المجنونة والمقبرة الفصل السابع

المجنونة والمقبرة

صورة غلاف رواية المجنونة والمقبرة للكاتبة صباح البغدادي، بتصميم كرتوني يظهر فتاة تقف أمام بوابة معبد فرعوني ضخمة، يحيط بها تماثيل بوجوه ضاحكة وأشباح مرحة تحلق في الجو.

رواية المجنونة والمقبرة الفصل الأول

صورة غلاف رواية المجنونة والمقبرة للكاتبة صباح البغدادي، بتصميم كرتوني يظهر فتاة تقف أمام بوابة معبد فرعوني ضخمة، يحيط بها تماثيل بوجوه ضاحكة وأشباح مرحة تحلق في الجو.

المجنونة والمقبرة الفصل الثاني

صورة غلاف رواية المجنونة والمقبرة للكاتبة صباح البغدادي، بتصميم كرتوني يظهر فتاة تقف أمام بوابة معبد فرعوني ضخمة، يحيط بها تماثيل بوجوه ضاحكة وأشباح مرحة تحلق في الجو.

المجنونة والمقبرة الفصل الثالث

صورة غلاف رواية المجنونة والمقبرة للكاتبة صباح البغدادي، بتصميم كرتوني يظهر فتاة تقف أمام بوابة معبد فرعوني ضخمة، يحيط بها تماثيل بوجوه ضاحكة وأشباح مرحة تحلق في الجو.

المجنونة والمقبرة الفصل الرابع

صورة غلاف رواية المجنونة والمقبرة للكاتبة صباح البغدادي، بتصميم كرتوني يظهر فتاة تقف أمام بوابة معبد فرعوني ضخمة، يحيط بها تماثيل بوجوه ضاحكة وأشباح مرحة تحلق في الجو.

المجنونة والمقبرة الفصل الخامس

صورة غلاف رواية المجنونة والمقبرة للكاتبة صباح البغدادي، بتصميم كرتوني يظهر فتاة تقف أمام بوابة معبد فرعوني ضخمة، يحيط بها تماثيل بوجوه ضاحكة وأشباح مرحة تحلق في الجو.

المجنونة والمقبرة الفصل السادس

صورة غلاف رواية المجنونة والمقبرة للكاتبة صباح البغدادي، بتصميم كرتوني يظهر فتاة تقف أمام بوابة معبد فرعوني ضخمة، يحيط بها تماثيل بوجوه ضاحكة وأشباح مرحة تحلق في الجو.

المجنونة والمقبرة الفصل السابع

صورة غلاف رواية المجنونة والمقبرة للكاتبة صباح البغدادي، بتصميم كرتوني يظهر فتاة تقف أمام بوابة معبد فرعوني ضخمة، يحيط بها تماثيل بوجوه ضاحكة وأشباح مرحة تحلق في الجو.

المجنونة والمقبرة الفصل الثامن

صورة غلاف رواية المجنونة والمقبرة للكاتبة صباح البغدادي، بتصميم كرتوني يظهر فتاة تقف أمام بوابة معبد فرعوني ضخمة، يحيط بها تماثيل بوجوه ضاحكة وأشباح مرحة تحلق في الجو.

المجنونة والمقبرة الفصل التاسع

صورة غلاف رواية المجنونة والمقبرة للكاتبة صباح البغدادي، بتصميم كرتوني يظهر فتاة تقف أمام بوابة معبد فرعوني ضخمة، يحيط بها تماثيل بوجوه ضاحكة وأشباح مرحة تحلق في الجو.

المجنونة والمقبرة الفصل العاشر والأخير

المجنونة والمقبرة

المجنونة والمقبرة: لعنة المقبرة

صورة غلاف رواية المجنونة والمقبرة للكاتبة صباح البغدادي، بتصميم كرتوني يظهر فتاة تقف أمام بوابة معبد فرعوني ضخمة، يحيط بها تماثيل بوجوه ضاحكة وأشباح مرحة تحلق في الجو.
أحدث أعمال الكاتبة صباح البغدادي: رواية المجنونة والمقبرة.. حينما يضحك الفراعنة وتتحول اللعنة إلى نكتة!

