ميلاد النور.

مع سماع صوت صرخة الحياة مِن طفلهم الأول إتسعت إبتسامة هذا الواقف منذ مَا يقارب من ساعة يكَــاد الخوف أن يأكل قلبه، وخرج الطبيب مِن غُرفة العمليات وهو يتنفس الصعداء فها هي عملية ولادة قد انتهت؛ فهو لا يحب شيء بقدر الأهتمام بكافة تفاصيل العملية الجراحية وكأنه فنان يجيد رسم لوحة فنية وليس طبيب يقوم بعمل عملية ولادة لا تأخذ من وقته الكثير، وبعدها يرىٰ سعادة الأب والأم يشعر وكأن يومه صار أفضل، ربما تراه شخص غريب أطوار نعم وهو كذلك بالفعل، وجد شاب يقترب منه ويبدو علىٰ وجهه امارات القلق:

 

  • هو العملية تمت علىٰ خير صح؟

 

ابتسم الطبيب وهو يرىٰ اهتمام هذا الزوج بزوجته وابنته فقال له بجدية:

 

  • متقلقش كُله تمام، مُبارك جاتلك بنوتة عسولة ربنا يحفظها ليك يارب.

 

ابتسم براحة؛ فهو كان يشعر بالخوف أن يحدث مكروه لأي من زوجته أو ابنته التي لم يرها إلا الآن:

 

  • طب أقدر اشوفهم أمتىٰ؟

 

نظر له الطبيب بإبتسامة فيبدو أن هذا الشاب لن يرتاح إلا عندما يراهم بخير أمامه:

 

  • تقدر تدخل دلوقتي.

 

اندفع الشاب سريعًا صوب الغرفة التي تقبع بها زوجته الحبيبة، وحين دلف وجدها مستلقية على السرير وتحمل طفلتهم وهي تنظر لها بحنان، وحين شعرت بدخول زوجها قالت له بحماس:

 

  • تعالىٰ يا خالد بسرعة شوف.

 

تحرك خالد من مكانة وعيناه ترمق ذلك الكائن الصغير اللطيف بحنان شديد، جلس بجانب زوجته وهو يحمل الصغيرة برفق شديد، فقالت له زوجته بسعادة:

 

  • إيه رأيك يا حبيبي جميلة اوي صح؟

 

رد عليها وهو مازال ينظر للصغيرة بعمق وسعادة فهي أتت في أجمل الأوقات؛ فهم حقًا كانوا يحتاجون لطفل صغير يلمىء المنزل بضحكات وصرخات ويكبر أمام عينيهم:

 

  • جميلة خالص ما شاء الله ربنا يحفظها لينا، إحنا اتفقنا إننا هنسميها بأول إسم يجي في بالنا أول ما نشوفها، ها عندك أي اقترحات يا ليلة؟

 

فكرت ليلة بضعة لحظات ثم قالت وهي ترمق الصغيرة بسعادة:

 

  • إيه رأيك في اسم نور، بما انها لما جات حياتنا الدنيا كلها نورت.

 

إتسعت إبتسامة خالد وهو يوافقها الرأي.

 

بعــد مِــرور سبــع سنــوات.

 

  • يلا يا نور علشان تلحقي المدرسة.

 

هتف بها خالد بملل فهو ينتظرها منذ فترة، كانت نور ترتدي حقيبتها وهي تسأل والدتها بتعجل:

 

  • ماما حطيتي السندوتشات في الشنطة؟

 

اومأت لها والدتها بإيجاب وهي تعانقها بلطف وبعض من الحزن؛ فهي تشتاق لها بشدة حين تذهب للمدرسة، ثم نظرت لخالد قائلة له بِحب:

 

  • خلي بالك على نفسك يا حبيبي توصل بالسلامة.

 

ورحل خالد ومعه نور، نظرت ليلة للمنزل الفارغ خلفها ببعض الراحة وقامت بتشغيل الراديو على إذاعة القرآن الكريم لتملأ البيت بركة، وبعد أن أعدت كوبًا من الشاي المفضل لديها، جلست في ركنها الهادئ وبدأت في قراء كتاب غارقة في عوالم الخيال

 

بعد مرور عدة ساعات عادت نور مِن المدرسة ويبدو الحزن جليًا على وجهها، فزعت ليلة وقالت بقلق شديد:

 

  • مالك يا نور، أنت كويسة؟

 

فقالت نور بحزن وهي تنظر لوالدتها بقلق من ردة فعلها:

 

  • اتخانقت مع بنت في المدرسة النهاردة.

 

نظرت لها ليلة بلطف؛ كي لا تقلق وتقول الحقيقة كاملة:

 

  • احكي براحة ايه الي حصل؟

 

قالت نور بضيق من تذكر الأمر:

 

  • أنا كُنت قاعدة بحفظ القرآن الي هسمعها في درس القران، وكُنت قاعدة في حالي خالص جات بنت فضلت تغلس عليا وتقول كلام مش كويس فزعقت معاها، قامت الميس جات وزعقت لينا وضربتنا وانا معملتش حاجة.

 

نظرت لها ليلة بحزن، ثم قالت لها بهدوء:

 

  • بصي يا نور.. الدنيا دي فيها ناس كتير بيحبوا يضايقوا غيرهم عشان يشوفوهم زعلانين، لو حد حاول يستفزك تاني، افتكري وصية غالية اوي من النبي ﷺ لرجل سأله نصيحة، قاله:

(لا تغضب)، عارفة ليه؟

 

​هزت نور رأسها بالنفي، فتابعت ليلة:

  • لأن الغضب ده زي النار، الشيطان بينفخ فيه عشان يخلينا نغلط ونخسر حقنا، لما بتغضبي وتصوتي، بتضيعي حقك، لكن لما بتمسكي نفسك، ربنا بيسميكِ من (الكاظمين الغيظ)، ودول ليهم مكافأة عظيمة أوي في الجنة.

 

​ابتسمت نور وسط دموعها، وبدأت ملامحها تسترخي وهي تقول:

  • يعني أنا لو سكت المرة الجاية ربنا هيحبني أكتر؟ خلاص يا ماما، أنا مش هرد على اي حد يحاول يعصبني تاني، عشان أكون قوية بجد ومش هخلي الشيطان يضحك عليا.

 

​شعرت ليلة بفخر لا يوصف، ابنتها بدأت تفهم جوهر الدين في أبسط مواقفها اليومية، وبينما كانت ليلة على وشك معانقتها، شهقت نور فجأة ووضعت يدها على فمها:

  • يا خبر، يا ماما أنا نسيت أصلي الظهر من كتر الزعل

​وجرت سريعًا نحو الحمام لتتوضأ، بينما وقفت ليلة تنظر في أثرها، داعية الله أن يبارك في هذا “النور” الذي بدأ يضيء بأخلاقه قبل اسمه.

 

حَنيِن قَباري.

 


اكتشاف المزيد من عوالم من الخيال

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

اترك رد