المشهد الأول:-
حكايات ذرية من قهوة الحاج عطية
-” إن سقط هذا الفانوس وتهشم منك، سأقتلك يا تكة.”
قالها الحاج عطية بغيظ وهو يحاول تمالك أعصابه وعدم سفك دماء أحد.
نظر له تكة نظرة خاطفة وهو ممسك بفانوس زينة رمضاني ضخم يحاول تعليقه، تأكد تكة أن قدمه ثابتة على تلك الطاولة ثم صعد، لا يريد أن يستفز الحاجة عطية الآن ،لأنه يعلم مدى حبه لهذا الفانوس المتوارث، يكفي ما حدث قبل قليل.
-” ما بك يا تكة ومحاولاتك الانتحارية! ، لا تقل لي أنك ستضع هذا الكرسي المكسور على الطاولة أيضًا لتصعد إلى أعلى.”
قالها رشدي -الذي وصل لتوه-بمرح وتقدم خطوتين ليمسك الطاولة من أجل تكة لكي لا يسقط.
فقال تكة بسخرية وهو يثبت خطافًا معدني في سقف المقهى:-” شهيد تعليق زينة رمضان.”
ضحك أباظة وشكري أيضًا على وضع تكة، ثم أتخذا مقعدهما المعتاد في المقهى.
قال شكري باستغراب :-” ألم يكن هذا الفانوس معلقًا منذ يومين؟! لم أنزلتموه؟”
هتف الحاج عطية بصوت عالٍ ونبرة مغتاظة:-” الأبالسة الصغار، ضربوا بالكرة في الفانوس فأسقطوه أرضًا، وكُسر زجاجه الملون.”
قال أباظة:-” أتعرف هؤلاء الصبية؟! ”
فقال الحاج وهو يعدل من وضع نبوته الذي يتكئ عليه:-” بالطبع أعرفهم، إنه فادي ابن عبده الميكانيكي وصحبته.”
تأفف شكري لسماعه الاسم وقال:-” ليس هذا الفتى مجددًا، منذ يومين كان يظن نفسه في جيش اسبارطة، صنع وصحبته قاذفة من العصيان و المطاط يمسكها اثنين، وأشعلوا النيران في سلك الصحون المعدني، ووضعوه كقذيفة.”
قال أباظة بتعجب :-” يا إلهي! وماذا حدث؟”
فيرد شكري:-” لم يستطيعوا التحكم بها وأتت القذيفة مباشرة في قميصي الذي نشرته زوجتي في الشرفة ليجف.”
قال رشدي:-” لم لا تتكلمون مع والده وتشتكونه، وإن شئت طلبت تعويضًا ثمن زجاج الفانوس الذي اشتريته، يا حاج.”
مسح الحاج وجهه ووحد الله مستعينًا باسمائه الحسنى لينجلي الهم من صدره، ثم قال:-” لا عتب على الأطفال، لقد قالوا لأبائهم أنهم كانوا يصورون تلك الحركة لرفعها على ما يسمونه توك توك ” .
ابتسم تكة وقال مصححًا :-” اسمه تيك توك يا حاج، يسعون ليصبحوا مشاهير بتصوير أنشطتهم بشكل يومي في رمضان.”
قال الحاج:-” لا أفهم من أين آتى علينا هذا أيضًا ؟!”
نظر عطية للفانوس وقال:-” لا يهمني المال، لكن هذا الفانوس يحمل ذكريات العائلة كلها…له رائحة رمضان الزمن الجميل.”
—————————————————–
حكايات ذرية من قهوة الحاج عطية
المشهد الثاني :- ذكريات.
حكايات ذرية من قهوة الحاج عطية
قال تكة مازحًا :-” لا يبدو كأنه يحمل الذكريات بل يحمل الصدأ والأتربة.”
قال الحاج عطية:-” ماذا تفهم أنت عن هذا التصميم وأجواء رمضان الحقيقية؟!”
هنا قال رشدي مؤيدًا:-” معه حق يا تكة، هذا الفانوس أراه هنا مذ كنت طفلًا، كانت الأجواء رائعة، كان تميز الشهر الكريم وتبجيل شعائره ظاهرًا.”
قفز تكة من على الطاولة وقد فرغ من مهمته وهو يقول:-” أوليست الأجواء مميزة في زماننا؟!”
فقال رشدي:-” لأول مرة أختلف معك، أنتم لم تذوقوا ما ذُقنا من جودة روحانيات ولذة هذا الشهر الفضيل.”
بدأ الحاج عطية يسرد ذكرياته بشجنٍ قائلًا:-” كنت أخرج طفلًا ألعب في الشارع مع الصبية، ما أن يأتينا الأذان لا تدري ما تبقى لك لتأكل في بيتك، مع كل خطوة هناك من يعطيك شيئًا تأكله حتى تصل لبيتك…أتذكر أن والدة رفيقي وضعت في فمي مرة قطعة دجاج كبيرة قائلة (سلي بها نفسك حتى تصعد السلم وأعطي هذا لأمك وقل لها رمضان كريم.) ثم أعطتني صحنًا عامرًا بخيرات الله.”
ضحك شكري ضحكة مجلجلة ثم قال:-ـ”لقد ذكرتني بشيء، كان هناك قاعدة ذهبية في مسكننا تدعى (قاعدة توزيع المحشي) من تقوم بعمله للفطور، تعطي صحنًا صغيرًا لجميع جارتها ليتذوقوا صنيع يدها.”
قال رشدي :-” نعم، أعرف قاعدة الصحن الدوار هذه، كان الصحن يذهب بالحلوى ويعود بصنفٍ أخر منها.. حتى ننسى لمن كان الصحن من الأساس.”
