خف حنين والأعرابي

خف حنين والأعرابي

خف حنين والأعرابي: سوقٌ يتنفس بالحياة

في سوقٍ قديمٍ من أسواق العرب، حيث تمتزج رائحة الجلد المدبوغ بغبار الطريق، وتتعالى أصوات الباعة كأنها نداءات طيورٍ تتشاجر على فتات النهار، كان يجلس إسكافيٌّ يُدعى حُنين.

كان السوق عالمًا قائمًا بذاته؛ أقمشة تتدلّى كأجنحةٍ ملوّنة، توابل تفوح برائحةٍ لاذعة، وأصوات مساومات تتصادم كالأمواج. القوافل تدخل وتخرج، والناس بين بائعٍ ومشترٍ، بين رابحٍ وخاسر، بين من يعود مثقلًا بالغنائم ومن يرجع خالي الوفاض.

وسط هذا الصخب، كان دكان حُنين أشبه بجزيرة هادئة.

لم يكن مجرد صانع خُفٍّ عادي، بل كان فنانًا في مهنته؛ يختار الجلد بعينٍ خبيرة، يتحسس ملمسه كما يتحسس الشاعر وزن قصيدته، ويقصّه بدقةٍ لا تقبل الخطأ، ثم يخيطه بخيوطٍ متينة كأنها عروق قلبٍ نابض.

كان يعرف أن الخُفَّ ليس مجرد حذاء هو وعدُ أمانٍ في صحراء لا ترحم هو حارس القدم من لسعة الرمل، ومن حدّة الحصى، ومن مفاجآت الطريق وكان يؤمن أن جودة ما يصنع هي صورته أمام الناس، وكرامته التي يمشي بها بينهم.

خف حنين والأعرابي: قدوم الرجل الذي لا يشتري

اشتدت حرارة الشمس حتى بدت كأنها قرص نارٍ يلتهم السماء وبينما كان حُنين يلمّع خفًّا جديدًا، أقبل أعرابيٌّ على جمله كان طويل القامة، عريض المنكبين، في عينيه بريق حذرٍ لا يخلو من تعالٍ ثوبه مغبرّ، وعمامته مائلة قليلًا من أثر السفر لم يكن يبدو رجلًا فقيرًا، بل بدا كمن يعرف قيمة المال… ويحب أن يربح في كل صفقة.

ترجّل، وربط جمله في ظلٍّ قريب، ثم اتجه بخطواتٍ واثقة نحو الدكان.

— يا هذا، أعندك خفّان يليقان برجلٍ يعرف دروب الصحراء؟

لم تعجب حُنين نبرة الصوت، لكنها لم تغيّر من هدوئه شيئًا.

ابتسم ابتسامة مهنية، وأخرج زوجًا من أجود ما صنع.

— هذان يا سيدي، جلدٌ لين، وخياطة لا تنفك، وسيرافقانك أعوامًا.

أخذ الأعرابي الخفّين، وبدأ امتحانًا طويلاً.

ضغط الجلد بقسوة.

شمّه كأنه يشكّ في صدقه.

طرق عليه بإصبعه، ثم قال:

— بكم؟

أخبره حُنين بالسعر.

قطّب الأعرابي حاجبيه.

— كثير.

— بل هو حقّهما.

— لا يستحق نصفه.

ومن هنا بدأ النزاع.

خف حنين والأعرابي: مساومة تجرح الكرامة

لم تكن مساومةً عادية كانت اختبارًا للصبر كلما خفّض حُنين قليلًا، طلب الأعرابي أكثر وكلما شرح له جودة الجلد، ابتسم الآخر بسخريةٍ خفيفة لم يكن ينوي الشراء بقدر ما كان يستمتع بليّ ذراع البائع بدأت نظرات الناس تلتفت إليهما وحنين، الذي عاش عمره يحافظ على احترامه، شعر بأن الرجل لا يساومه على ثمن، بل على قيمته.

وأخيرًا، ألقى الأعرابي الخفّين أرضًا وقال:

— سأجد خيرًا منهما في سوقٍ آخر.

لم تكن الكلمات وحدها جارحة، بل الطريقة.

طريقة الرمي طريقة الالتفات دون اكتراث طريقة المشي وكأن الأمر لا يعني شيئًا ظلّ حُنين واقفًا، ينظر إلى ظهره وهو يبتعد وبشيء ثقيل يستقر في صدره لم يكن الغضب وحده كان شعورًا بالإهانة.