وجاء اليومُ الذي طالما انتظروه، يوم زيارة المقبرة الغامضة، تلك التي تحمل في أعماقها أسرارًا ضائعة وحكاياتٍ لم تُروَ بعد.

لم يكن أحدهم يدرك أن ما ينتظرهم خلف هذا الباب الصخري، أكبر مما تخيّلت عقولهم.

دخلوا المقبرة، خطواتهم مترددة فوق أرضٍ باردةٍ قاسية، والجدران من حولهم تزداد ضيقًا كلما تعمّقوا داخلها، وكأنها تبتلعهم ببطءٍ متعمد.

فجأة، وبدون سابق إنذار…

دووووووم!

ارتجّت الأرض من تحتهم، وأُغلقت بوابة المقبرة خلفهم بعنف، حتى كاد الهواء أن يُسحق في صدورهم.

صاح “نرمر” بصوتٍ يملؤه الغضب والرعب:

“اللعنة عليكم! ماذا حدث؟!”

ولم يكن هناك من يردُّ عليه سوى صاحبة التعليقات الحاضرة دائمًا، مريم، والتي وضعت يديها على خصرها، وصاحت بلا تردد وبملامح غيظ:

“اللعنة عليك إنتَ، يا وش البوم! أكيد منك، يا مغناطيس البلاوي والمصايب! ما شفناش يوم عدل من ساعة ما قابلناك!”

كان وجه “نرمر” يتوهج غضبًا، عيناه تقدحان شررًا، وكأن النار اشتعلت داخله، لكنّ اللحظة لم تكن تسمح بالمشاجرات، فقد كانت الرهبة تخنقهم جميعًا.

تدخل “خالد” بسرعة، محاولًا كتم انفجارهما قبل أن يشتعل المكان أكثر:

“بس بقى، انتوا الاتنين! هو وقته ده؟! إحنا محبوسين في مصيبة، وعايزين نعرف هنخرج منها إزاي بدل ما نقطع بعض!”

لكن المشهد ازداد ظلمةً حين صدح صوت “نور”، صوتٌ مرتجف غارق بالدموع، خرج من بين شهقاتها المتتالية:

“نفسي… نفسي أخرج من هنا! أنا مش قادرة… أي مكان… حتى لو كان في آخر الدنيا، بس خرجوني من هنا!”

حينها، وعلى الرغم من التوتر والذعر الذي عمّ المكان، إلا أن نرمر كان في عالمٍ آخر، يتأمل دموع “نور” التي تلألأت تحت ضوء المشاعل الخافتة، وهمس في داخله، بصوت لم يسمعه سواه:

“عيناكِ… كأنهما لؤلؤتان تلمعان وسط هذا الظلام… يا لَسذاجتي! أي دموع تلك؟! إنها ضوءٌ خالص ينير لي الطريق… دعيني أسبح في بحرهما، عساني أجد مخرجي من متاهة قلبي قبل هذه المقبرة…”

لكنّه لم يُخرج كلماته، ظلّ صامتًا، كأن صدره ضاق بسرٍ عجز عن حمله.

في تلك اللحظة، تقدمت مريم بسرعة، تضم “نور” بين ذراعيها بحنانٍ حاد، تهزّها برفق وتهمس لها بصوتٍ مرتجف:

“خلاص بقى يا نور يعني إيه اتحبستي لوحدك في المكان الملعون ده؟! إحنا معاكِ، إحنا في البلاوي سوا يا حبيبتي!”

لكنها لم تكمل جملتها، إذ تجمّدت الكلمات في حلقها، حين رأت شخصًا قادمًا من عمق الممر، خطواته مهيبة، وصوته يسبق حضوره.