قال أباظة:-” وموائد الرحمن التي تكفل أحبتنا، ويجتمع عليها الجيران، ويتوفر ما لذ وطاب، لا يوجد فقير في رمضان لا يُكرم، ولا وحيدٌ لا يُوصل بالود…نجتمع محفوفين بالألفة طوال الشهر.”
قال الحاج عطية:-” على ذكر التجمع والألفة، كان صوت الشعراوي قبل المغرب يدوي في كل البيوت.”
قال شكري:-” ومحمد رفعت و النقشبندي وهم يصدحون بالتواشيح والابتهال.”
قال رشدي:-” حتى التراويح قديمًا كان وقعها على القلب مختلف.”
قال أباظة ضاحكًا:-” والدورة الرمضانية في مركز الشباب…أذكر أن أحدهم قد خسر بفارق ١١ هدفًا، واستلم الكرة كرصاصة في أنفه.”
نظر إلى شكري بمكر، فلكزه الأخير قائلًا بسخرية:-” كنت مشروع حارس مرمى عالمي.”
قال الحاج عطية بسخرية:-” قبل الأهداف أم بعدها ؟!….أنا أذكر تلك الفضيحة جيدًا”
قاطهم تكة وهو يعلق باقي فروع الزينة :-” لا أجد فارق كبير بين الماضي والحاضر بل أرى أن فعالياتنا أكثر.”
—————————————————–
حكايات ذرية من قهوة الحاج عطية
المشهد الثالث :- ما الفارق ؟!
حكايات ذرية من قهوة الحاج عطية
قال الحاج عطية:-” بل الفرق كبير يا تكة، نحن نستشعر انتزاع البركة من أيامنا..لم نعد نشعر بالوقت.”
عدل أباظة من وضعية نظارته ثم قال:-” أعتقد أن الفرق الجوهري هنا هو الجودة، فيما مضى كان التجمع العائلي ليس فرضًا، بل رغبة في صلة الرحم والأنس، الآن أخذتنا هواتفنا عن بعضنا البعض، الجميع مشغول والحوارات قليلة وسطحية للغاية، إنشغالنا بالعمل جعلنا نقوم بكل شيء في حياتنا وكأنها وظيفة يجب أن يتم تأديتها في أسرع وقت فقط.”
أردف رشدي:-” بل ويجب تصويرها ومشاركتها لمواكبة (التريند) على مواقع التواصل الاجتماعي.”
قاطعه شكري قائلًا:-” هذا مربط الفرس، لم يعد الأمر يُقضى بسلاسة بل صار هناك مغالة غير منطقية في تكاليف رمضان، مغالة في الزينة، والتحضيرات، والملابس، وحتى في الحلوى وأسعارها.”
قال أباظة:-” بالفعل، كل هذا يخلق حالة من عدم الرضا لعدم مواكبة القطيع، فتحول رمضان من شهر عبادة وروحانيات، لمنافسة في زيارة المطاعم وتجربة الأكلات الغريبة المليئة بالدهون والسكريات والمسرطنات، والتسكع في الخيم الرمضانية في وجود الأغاني والرقص والصخب…أصبح الصيام شكليًا، ومبرر للغضب لا لكبح السوء.”
قال الحاج عطية:-” والملابس الغريبة في صلاة التراويح والمزاح بالشتائم والنميمة، وأصوات الأغاني المندلعة من الهواتف بين ركعات التراويح.”
قال أباظة موجهًا بصره إلى تكة:-” لم نعد نسمح لقلوبنا بمواكبة روحانيات هذا الشهر، لأننا فقدنا المقدرة على التباطؤ، وتقدير الوقت…صرنا متعجلين في كل شيء، فاقدين للمعنى وإدراك القيمة، محبين للتفاخر والتظاهر بالاستمتاع بأوقاتنا ولكن في الواقع قلوبنا خاوية.”
قال تكة:-” ربما سرعة العصر، واكتساح التكنولوجيا والرأسمالية، جعل الجمع يحاول دائمًا إثبات قدرته على مواكبة حياة مزيفة مترفة يصدرها لنا الشخصيات المؤثرة على منصات التواصل.”
فقال أباظة :-” وكلما أسرعت وبالغت في التكلف الدنيوي، فقدت السيطرة وانسلت الراحة والروح والقيمة مما تفعله، وفقدت عمار قلبك وعقلك، وأرهقت نفسك وتهت وسط الملذات، وخرجت من الشهر الفضيل عائدًا بخفي حنين، بلا نتيجة مُرضية أو زاد إيماني أو هدنة تشحن فيها نفسك وتستعيد خشوعًا قد فقدته طوال العام .”
قال تكة وهو يهز رأسه :-” نعم، ربما بالفعل هناك فارق لا زلنا نجهله.”
هب واقفًا بنشاطه المعتاد وقال :-” أخذتنا الأحاديث ولم أحضر لكم القهوة.”
لم يكمل الجملة حتى اصطدمت كرة كالقذيفة بطاولة قريبة من الباب فقلبتها.
انتفض الحاج عطية ملوحًا بنبوته في غضب عندما رآه مجددًا:-” إن لم ترحل من هنا يا فادي، سأكسر النبوت على رأسك، اذهب وألعب عند دكان أبيك أيها البغيض.”
نظر رشدي للفانوس المنير الذي توسط السقف وتفرعت منه حبال الزينة في منظر بديع، تنهد وقال:-” يبدو أن هذا الفانوس لا زال سيحمل الكثير من الذكريات عبر مختلف الأزمان .”
حكايات ذرية من قهوة الحاج عطية
-سلمى مسعد
اكتشاف المزيد من عوالم من الخيال
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.


