميسا باستغراب: ما هذا الاسم؟ وما علاقته بأخيها ديمون؟
“اللعنة عليكِ! أنا قلت ديمون، من هو تيمون؟!”
نظر لها خالد بملل، كاد أن ينفجر من أسلوبها:
“أنتِ مش عارفة تسكتي ثانية واحدة بدون إزعاج؟!”
قبل أن تتفوه بكلمة أخرى، دخلت العمة عليهم وبيدها صينية بها شاي وبسكوت وقطع من الكيك:
“هي دي مريم، مش هتتغير!” ثم تابعت حديثها:
“أنا سيبتكم تدخلوا وتقعدوا، بس عرفوني عليكم الأول، لحسن في ناس مبتعرفش الأدب…”
ثم نظرت لمريم.
مريم بصدمة مصطنعة:
“لأ، متقوليش إنك بتتكلمي عليا! ازعل!”
أعادت العمة ماجدة حديثها ببساطة شديدة:
“ازعلي!”
تعالت علامات الاستغراب على وجوه الموجودين، وعلموا أن هناك مصيبة ستحدث، فمريم لم تمرر الكلمة بهدوء.
وأخيرًا، صوت نور ظهر متحدثًا:
“خلاص بقى يا مريم، وحضرتك يا عمتي، دول ناس سائحين، اتعرفنا عليهم وإحنا بنزور المعابد، وناميسا باحثة في الآثار، نفس مجالنا يعني…”
مريم ونور وريم أصدقاء منذ الصغر، فأهاليهم يعرفون بعضهم. بعد وفاة والد مريم، قررت أن تعيش في بيت العائلة في الأقصر وتستقر هناك مع نور وريم.
اتفقوا على يوم لزيارة المقبرة التي نقلت نرمر وناميسا من عالمهم إلى هنا.
“اليومين اللي قاعدين معانا فيهم، اتكلموا بطريقتنا بما أنكم عارفينها…”
كانت ريم تخبرهم أن يتحدثوا باللغة المصرية المعتادة على هذه البلدة لعدم حدوث أي شكوك حول جنسيتهم…!
اقرا الفصل الخامس المجنونة والمقبرة من هنا
اكتشاف المزيد من عوالم من الخيال
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.



الله ع الابداع يا كاتبتي كملي الباقي بانتظارك ❤️❤️
مكملة بدعمك وسندك الي❤❤❤