رجلٌ يرتدي ملابس فرعونية فخمة، يكسو جسده وشاحٌ ملكي مزين بالذهب والجواهر، يحمل في يده سيفًا يلمع كوميض البرق، وعيناه تحملان نظرة ملوكٍ لا يعرفون سوى الأمر والنهي.

وقف أمامهم، شامخًا كأنما يخرج من لوحة حجرية، وصاح بصوتٍ جهوري أرعد جدران المقبرة:

“من أنتم؟! وماذا تفعلون في مملكتي؟!”

تسمروا جميعًا في أماكنهم، لم يتحرك منهم أحد، وقد سُلبت الكلمات من ألسنتهم.

لكن “نرمر” فقط، هو من عرف ذلك الوجه، ذهل حتى كادت ركبتاه تخونانه، ثم انحنى برأسه قليلًا، وهتف بذهولٍ ممزوج بعبق التاريخ:

“إنه أنت يا حابي ملك النيل العظيم… أنا أنا نرمر ابن أرض كمت!”

تسمرت مريم في مكانها لحظة رؤيتها للرجل ذي الثياب الفرعونية، وقد ارتسمت على وجهها علامات الدهشة والذهول، قبل أن تضع يديها على رأسها، وتهمس بذهولٍ فاضح، وهي تنظر إلى نرمر:

“حابي؟! حابي بجد؟! خط العتبة! يا نهار اللعنات! ده إحنا داخلين على أيام فُلّة هنا، أنا حاسة بكده، !”

لم تحتمل “ناميسا” تعليقها، فضحكت بخفوت، لكنها سرعان ما تمالكت نفسها، وقاطعتها بنبرة متشددة، وقد اتخذت وقفة رسمية:

“انتِبهي، أيتها الفتاة، وأنتِ تتحدثين مع وزير ملك كمت! احترمي مقامه!”

رفعت مريم حاجبها ببراءة مصطنعة، وردّت بتهكم وهي تضحك:

“أه؟ هو أنا قلت حاجة يا ناموسة؟!”

احمرّ وجه ناميسا من الغيظ، وهي تزم شفتيها بقوة:

“يا بنت، كفي عن مناداتي بـ’ناموسة’! اسمي ناميسا! احترمي نفسك شوية!”

لم تهتم مريم بردها، بل زادها الأمر رغبة في استفزازها، فابتسمت بخبث قائلة:

“إنتِ بتتعصبي عليّ ولا ده من تأثير الجو العام؟!”

صرخت ناميسا، وقد فقدت أعصابها تمامًا:

“أوووووف! مش هنخلص بقى؟ اسكتي شوية يا شيخة!”

وضعت مريم يدها على صدرها، وقد تظاهرت بالدهشة:

“إيه ده؟! هو الكل بقى يتعصب فجأة؟! إيه الجو المشحون ده؟!”

أما “خالد”، فقد نظر إليها نظرة مميتة، وهو يكاد ينفجر من ضيق صدره، وقال مهددًا بنبرة ساخرة:

“كلمة زيادة يا مريم، وهسيب نرمر يعلّق عليكِ أحداثيات القلادة الجديدة، وهتروحي عصر الأندلسي، وتقعدي تغني ‘أمان يا لالالي… أمان’، وتعيشي هناك مدى الحياة!”

ضحك الجميع، بينما كان “حابي” يراقبهم بدهشة واضحة، وقد عقد حاجبيه متعجبًا، وقال بصوتٍ عميق:

“ما هذه اللغة الغريبة التي تتحدثون بها؟ ومن أين أتيتم؟! وما علاقتكم بملك كمت، نرمر؟!”

انتبه “نرمر” إلى تساؤله، وقد بدت علامات الارتباك على وجهه، لكنّه سرعان ما تمالك نفسه وقال بجدية:

“سوف أشرح لك كل شيء، أخي… تعال بنا إلى القصر أولًا، هناك نتحدث.”

