رمضان جانا 
رمضان جانا: إعلان الهلال ولمة البداية
في حي بسيط في القاهرة، تحديدًا
إمبابة، أسرة مكوّنة من أربع أفراد قاعدين قدّام التلفزيون، مستنيين إعلان رؤية هلال رمضان. التليفزيون مرفوع صوته، والشيخ بيقول كلمته المنتظرة، وفجأة الجملة اللي بتقلب الدنيا:
“غدًا أول أيام شهر رمضان المبارك.”
البيت كلّه انفجر فرح. صوت أناشيد “رمضان جانا” علا، وكأن الأغنية كانت مستنيا الإشارة. الشارع منوّر بالزينة، فوانيس معلّقة، وبيوت فاتحة نورها على الآخر. تهاني طالعة من بلكونة لبلكونة، وأطفال بتجري وتضحك وتخطط للمقالب من أول ليلة.
ناس بتنصب الخيمة الرمضانية، وناس بتظبط موائد الرحمن، والسهر طول الليل في البلكونات، وأطباق الحلويات بتلف العمارة كأنها بتسلّم على الجيران واحد واحد.
جوه البيت، الست صباح، أم كارما، كانت في المطبخ بتجهّز السحور، وفي إيدها الموبايل بتكلم جوزها إسماعيل:
“ما تنساش الزبادي وانت جاي… الصيام من غيره ما ينفعش.”
من الأوضة طلع صوت كارما بحماس:
“ياماما خليه يجيب معاه عرقسوس بحبه!”
سليم أخوها بصّ لها من فوق لتحت بأشمئزاز وقال:
“مش فاهم بصراحة… إنتي بتحبي العرقسوس ده في إيه؟ طعمه عامل زي الدوا.”
في اللحظة دي دخل الأب إسماعيل، سامع آخر الجملة، وقال بهدوء وهو بيضحك:
“يا ابني الناس أذواق، زي ما إنتَ وأنا ومامتك بنحب السوبيا.”
كارما رفعت حواجبها بانتصار وبصّت لأخوها:
“وكمان يا بابا مش بيخليني أعطش في الصيام، ده مفيد.”
الأم ضحكت وهي بتقلّب في الحلة:
“مفيد آه… بس بيعلي الضغط.”
سليم سقّف بإيده وقال بانتصار:
“الله أكبر ظهر الحق! يعني مش أنا بس اللي بعليلك الضغط.”
الضحك ملأ البيت، ومع أول ليلة رمضان، كانوا كلهم متأكدين إن الشهر ده جاي ومعاه دفء، ولمّة، وخناقات خفيفة بطعم الضحك… زي كل سنة.
سليم لسه بيضحك، راح قاعد جنب أبوه وقال وهو ماسك الريموت:
“أنا بقى أول يوم صيام مش هتحرك من الكنبة، اللي عايز حاجة يجيبها لحد هنا.”
إسماعيل بص له بنظرة الأب الخبير وقال:
“وأنا أول يوم صيام هصحّيك الفجر تنزل تجيب عيش.”
سليم اتعدل في قعدته فجأة:
“ليه كده بس يا حج؟ ده رمضان رحمة.”
كارما ضحكت وقالت:
“رحمة على الصغيرين بس، إنت كبرت خلاص.”
رمضان جانا: سحور على مزاج العرقسوس
الست صباح طلعت من المطبخ ماسكة طبق بلح، وقالت وهي بتوزعه:
“يلا كلوا بلحة كده على نية الصيام، بدل ما أول يوم نقضيه خناق.”
من الشباك كان صوت عيال الشارع عالي، واحد بيجر فوانيسه، وواحد بيغني نشاز، وواحد تالت بيجرب الطبلة ومش عارف يمسك الإيقاع.
سليم بص من البلكونة وقال:
“يا رب اديني صبر… ده أنا حاسس إني عطشان من دلوقتي.”
كارما قربت منه ومدّت له بلحة تانية:
“ما تقلقش، العرقسوس هيحلها.”
“ابعدي عني بالعرقسوس ده.”
قالها وهو بيضحك، وبيرجع يقعد.
الساعة قربت على السحور، والبيت كله اتحول حركة. الأم بتنده، الأب بيفتح التليفزيون على قرآن الفجر، وكارما بتظبط الأطباق، وسليم واقف قدّام التلاجة محتار:
“هو أنا لو شربت مية كتير دلوقتي هيفرق؟”
إسماعيل رد من غير ما يبص له:
“هتفرق في دخول الحمام بس.”
الضحك علي تاني، ومع أول أذان فجر، سكت البيت لحظة، وكل واحد حس الإحساس اللي بييجي كل سنة…
إن رمضان مش صيام وبس،
ده ضحكة،
ولمّة،
وصوت طبلة من بعيد،
وحكايات بتتكرر… بس عمرها ما تمل.
عدّى اليوم الأول تقيل شوية، الشمس كانت عنيدة، والوقت ماشي على مهله. سليم قاعد قدّام المروحة كأنه بيحرسها، وكل شوية يبص في الساعة ويقول:
هي الساعة واقفة ولا إيه؟”
كارما قاعدة على الموبايل بتعدّ الساعات، وكل ما تشوف إعلان أكل تزود صوتها:
“بص يا سليم… شوف الإعلان ده، تحفة!”
