يوميات سنجل بائس
يوميات سنجل بائس: الاسم الذي يسبق صاحبه
أنا عثمان. ثمانية وعشرون عامًا، محاسب في شركة توريدات، واسمي دايمًا كان بيدخل الأوضة قبلي اسم تقيل، قديم شوية، يخلي الناس تاخد فكرة قبل ما تشوفني. يمكن عشان كده عمري ما كنت بطل حكاية حب. دايمًا الدور الثانوي: الأخ الجدع، الكتف اللي يتشال عليه الهم، الأذن اللي تسمع من غير ما تطلب حاجة. ومع الوقت، اتعلمت أهرب… أهرب من فكرة الارتباط قبل ما تهرب مني لحد ما قابلت نيجار جمال تقليدي، ولا حضور صاخب، لكنها كانت مليانة حياة. طاقتها بتسبق خطوتها، ضحكتها تخبط في القلب من غير استئذان، وسمار بشرتها هادي… زي لون المطر أول ما يلمس الأرض. كل ده، وأنا عامل نفسي مش شايف. عامل نفسي مش حاسس. حافظ جملة واحدة كويس:
“إنت زي أخويا يا عثمان.”
جملة قصيرة بس بتكسر ضهر أي أمل.
يوميات سنجل بائس: اليوم الذي بدأ بالضحك
أول يوم ليا في الشركة كان تقيل، مش عادي، كإنه اختبار مش مكتوب في أي عقد دخلت بخطوات مترددة، حاولت أسبق التوتر بصوتي:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. أنا زميلكم عثمان…
ماكملتش.
الضحك سبقني.
إيه ده؟ جاي تشتغل طباخ في الشركة؟
لا يا عم، ده أكيد البواب الجديد!
أبوك كان عايز يزّلك؟ سماك عثمان؟!
ضحك عالي سخرية من غير كسوف همسات ونظرات بتنهش في اللحم كنت سامع كل حاجة كإن وداني مكبّر صوت للأذى. وشي سخن، قلبي بينكمش، نفسي بيطلع ويدخل بسرعة مش مفهومة. عايز أرد بس لساني تقيل. عايز أصرخ… بس الصوت محبوس لفّيت ومشيت على مكتبي، بخطوات ثابتة كذب. قعدت، حطيت إيدي على المكتب، وقلت لنفسي واطي:
اتمسك يا عثمان كفاية إنك بتحاول حتى لو مش هتكسب المكتب كان واسع، بس أنا كنت محشور في ركنة ضيقة جوا دماغي. كل عين حاسسها عليّ، وكل كلمة بتتكرر جوّه أكتر ما اتقالت برّه ومع ذلك أقنعت نفسي إن المحاولة شرف.
يوميات سنجل بائس: نقطة نور وسط الضوضاء
بعد شوية، صوت هادي وقف جنبي:
أستاذ عثمان؟
رفعت عيني.
نيجار.
قريبة أكتر من أي مرة. ملامحها هادية، وفي عينها اهتمام حقيقي، مش شفقة ولا فضول.
متاخدش كلامهم على صدرك هما كده مع أي حد جديد. بس هتتأقلم وعد.
الكلمة الأخيرة وقعت جوّه قلبي تقيلة ابتسمت ابتسامة خفيفة، :
أنا تمام شكراً يا نيجار.
برّه متماسك جوّه بتكسر وسؤال واحد بدأ يكبر: هل وجودها هيغيّر حاجة؟ ولا هتكون صفحة جديدة في نفس الكتاب… كتاب “إنت زي أخويا”؟
يوميات سنجل بائس: اختبار الاحتمال
قررت أهرب للشغل. مسكت أوراق المحاسبات، وروحت لمكتب مديري المباشر. دخلت، وقفت قدّامه، ومدّيت الورق:
يا فندم، دي أوراق المحاسبات الخاصة بالموردين… محتاجة تأشير حضرتك.
بص لي، مسك الورق، وقبل ما يمضي رفع حاجبه:
إيه يا بطل؟ مبسوط أول يوم ليك؟
السؤال كان تقيل مش بريء.
والله يا فندم… بحاول أتأقلم وأتعرّف على الزملاء.
هزّ راسه، نظرة قصيرة، توقيع سريع.
ربنا يوفّقك.
انتهى الكلام وانتهى الاهتمام خرجت، والباب اتقفل ورايا بهدوء. بس قلبي. اتقفل بصوت أعلى.
يوميات سنجل بائس: الوحدة بصوت عالي
وأنا راجع لمكتبي، الهمسات رجعت. ضحك مكتوم… نفس الجُمل… واسمي بيتقال بنبرة استهزاء. الهوا تقل رجلي وقفت لا قادر أدخل ولا قادر أرجع وقفت ثواني، أحاول أهدّي نفسي، بس الكلمات كانت بتتعاد جوّه أعلى من برّه.
لفّيت عيني أدور على نيجار يمكن كلمة نظرة أي حاجة.
مكتبها فاضي وعرفت بعدها إنها بتمشي بدري عشان حالة والدتها المريضة ساعتها حسّيت بغربة حقيقية اليوم الأول وأنا فعلاً لوحدي دخلت المكتب، قفلت الباب بهدوء، وسندت ضهري عليه.