لكن “حابي” لم يُرد أن ينتظر، فاستوقفه بنظرة حادة:

“أتعرفني عن سر اختفائك فجأة؟!”

تنهد “نرمر”، وقد شعر بثقلٍ في صدره:

“نعم، نعم، يا أخي، سأحدثك بكل شيء… ولكن، بعد قليل… أنا الآن متعب للغاية.”

أشار “حابي” برأسه ببطء، وقد بدا أنه أدرك أن الوقت لم يحن بعد:

“وماذا عن هؤلاء المرافقين لك؟ من أين جاءوا؟!”

أجاب “نرمر” بتنهيدة طويلة:

“سوف أحكي لك عنهم أيضًا… لا تستعجل الأمور، ستعرف كل شيء في حينه.”

ضحك “حابي” ضحكة قصيرة، كأنه رأى أمثالهم من قبل، ثم تركهم لينصرف مع حراسه، موقنًا أن الأيام القادمة تحمل بين طياتها الكثير.

وفي جناح القصر، دخلت مريم وهي تدور بعينيها حول المكان بدهشة طفولية، تصفق بيديها قائلة بسخرية:

“بت يا ناموسة… هو إيه الحلويات دي؟! كل ده أوض نوم؟! إيه القصر اللي يجنن ده؟!”

ردت ناميسا ببرودٍ وهي تضيق عينيها بتهديد خافت:

“عارفة، يا مريم؟ طول ما انتِ مصرة على كلمة ‘ناموسة’ دي، أنا مش هخرجكِ من هنا أبدًا… وإنتِ وشطارتك بقى.”

ضحكت “نور” و”ريم” عليهما بشدة، وقد اعتادوا تلك المعركة الدائمة بين مريم وناميسا، فالكل يعلم أن مريم دائمًا تفوز باستفزاز الجميع.

لكن “ريم”، التي غلبها الفضول، تسللت بهدوء خارج الغرفة، تتجول في أرجاء القصر بحثًا عن أسراره.

فجأة، سمعت صوتًا خلفها، فاستدارت لتجد “خالد” يقف متكئًا على جدار رخامي، ينظر إليها بريبة:

“رايحة فين؟!”

ابتسمت بهدوء، وأجابت ببرود:

“ولا حاجة، بتفرج… بحاول أتفحص المكان، يمكن ألاقي حاجة مفيدة.”

هز رأسه متسائلًا:

“لوحدك؟ مش خايفة من المكان الغريب ده؟!”

ابتسمت بثقة وقالت:

“لأ، هيحصل إيه يعني؟ المكان شكله هادي جدًا.”

لكنها لم تكمل عبارتها، إذ اخترق السكون صوت صراخٍ مرعب، تلاه دويُّ أقدامٍ تركض بقوة.

شهقت “ريم” واتسعت عيناها، حين رأت مريم تهرول بأقصى ما تملك، يلاحقها حيوان ضخم، يكاد يفترسها، وهي تصرخ بأعلى صوتها:

“الحيوانات احتلت البلد! أجروا! الحيوانات احتلت البلد! لا، لا، سوري! دي مش حيوانات أصلًا! دول كائنات أغرب من الخيال! دول أطول من البشر… أجرواااا!”

سقطت ريم على الأرض من كثرة الضحك، غير قادرة على التقاط أنفاسها.

في تلك اللحظة، انفتحت أبواب الحراسة فجأة، ودخلت الكائنات العملاقة في طوابير منظمة، يركبها المحاربون، وقد بدأوا تدريباتٍ قاسية على الرماية وركوب الخيول، مستخدمين السحر وكأنهم في ساحة معركة حقيقية.

وفي خضم هذا الهرج والمرج، اندفع “حابي” بسرعة، وأمسك بيد مريم ليُجنّبها مخالب أحد الكائنات الهائجة، ثم أبعدها عن الخطر.

نظرت إليه مريم بعفويتها المعتادة، وقالت وهي تلهث:

“تسلم، نردها لك في الأفراح!”

