رحلة فيروز: رواية عن الغربة والعودة إلى الوطن الفصل الثالث.

رواية عن الغربة والعودة إلى الوطن: الفصل الثالث.

باتت فيروز ليلة ليست كأي ليلة مرت عليها، فقلبها البارد ولأول مرة ينتابه دفأ غريب ..لم تشعر به من قبل .. وكأنها طائر غادر العش صغيرًا جدًا، حتى قبل أن يتعلم الطيران.. ثمَّ ها هو الآن يعود له من جديد.

في صباح اليوم التالي استيقظت في السابعة صباحا وهي تستعد لأول يوم لها في عالمها الجديد، تنفست بعمق وهي تتطلع لتفاصيل الغرفة من حولها بدهشة، كل تفصيلة فيها تخصها، وكأنها قضت عمرها الفائت ها هنا.. صور طفولتها التي تزين حوائط الغرفة من حولها من أين جاءت ؟ كيف حصل والدها عليها؟

لم تستغرق وقتًا كثيرًا في التفكير …إغتسلت وقامت ببعض التمارين ثم جلست متردده كيف تبدأ يومها الأول في هذا البيت.. كيف ستندمج مع الآخرين، شغلها التفكير وغرقت به لفترة من الوقت قبل أن تنتشلها فكرة لمعت برأسها .. تذكرت بأنها قد رأت ممر رياضي للجري البارحة في الحديقة.

رواية عن الغربة والعودة إلى الوطن: المشهد الأول.

لاحظته وهي بداخل عربتها مع أبيها عبدالعزيز البارحة، معتادة هي على ممارسة رياضة الجري بشكل يومي في امريكا بل أنها كانت بطلة في هذه الرياضة في مقاطعتها وقد انقطعت عنها منذ أن تعرفت على أصدقاء السوء، وتغيرت عادتها مائة وثمانون درجة، لم تكن فيروز بالفتاة المتدينة فهي بالكاد تعلم الأمور البسيطة جدًا والأساسية عن دينها للأسف ولكن رفقة السوء تلك قد غيرت من مستواها الدراسي والصحي والفكري وتعكر فكرها كما يعكر الطين الماء.

لهذا كان قرار جيسيكا والدتها أن ترسلها فجأة ودون تردد لوالدها عبد العزيز والذي لم يكن يصدق قرارها ذلك فهو منذ فارقته يحاول بكل الطرق أن يجد أبنته ويستردها ولكن جيسيكا حالت دون ذلك، إرتدت فيروز ملابس رياضية، سروال قصير فوق الركبة باللون الوردي وقميص رياضي باللون الأسود  وقد عكست شعرها وربطته للخلف في ذيل حصان، وارتدت حذائها وهمت للخروج من غرفتها.

في تلك الأثناء كان يس يقترب من مبنى بيت عمه وهو يدندن بساعدة كعادته قبل أن يدلف من باب الفيلا دونما أي إنذار كما إعتاد من قبل، متوجهًا للطابق الثاني لإيقاظ حمزة الذي تأخر عن موعد نزوله وقد ظن أنه ما زال نائمًا وقبل أن يصعد السلم للطابق الثاني قابل السيدة روايح مدبرة المنزل فأتبسم قائلًا في سعادة:
_ صباح الخير يا داده روايح.
نظرت السيدة الطيبة للشاب وقالت: يسعد صباحك يا يس يا ابني.
_ اومَّال فين حمزة باشا لسه مخمود ولا أيه ؟!

رواية عن الغربة والعودة إلى الوطن: المشهد الثالث.

ضحكت السيدة روايح وهي تشير للأعلى قائلة: لا لسه نايم .. هو موصيني مهما حصل مدخلش عنده الأوضة ولا أصحيه .. ربناهم عيال ودلوقتي بيزعلوا مننا .

ضحك ياسين وهو ينظر لتلك السيدة العجوز التي أخذت تلوي فمها في حركة شعبية وقد تذكر تلك المرة التي إقتحمت فيها السيدة روايح غرفة حمزة خوفًا بغريزة الأم التي ربت حينما وجدته يصرخ ليتفاجأ بها أمامه وهو يتحديث في الهاتف وقد كان عاري الجزع فراح يختبأ خلف ستائر غرفته بخجل وهو يصرخ فيها من الخجل.

تذكر وقتها كيف تجمعت العائلة كلها على صوت صريخه وكيف ضحك الجميع على المشهد بالأخص مازن الذي أخذ يصور المشهد ضاحكًا والذي تلقى عقابه من حمزة فيما بعد، أما عن السيدة روايح التي حاول حمزة فيما بعد أن يراضيها بكل الطرق ولكنها رفضت حتى تدخل السيد عبدالعزيز .. حينها فقط وافقت.