خف حنين والأعرابي: فكرة تولد في لحظة كرامة

جلس حُنين قليلًا ينظر إلى الخفّين.

ثم رفع رأسه، وتبعت عيناه خطّ سير الأعرابي الخارج من السوق.

همس لنفسه:

“المال يذهب ويعود… لكن الكرامة إن ضاعت لا تُشترى.”

وفي لحظةٍ خاطفة، ولدت الفكرة أخذ أحد الخفّين، وسار مسرعًا في طريقٍ جانبي يعرف أن القوافل تسلكه.

وضع الخفّ في موضعٍ ظاهر على الرمال.

ثم مضى مسافةً ليست قصيرة، ووضع الخفّ الآخر بعيدًا بحيث لا يُرى الأول منه.

اختبأ خلف كثيب رملي، وقلبه يخفق لا خوفًا… بل انتظارًا.

خف حنين والأعرابي: طمع اللحظة

مرّ الأعرابي يقود جمله، وقد نسي السوق وما فيه.

فجأة لمح الخفّ الأول توقف.

ما هذا؟

انحنى، حمله، تأمله ابتسم ابتسامة صغيرة.

— يشبه خفّ ذلك الإسكافي… لكن ما نفع خفٍّ واحد؟

ألقاه ومضى بعد دقائق، رأى الخفّ الثاني هنا تغيّر كل شيء اتسعت عيناه تسارعت أنفاسه.

— هذا هو الآخر!

نظر خلفه.

فكّر ثم قال في نفسه:

“لو عدت الآن وأخذت الأول… صار عندي زوج كامل بلا ثمن.”

كانت لحظة صغيرة لحظة قرار لكنها كانت كافية لتقلب مصيره.

خف حنين والأعرابي: الغفلة التي تفتح باب الخسارة

ربط جمله قرب شجرةٍ يابسة ترك متاعه كما هو وهرول عائدًا يبحث عن الخفّ الأول وما إن غاب عن المكان، حتى خرج حُنين من مخبئه لم يركض لم يتعجل تقدم بخطوات واثقة أمسك بزمام الجمل تحسس الحمل.

ثم قاد البعير في الاتجاه المعاكس، تاركًا الريح تمحو الآثار لم يكن في عينيه شفقة كان في قلبه شعورٌ بالعدل كما يراه هو.

خف حنين والأعرابي: الصدمة

عاد الأعرابي يحمل الخفّ الأول، وقد لمع في عينيه بريق الظفر.

لكن حين وصل توقف لم يرَ الجمل تقدم خطوة ثم أخرى.

دار حول نفسه.

— أين…؟

لم يجد شيئًا.

لا جمل.

لا متاع.

لا ظلّ.

الصحراء كانت صامتة.

واسعة.

قاسية.

صرخ:

— يا ويلي!

جلس على الرمال، يحدّق في الخفّين بين يديه.

شعر بثقلٍ لا يُحتمل.

لم يخسر صفقة.

خسر بعيره.

زادَه.

رحلته.

وخسر شيئًا أكبر: غروره.

خف حنين والأعرابي: عودة بلا شيء

عاد إلى قومه مشيًا كانت خطواته أبطأ من ظلّه حين رأوه بلا جمل، تساءلوا:

— أين بعيرك؟

— وأين متاعك؟

خفض رأسه.

وصوته خرج مكسورًا:

— رجعتُ بخُفَّي حُنين.

ضحك بعضهم وتأمل بعضهم وجهه بصمت لكن العبارة علقت في الهواء.

وتحوّلت إلى مثل.

خف حنين والأعرابي: ما بين الطمع والكرامة

لم تكن القصة مجرد حيلة.

كانت مواجهةً صامتة بين رجلين.

أحدهما جُرح في كرامته.

والآخر أغواه الطمع بلحظةٍ صغيرة.

ولو أن الأعرابي ترك الخفّين حيث هما…

ولو أنه اكتفى بما في يده…

لما خسر كل شيء.

لكن الحياة كثيرًا ما تُختصر في لحظة قرار.

لحظة نظنّ فيها أننا سنكسب أكثر…

فنعود وقد خسرنا ما كان بين أيدينا.

وهكذا بقي المثل حيًّا:

“رجع بخُفَّي حُنين”

يُقال لكل من طمع فخسر،

ولكل من عاد صفر اليدين،

يحمل أثر خطئه… ولا يحمل غيره.

اقرا قصة الوعاب أبو ديل من هنا

للمزيد من القصص والمقالات


عوالم من الخيال


اكتشاف المزيد من عوالم من الخيال

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

اترك رد