“حرام عليكي، ده تعذيب نفسي.”
الست صباح من بدري دخلت المطبخ، صوت الحلة بدأ يطلع، ريحة التسبيكة لفّت البيت، والزيت بيغني في الطاسة. إسماعيل دخل شم الهوا وقال:
“الله… كده رمضان دخل رسمي.”
سليم من الكنبة صرخ:
“يا ماما هو الفطار الساعة كام بالثانية؟”
“لما الأذان يأذن.”
قالتها بهدوء قاتل.
رمضان جانا: اول فطار وريحه رمضان
قبل المغرب بشوية، البيت اتقلب خلية نحل. كارما بترصّ السفرة، وسليم مكلف بمهمة خطيرة: يملأ الكوبايات.
ملأ واحدة مية، واحدة سوبيا، وقف قدّام العرقسوس، بص له وبص لأخته:
“أنا حاسس الكوباية دي شايفاني.”
كارما ضحكت:
“سيبها، دي مش ليك.”
صوت مدفع الإفطار دوّى من بعيد، وقبل الأذان بثواني الكل سكت.
الأذان طلع…
“الله أكبر…”
الكل مد إيده على البلح، أول رشفة مية، نفس طويل، وراحة.
إسماعيل قال:
“اللهم لك صمنا.”
سليم بعد أول لقمة قال:
“والله أنا نسيت إني كنت جعان.”
الست صباح بصت له وقالت:
“ده من كتر الكلام.”
بعد الفطار، الأطباق اتشالت، والشاي اتحضّر، والضحك رجع تاني. من الشارع صوت الضحك، والعيال نازلة بالفوانيس، واللمة كبرت.
كارما لبست بسرعة وقالت:
“أنا نازلة ألف بالفانوس.”
سليم قام وراها:
وأنا نازل أراقب المقالب.”
إسماعيل قعد في البلكونة جنب صباح، بصّ للشارع المنوّر وقال:
“طول ما اللمة دي موجودة، رمضان بخير.”
وصوت من بعيد رجّع الروح:
“وحوي يا وحوي إيّاحة…”
بعد صلاة التراويح، الشارع كان عامل زي مهرجان صغير. رجالة واقفة تتكلم، ستات على الكراسي قدّام البيوت، وأطفال طايرين بالفوانيس كأنهم في سباق عالمي.
كارما نزلت ومعاها سليم، وقابلوا أم شادي جارتهم، قاعدة قدّام باب العمارة، ماسكة السبحة وبتراقب الدنيا.
قالت وهي بتضحك:
“رمضان كريم يا ولاد، عاملين إيه؟”
“كريم يا طنط.”
ردّوا في نفس واحد.
شادي نفسه كان واقف مع صحابه ووشه مليان أفكار مش مطمّنة. قرب من سليم وهمس:
“جاهزين لمقلب خفيف؟”
سليم عينه لمعت، وقال بحماس:
“طالما خفيف.”
رمضان جانا: مقلب رمضان
الخطة كانت بسيطة: كيس مية صغير مربوط في خيط، وأول واحد يطلع البلكونة من غير ما ياخد باله… رشّة لطيفة.
كارما بصّت لهم وقالت:
“أنا بريئة من اللي هيحصل.”
الضحية كانت عم جابر، ساكن الدور التالت، معروف إنه بيطلع البلكونة بعد التراويح يشرب شايه في هدوء.
أول ما فتح البلكونة…
فشخ!
المية نزلت.
عم جابر وقف ثانيتين، وبعدين صوته علا:
“مين اللي عمل كده؟!”
الشارع كله انفجر ضحك، والعيال جريت في كل حتة. سليم بيجري وهو بيقول:
“يا رب السترة!”
كارما استخبت ورا عربية وقالت وهي بتضحك:
“قولتلكوا بلاش!”
بعد شوية، عم جابر نفسه ضحك وقال من البلكونة:
“رمضان كريم يا شياطين.”
الضحك هدي، واللمة رجعت. شاي، لب، وحكاوي.
أم شادي قالت:
“هو رمضان من غير دوشة يبقى رمضان؟”
قرب نص الليل، كارما وسليم رجعوا البيت.
الأم كانت مستنياهم على البلكونة:
“ها؟ عملتوا إيه؟”
سليم حاول يمثل البراءة:
“ولا حاجة… كنا بنصلي.”
الأب بص له وقال بابتسامة:
“صلاة بمية؟”
الكل ضحك، وكارما قالت وهي داخلة تنام:
“أول مقلب في رمضان… والباقي على الله.”
والليل قفل على إمبابة،
بس الضحك لسه ساكن في الشارع،
ورمضان بدأ رسمي…
بحكاية تتحكي كل سنة.
اكتشاف المزيد من عوالم من الخيال
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.




جميلة جدا كاتبتي ابدعتي ❤️❤️❤️❤️❤️
جميلة جدا ابدعتي كاتبتي ❤️❤️❤️❤️
يخليلي❤❤