صعد يس السلم محدثا نفسه وهو يتجه للأعلى لإيقاظ حمزة……. الواد ده ناسي ميعاد سيادة اللواء ولا ايه؟!

كان حمزة حينها قد استيقظ على السابعة وأرتدى ملابسه وأخذ هاتفه ومفاتيحه وتوجه لخارج غرفته ليجد فيروز تخرج هي الأخرى من غرفتها وقد رآها بهذا المنظر فتوجه إليها وهو يقول داخل نفسه: نهارك مش معدي يا بعيدة …. ابتدينا شغل الأجانب اللي مايل من الجانب.

رواية عن الغربة والعودة إلى الوطن: المشهد الرابع.

كان عبد العزيز قد اجتمع بأولاده البارحة وأخبرهم بكيف يجب ان يتعاملوا مع اختهم فيروز التي حرمت من التربية الإسلامية الصحيحة بسبب حرمان والدتها لها منهم واختطافها بعيدًا عنهم، تلك الزيجة التي ندم عبدالعزيز لها كثيرا طوال الأعوام الفائته كلما تذكر ان ابنته بعيدة عن حضنه وانها لم تربى كما يربى ابناءه، وحرمانها من أحضانه

لطالما شعر بالقلق حيال نشوئها في بيئة غربية مع والدتها ذات الأصول الغير مسلمة ….. وتذكر قول الله … ((ولأمة مسلمة خير من مشركة ولو اعجبتكم)) ولكن ما حدث قد حدث وانتهى ….
اقترب حمزة وهو يقول مبتسما: صباح الخير يا فيرو

نظرت له فيروز مبتسمة وهي تقول: صباح الخير ياا! …ح…حمزة مش كده؟

حمزة ببسمة عريضة: أيوه أنا حمزة … أيه الأخبار … قولي لي الأول رايحة فين بالشكل ده على الصبح؟
تعجبت فيروز من سؤاله الذي أذ شكل إعتراضي فرددت بتساؤل : بالشكل ده ! يعني أيه؟
حمزة: اقصد يعني … رايحه فين؟! يمكن اوصلك في طريقي
فيروز وما زالت الإبتسامة على وجهها: كنت هجري شوي في التراك اللي في الجنينة تحت … شوفته وانا داخلة …بجد حلو اويي… تعالى نجري سوى.

رواية عن الغربة والعودة إلى الوطن: المشهد الخامس.

إبتسم حمزة بتحفظ مضيقًا عينيه وهو يقول: أها بدأنا… هو محدش قال لك ولا أيه .. أسكتي مش التراك بيعملوا فيه تعديلات!
فيروز بتعجب: تعديلات!
حمزة وهو يهز رأسه ببراءة : أه تعديلات أصل ماصورة المجاري طفحت عليه .. وبعتنا نجيب غطاسين يشوفوا الموضوع أيه.. لذلك مش هينفع نجري عليه.. أنتَ أدخلي دلوقتي غيري هدومك علشان الجو برد وبكرة هنجري أنا وأنتِ وبابا وماما وناهد
إبتسمت فيروز وهي تقول بتعجب: ناهد مين؟
حمزة بإبتسامة مصطنعة: ناهد بنت عمي أمين أختي من أم وأب تانيين .
فيروز: من أب وأم تانين إزاي؟!

رواية عن الغربة والعودة إلى الوطن: المشهد السادس.
كاد حمزة أن يجيبها لولا أنه سمع يس ينادي عليه وهو يصعد سلم المنزل وكأنه تائه .. هكذا إعتاد أن يزعجه منذ أن كانوا صغار
فتح حمزة عينيه بصدمة وهو ينظر لفيروز قائلًا بصدمة: ده يس …. الله يخربيتك يا يس.. أيه اللي جايه دلوقتي ده؟ آه ميعاد سيادة اللواء
كانت فيروز تنظر له بتعحب وهو يحادث نفسه فقالت له متسائلة: مالك يا حم…..