حدق فيها “حابي” بعدم فهم، وقد بدا الذهول على ملامحه:

“تحدثي بلغة أفهمها! ما الذي قلته؟!”

ارتبكت مريم، وقد اكتشفت أنها تورطت من جديد، فابتسمت بارتباك وقالت بخفوت:

“عذرًا، عذرًا… لم أقل شيئًا مهمًا!”

ثم أفلتت يدها بسرعة، وركضت هاربة من نظراته المندهشة، تاركة خلفها ضحكات مكتومة ودهشة لا تنتهي..!

المجنونة والمقبرة: حين يلتقي قدران مختلفان

وفي مكانٍ آخر، بعيدًا عن ضجيج القصر وضوضاء اليوم المزدحم، كان الليل قد بسط ستاره بهدوءٍ مهيب.

كان القمر تلك الليلة في أبهى حلّته، بدرا مكتملًا، ينثر ضوءه الفضي فوق الرمال والقصور القديمة، فيُغلف المكان بجمالٍ غامض، كأنما الزمن توقف عند تلك اللحظة.

وقفت “نور” في شرفة إحدى غرف القصر، عيناها تحدّقان في القمر بإمعان، غارقة في صمتٍ عميق، وكأنها تهرب من ضجيج قلبها إلى صمت السماء.

لكن صوتًا دافئًا قاطع سكونها فجأة، جاءها من خلفها، صوته يحمل نبرة حائرة ولكنها عميقة:

“ألن تكفي عن النظر إلى القمر؟!”

التفتت ببطء، وقلبها يخفق بلا سبب، لتراه واقفًا هناك، خلفها مباشرةً، ملامحه هادئة، وعيناه متقدتان تحت نور القمر، الذي انعكس على وجهه، فزادته رهبة وجاذبية، حتى بدت ملامحه وكأنها منحوتة من ضوءٍ وسحر.

ابتسم وهو يقترب خطوة منها، ثم قال بنبرة هادئة، لكن عينيه كانتا تحملان معاني أعمق مما يقوله لسانه:

“القمر النهاردة بدر… شكله يخطف العيون.”

رفرفت عيناها بدهشة خفيفة، لم تفهم مغزى حديثه، لكنه أكمل ببساطة وصراحة أربكتها:

“زيّك بالظبط…”

نظرت إليه “نور” بدهشة، وهي تهمس بارتباك:

“أنا؟! تقصد إيه، نرمر؟!”

أطلق تنهيدة عميقة، ونظر نحو القمر، قبل أن يعيد بصره إليها، وكأنه يخبرها بحقيقة أخفاها طويلًا، وهمس بنبرة صدق لم تعهدها منه:

“أول مرة شُفتك فيها… حسّيت إنكِ مسكتي حاجة جوّا قلبي… حاجة كانت ضايعة من زمان…”

عقدت “نور” حاجبيها بصدمة خافتة، لم تصدق ما تسمعه، فأضاف بصوتٍ خافت، أشبه ببوح قديم:

“أيوه، إنتِ… يا نور… إنتِ اللي خطفتِ قلبي… إنتِ نوري وضيائي، إنتِ اللي نوّرتي حياتي من ساعة ما ظهرتي فيها…”

صمت قليلًا، كأنه يختنق بالكلمات، ثم أكمل بعزم:

“أنا مش مستعد أعيش من غيرك.”

خفق قلب “نور” بقوة، وأطرقت رأسها، تحاول لملمة شتات عقلها، قبل أن تهمس بصوتٍ حزين، لم تستطع منعه من الخروج:

“عارف إحنا من عالمين مختلفين؟!”

لم يكن وقع الكلمات سهلًا على قلبه، فقد بدا وجهه متعبًا للحظة، وانطفأت عيناه بظلال الحزن واليأس، وكأنه يدرك مسبقًا أن حبهما مكتوب عليه الفشل.