اهدأ يا عثمان المعركة لسه في أولها.
بس السؤال فضل معلق في الهوا:
هل هيعرف يتأقلم؟
هل هيبقى له مكان بينهم؟
وهل نيجار ممكن تشوفه يومًا أكتر من مجرد “أخ”؟
يوميات سنجل بائس: حين يصبح الصمت أعلى من الضجيج
قعدت على الكرسي، النور الأبيض فوق دماغي كان قاسي، كإنه بيحقق معايا. فتحت الكمبيوتر، الشاشة سودة… شبه اللي جوايا. إيدي على الماوس، بس عقلي بعيد ضحكهم لسه بيتردد. نبرة الاستهزاء. اسمي وهو بيتقال كإنه نكتة.
فجأة، رسالة على الإيميل الداخلي:
ملف الموردين – مراجعة عاجلة”
اسم المدير ظاهر تحتها.
قلت لنفسي: أهو ده ملعبك الحقيقي يا عثمان الأرقام مبتضحكش.
غصبت نفسي أركز. سطر ورا سطر، رقم ورا رقم. ومع كل معادلة صح، كنت بحس إني برجّع حتة صغيرة من كرامتي بس وسط التركيز لاحظت حاجة رقم مش راكب إعادة حساب نفس الغلطة ملف قديم توقيع باسم زميل من اللي كانوا بيضحكوا قلبي دق أسرع.
يا ترى ده إهمال؟ ولا أكتر؟
قفلت الملف، حفظته بنسخة تانية، وسميت النسخة:
“مراجعة – خاص”
أول مرة أحس إن عندي ورقة في اللعبة.
يوميات سنجل بائس: ضحكة خلف باب مقفول
قرب آخر اليوم، الهدوء نزل على الشركة فجأة، زي هدوء ما قبل مطر تقيل. كنت لسه غرقان في الحسابات، لما سمعت ضحكة خافتة برا المكتب. ضحكة واحدة… بس عرفتها.
نيجار
قلبـي اتحرك قبل عقلي فتحت الباب بحذر كانت واقفة مع زميلة ليها، بتضحك، بس أول ما شافتني… الضحكة هديت
لسه موجود؟ افتكرتك مشيت.
لا لسه.
صمت قصير بس قالت بنبرة مختلفة، أقل خفة:
اليوم كان تقيل، صح؟
هزّيت راسي.
أوي.
بصت في الأرض، وبعدين رجعت تبصلي:
متخليش حد يكسرك هما صوتهم عالي، بس مش دايمًا صح.
قبل ما أرد، تليفونها رن وشّها اتغير
لازم أمشي ماما تعبانة النهارده.
ربنا يشفيها.
ابتسمت ابتسامة شكر سريعة، ومشيت.
وسابت وراها سؤال تاني: هل اهتمامها ده عطف؟ ولا بداية حاجة أعمق؟
يوميات سنجل بائس: أول شرخ في الجدار
تاني يوم دخلت الشركة بدري شوية الضحك مش موجود العيون اتفاجئت بوجودي قعدت، فتحت الملف “الخاص”، وبعت إيميل رسمي للمدير:
“أثناء مراجعة حسابات الموردين، لاحظت فروق تستدعي المراجعة.”
من غير أسماء.
من غير اتهام.
بس بالأرقام.
عدّى نص ساعة.
جالي رد:
“تعالى مكتبي.”
قمت، وأنا قلبي بيدق، بس المرة دي… مش خوف.
يوميات سنجل بائس: النظرة التي تغيّر الميزان
المدير كان واقف عند الشباك لفّ وبصلي.
انت اللي لاحظت ده؟
أيوه يا فندم.
مدّ إيده بالملف:
شغل نضيف ومش كل حد بياخد باله.
سكت شوية، وبعدين اتكلم:
خلي بالك من نفسك الشغل هنا مش أرقام وبس.
خرجت من المكتب، وأنا حاسس إن الأرض مش تقيلة زي امبارح وأول ما دخلت المكتب لقيت نيجار مستنياني.
خير؟ وشك متغير.
ابتسمت ابتسامة حقيقية المرة دي.
يمكن الدنيا بدأت تعدّل شوية.
بصّتلي نظرة طويلة، وتكلمت بهدوء:
واضح إنك مش زي ما هما فاكرين.
الجملة دي كانت أول مرة حد يشوفني بجد.
يوميات سنجل بائس: بداية الأسئلة الخطيرة
وأنا راجع البيت، صوتها فضل في وداني.
مش زي ما هما فاكرين.
طب وهي؟
فكراني إيه؟
والملف؟
هل اللي لاحظته مجرد غلطة؟ ولا باب لحقيقة أكبر؟
عرفت ساعتها إن المعركة مش بس إثبات ذات…
دي معركة بقاء.
وإن نيجار… بقت جزء منها، غصب عني وغصب عنها.
اكتشاف المزيد من عوالم من الخيال
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.




تحفةةة ومشوقة جدا ابدعتي كاتبتي ❤️❤️❤️