و قبل أن تكمل فيروز أو يصل يس لأخر الدرج، دفعها حمزة لداخل غرفتها بسرعة شديدة وأغلق الباب عليها حتى لا يراها يس بهذا الشكل فهو ليس من محارمها وبالطبع فيروز لا تفهم هذا الشئ والأخير ليس لديه وقت للشرح.
فيروز بتعجب: في اي يا حمزة بتعمل كده ليه؟!
حمزة: معلش يا فيروز متخرجيش دلوقتي مهما حصل لحد ما ارجعلك … تمام
فيروز بعدم فهم : تمام
كان يس قد توجه لغرفة حمزة وفتحها ودخل ولم يجده فألتفت ليخرج فتفاجأ بحمزه يقف بوجهه
يس وهو يمثل الرعب: بسم الله…. بيلطعوا امتى دول ..قالها ثم بصق داخل ملابسه في طريقة مضحكة.
ربع يس يديه بجمود وهو يقول: بتعمل اي هنا يالا؟!
ضحك يس وهو يقول: اي يا عم اتأخرت جيت اصحيك…. اتأخرنا على اللجنة يا سيادة النقيب.
حمزة: …….
يس: يا ابني مش بترد عليا ليه …. هو انت واكل سد الحنك على الصبح
امسك حمزة يس من ياقة قميصه وهو يقول: هو البعيد فاقد الذاكرة ولا نوع من انواع سمك البلطي، ولا السن له حكمه ولا أيه؟!
يس وهو يبعد يد حمزة عن ملابسه: في ايه يا ابني انجز انا عملت ايه؟
حمزة: هو البيوت مش ليها حرمه بردو
يس بعدما تذكر وفهم ما يرمي إليه حمزة: اوبس …..
احمر وجه يس خجلا فعلى الرغم من بنيانه القوي وهيبته الطاغية التي تليق بضابط في الشرطه إلا ان هذا لا يمنع ان يكون المرء ذو حياء
يس: احم … في دي عندك حق انا نسيت انكم مبقتوش لوحدكم في البيت … انا تاه عن بالي حاجة زي كده خالص … طب  انا هسبقك افطر وتعالى ورايا
خرج يس من الفيلا متجها لڤيلا سالم والده بينما اتجه حمزة لفيروز التي كانت تجلس تحاكي صديقتها من امريكا على الهاتف…. اغلقت فيروز المكالمه بمجرد ان استأذن حمزة بالدخول وسمحت له
حمزة: ممكن اتكلم معاكي شوي
أغلقت فيروز مكالمتها وأنتبهت له وهي تقول ببسمة هادئة: اه طبعا يا حمزة اتفضل.

رواية عن الغربة والعودة إلى الوطن: المشهد السابع.

جلس حمزة جوارها وبدأ بالحديث معها بشكل هادئ ووجه بشوش، أمسك سدها وكأنها طفلته وقال في حنان بالغ
حمزة: فيرو أنا سعيد أوي برجوعك ومش قادر أصدق أنك رجعتي لبيتك من جديد .. من النهارده أعتبريني صديقك الجديد وأي حاجة تطلبيها هتلاقيها عندك … طبعا انا عارف ان ده عالم مختلف وجديد بالنسبة ليكى في كل حاجة … العادات والتقاليد والناس وكل حاجة حتى احنا بالنسبة ليكي غرباء لإنك متعرفيش عننا حاجة …. بس من النهارده تقدري تعتبريني صديقك الأول بمصر …
ثم مد يده تجاهها وهو يقول أعتبريني مرشد سياحي
وهاتي رقم فونك

فيروز مبتسمة بتعجب: …. مفيش مشكلة خالص ..انا سعيدة بده .
حمزة: طيب بما اننا اصدقاء اسمحي لي اني اطلب منك طلب وخدمة لو عملتيها هكون سعيد لأقصى حد
فيروز بتعجب: خدمة ايه ؟!
حمزة: تيجي معايا بعد ما ارجع هشتري هديه صغيرة وجميلة ليكي
فيروز: هدية اية؟! وبمناسبة اية
حمزة: دي بمناسبة رجوعك لينا بالسلامة وهدية من صديقك الأول في مصر …. واخوكي حمزة
فيروز وهي تشعر بسعادة شديدة لا تعرف مصدرها وراحة إجتاحت ما بين أضلعها وكأنها طائر يغرد فوق حقول الكروم  : مفيش مشكلة خالص.
رواية عن الغربة والعودة إلى الوطن: المشهد الثامن.

دخل عبدالعزيز وهو مبتسم وقد تفجأ من وجود حمزة ليقول بسعادة وهو يجر في يده حقيبة ملابس ضخمة ألقى علبهم السلام ….ثم أقترب من فيروز وقبل رأسها وضمها له فرفرفت بجفونها في تعجب من ذلك التصرف المليئ بالحنان والأمان الذي لم تشعر به من قبل لأول مرة تشعر بدفأ العائلة
حمزة متعجبا لما يجره والده بيده من حقيبة كبيرة
ثم نظر لوالده وابتسم وهو يقول
حمزة: يا رب ميكونش اللي في دماغي صح وتكون بوظت لي المفجأة وتخطيطي
عبدالعزيز مبتسمًا: للأسف يا حضرة النقيب …ايوه
فيروز وهي لا تفهم شيئ: هو في اي؟! انا مش فاهم حاجة

نظر الإثنين لبعضهما البعض والأخيرة بينهما تأكلهما الحيرة.

بقلم_ آمنة محمد

أقرأ الفصل الأول من هنا

للمزيد من القصص والمقالات


عوالم من الخيال


اكتشاف المزيد من عوالم من الخيال

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

اترك رد