لكنه لم يستسلم، بل رفع عينيه نحوها، وفي نظراته إصرار دفين، وقال بابتسامة شاحبة:

“تعرفي إيه اللي هيحصل كمان شوية؟!”

نظرت إليه في حيرة، وهمست:

“إيه اللي هيحصل؟!”

ضحك ضحكة قصيرة، لكنها كانت حزينة، وقال بصدقٍ عميق:

“مش عارف…”

ارتبكت أكثر، وبدت ملامحها متوترة، فسألته بقلق:

“مش فاهمة… تقصد إيه؟!”

ابتسم ابتسامة هادئة، وقد بدا أنه استسلم لقدرٍ لا يستطيع تغييره، وقال بعينين تلمعان بأمل خافت:

“قصدي… إحنا عمرنا ما هنعرف… يمكن يحصل حاجة في مصلحتنا… يمكن القمر ده يكون شاهد على حاجة ما حدش يتوقعها…”

وصمت كلاهما، كلٌ منهما غارق في دوامة مشاعره، بينما كان القمر يواصل إشراقه، شاهدًا على هذا اللقاء الذي جمع قلبين من عالمين لا يلتقيان…

لكن، في حضرة الليل… كل شيء قد يصبح ممكنًا…!

في قصر “نرمر”، ذلك القصر الذي يُخفي بين جدرانه أسرار آلاف السنين، تعالت الأصوات فجأة، لتُحدث صخبًا غير معتاد داخل أروقته الحجرية العتيقة.

توقف الجميع عن الحركة، وحدهم السكون والذهول كانا سيدي الموقف.

لم يعرف أحد من أين جاء ذلك الصراخ… سوى شخص واحد فقط، استطاع أن يميز الصوت من بين كل الضجيج.

همس خالد لنفسه، وهو يتلفت حوله بحدة:

“ريم…”

وسرعان ما شاهدها بعينيه، وهي تركض بجنون خلف “ناميسا”، وقد اشتعلت عاصفة من الهلع والضحك في الممرات.

ركض خالد خلفهما وهو يهتف بذهول:

“فيه إيه؟! إيه اللي حصل؟!”

صرخت ريم بأعلى صوتها، ملوّحة بيديها وهي تلهث:

“الأسد هرب! يا ناس، الأسد هرب!”

لكن ناميسا لم تكن لتفوّت هذه الفرصة، فالتفتت إليها وهي تركض، تهتف بغضب حار:

“أنا الأسد يا ريم! بس مش هسيبك النهاردة! هخليكي تقولي: ‘أنا الهبلة اللي مسكوها كرسي العرش وقالت عايزة تيمون وبومبا!’ هو حد عاقل يقول للحكيم ‘تيمون’… قصدي ‘ديمون’، وفين سمكة نيمو بقى؟!”

توقفت ريم للحظة، تلهث وهي ترد باحتقان:

“أُوف! مش هو اللي سأل مين تيمون؟! وأنا حكيت له عن كل أفلام ديزني اللي اتفرجت عليها أنا ومريم اللي وراك دي؟!”

أطلت مريم من خلف الجدار، تراقبهما بعينين تلمعان خبثًا، وقالت بسخرية عالية وهي تركض خلفهم:

“بتبعيني يا حيوانة؟! هو أي مصيبة تحصل يقولوا مريم؟! مفيش في البلد دي غير مريم ولا إيه؟! لا بقى! من هنا ورايح، أنا اللي هظبط التابوت اللي دخلنا فيه ده.”

رفعت ناميسا حاجبها بدهشة، وصاحت بسخرية مصدومة:

“تابوت؟! بتقولي على قصر ملك كمت تابوت؟! يا نهار مش فايت يا مريم!”

لكن قبل أن ترد ريم، جاء صوت قوي من خلفهم، حاسمًا الموقف دفعة واحدة.

“ريم!”

التفتت ريم بحدّة، لتجد خالد واقفًا بهيبته، يحمل في يده علبة مزخرفة، وفي داخلها خاتم يتلألأ تحت ضوء المشاعل.

اقترب منها بخطواتٍ ثابتة، ثم ركع أمامها، ورفع يده بالعلبة قائلًا بنبرةٍ عميقة:

“أترضين بي زوجًا… على طريقة مصر القديمة؟!”

حبست ريم أنفاسها، وقد اتسعت عيناها من الدهشة، بينما قفزت مريم بسرعة، مقاطعة اللحظة بعفويتها المعهودة:

“نعم، يا له من مشهد! تتركون القاهرة ونيلها بمواويلها وزحمتها، وتيجوا تتجوزوا في تابوت؟! يا سلام! قمة الرومانسية بصراحة!”

تأفف خالد بضيق، وهو يتمالك أعصابه بصعوبة:

“يا مريم، اسكتي… أفسدتِ اللحظة!”

ردت مريم بضحكة ساخرة، وهي تشير بيديها حول المكان:

“أفسدتُ اللحظة؟! يا عم، هو أنت فاكر نفسك في باريس ولا في روما؟! ده إحنا جوه تابوت!

في تلك اللحظة، تقدم ديمون، وقد بدا عليه الغضب، وهو ينظر لمريم بازدراء حاد:

“كفي عن هذا الهراء! أتهزئين بقصري؟!”

التفتت إليه مريم، وقد اتخذت وضعية درامية مفتعلة، ثم وضعت يدها على قلبها وتصنعت الألم:

“قلبي، قلبي، قلبي! انتَ جرحت قلبي بكلامك ده يا جدو! آه يا وجع!”

ثم أردفت بمكر، وعينيها تلمعان بمكرها المعتاد:

“على فكرة، يا سادة، من غيري مش هتعرفوا تطلعوا من هنا…”

فجأة، أمسكت بها نور من الخلف، وهي تهزها بعصبية وتقول بحدة:

“إنتِ، يا جالبة المصايب! تعرفي طريق الخروج وساكتة؟! ده انتي تستاهلي تتحبسي لوحدك في تابوت فعلاً!”

ردت مريم بخبث وهي تنظر لها من طرف عينها:

“يا حلوة، انتي عايزة تخرجي ولا الجو عاجبك؟! وبعدين، يا عسل، بريستيجي وسط المومياوات كده مش لايق عليّ أبدًا…”

في تلك اللحظة، أشار ديمون إلى نفسه بدهشة، متسائلًا:

“مومياوات؟! نحن مومياوات؟!”

ثم هتف غاضبًا بأعلى صوته:

“امسكوا هذه الفتاة وارموها في السجن، حتى تتعلم كيف تتحدث مع ملك كمت!”

لكن مريم لم تفقد أعصابها، بل رفعت حاجبها بتهكم، ووضعت يدها على خاصرتها قائلة ببرود:

“آه، إيه يا جدو! براحة! دي أول مرة في حياتي أشوف مومياء بتتكلم!”

وهنا انفجر الجميع بالضحك، فقد كان الموقف يفوق كل التوقعات، حتى خالد ونرمر ونور وريم الذين وقفوا يراقبون المشهد من بعيد، أمام تمثالٍ ضخم للملك “توت عنخ آمون”، لم يستطيعوا تمالك أنفسهم، وقد غلبهم الضحك.

ارتجّ المكان بضحكاتهم جميعًا، لكن شيئًا ما في الأفق كان يوحي بأن هذه الليلة لن تنتهي عند هذا الحد…

اقرا الفصل السادس المجنونة والمقبرة من هنا

للمزيد من القصص والمقالات


عوالم من الخيال

تابعونا على فيسبوك

المجنونة والمقبرة

المجنونة والمقبرة الفصل السادس المجنونة والمقبرة الفصل الثامن

اكتشاف المزيد من عوالم من الخيال

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

2 تعليقات

  1. مبدعة كاتبتي كملي وانا معك ❤️❤️

اترك رد