مجزرة بحر البقر

مجزرة بحر البقر

في صباح نادي حزين الطلة حيث مالت خيوط الشمس تظلل حبات الندى المتلألأة على ثمار شجرة الجميز الضخمة أمام البوابة الخشبية الخضراء .. راحت جليلة تقيد الفرن لكي تصنع بعض الخبز الطري بعدما أرهقت يداها المتشققتين في ضرب العجين وهي تقول بلغة باردة كمياه الزير الفخاري الموضوع عن يمينها :

بسم الله عليك متكسفنيش بين الخلق متعرنيش … تقوم ببركة الصلاة على النبي الحبيب، بركة سيرة الحسن والحسين وأهل بيت النبي الشريف .. من شر كل عين وكل نفس حقودة ما تقوم لعدوي قومة، يا عجيني ما أربيك ولا تربيني وبين الناس تبريني أوكل منك أهل بيتي وكل طارق على بابي وكل حبيب من أحبابي.

قالتها ثم ضلت تربط على العجين بكفها الخمري قبل أن تغطيه بقطعة قماشية بيضاء من الشاش .. كلون قلبها الذي لم يعرف يوما كيف يكون الغدر ولا لون الدم ولا كيف يكون فراق الأحباب دون انذار ولا أعذار

مجزرة بحر البقر

صعدت بعدها درجات السلم الطيني نحو سطح المنزل ومن خلفها ابنتها سعاد التي تبلغ من العمر ست سنوات متوجهة نحو كومة من قصب الذرة الجاف والذي تم ربطه مع بعضه البعض في شكل حزم مكدسة

” يا بسم الله الرحمن الرحيم همي يا بت يا سعاد نجيب الوقيد… نخبز رغيفين سخنين قبل ما أبوكي يعاود من الغيط وأخوكي أسم الله عليه من المدرسة، ألا فلاحة الأرض والمذاكرة والعلام ده عايز الغذاء الكويس … وطلعي لنا جبنة من الحاصل وبصل يرم عضمهم”

_ حاضر يا أما بس هو خالد هيرجع أمتى؟

امتنعت جليلة عن الاجابة بعدما تدفق لسمعها أصوات الغربان الناعقة التي أخذت تتراص على عريشة البط أمامها دون مقدمات جعلتها تفزع وهي تمسك بعصا من البوص أمامها راكضة تجاههم وهي تقول:

” يكفينا شر نعيقك وزعيقك … يكفينا شر كل فال ما عليه حسن الاتكال  .. أستر على الغايبين في علم الغيب عندك حاضرين يا رب..أعوذ بالله من الشيطان الرجيم”

مجزرة بحر البقر

راحت الغربان تطير في السماء مبتعدين ….  بينما وقفت جليلة تتطلع للمدرسة الايقونية البعيدة التي تظهر من بعيد كقطعة من الجبن الأبيض وسط الأراضي الزراعية .. تلك المدرسة التي يدرس بها ولدها خالد أو أستاذ خالد كما تحب مناداته

كم تأمل أن تراه  يعمل داخلها حينما يشب عوده ويطيب، حلمها منذ أن ولد … فهو الولد الوحيد بعد أربعة ذكور سبقوه كانوا قد رحلوا لمرض أصابهم ولوعة مزقت قلبها عليهم في تتابع …علمت مع كل منهم ميعاد رحيله كعود أخضر ينبت بين يديها ثم يذبل مع الوقت ويموت، أخطتفهم قدر الموت أمامها … حتى أصبح الناس ينادونها باللي واكله الصبيان

ثم رزقها الله به معافى .. طال عمره وأزاح عنها وجع معايرة نساء القرية لها، نبغ منذ أن كان في السادسة في حفظ كتاب الله ونبغ أيضا في مدرسته وأصبح الأن الأستاذ خالد صاحب العشر سنوات ، ولا أحد يناديه الأستاذ سواها”

_أمايا هي دي مدسة أخويا خالد؟

“أيوه يا ضنايا هي ..خلصوا الطابور وشكلهم دلوقتي في الفصول أهوه.. يا حبة عيني يا ضانيا ربنا يزكي لك مخك.

مجزرة بحر البقر

ضيقت جليلة عينيها وهي تتطلع للذبابة البعيدة التي تأتي مسرعة تجاهها.. تطير فوق سماء دنياها الواسعة الهادئة وتحمل في صوتها شيء من المرارة … عبرت فوق أرض الحج حسين والحج جميل والحج رمضان الجمال في سرعة البرق ثمّ

بوم…

سقوط ..

نيران ..

صرخات..

دمار…

دمار…

دمار…

أكلت النيران كل شيء … هاجت المدرسة البيضاء .. زفرت نيرانها وتطايرات أسوارها البيضاء وفروخها الهشة أحترقت

ما زالت جليلة تتابع النيران المشتعلة في المدرسة من بعيد وانعكاس الحريق في عينيها .. سقط قلبها من ارتفاع وعقلها لم يعد يعمل.. تشبثت بجلابيتها صغيرتها والأخيرة تحركت وراحت تركض تجاه العدم، تلطم وجهها وهي تركض تجاه الأسفل وقعت من فوق السلم ثم قامت .. تركض بلا هوادة

تركض صارخة دون أن تفهم ما النيران ما العدم ما الذي اختطف خالد… راحت تركض في شوارع البلدة الهائجة المائجة بسكانها ونسائها الراكضين في اتجاه واحد.. نحو مدرسة بحر البقر

” يلاهوي ..يا لاهوي ..يا لهوييي…ابني ابني ..يا ضنايا يا ضنايا…يا خالد يا خالد” لاهثة بأنفاس مقطوعة وأقدام حافية تنغمس في تراب القرية البارد .. تجري كما يجري الجميع رجال ونساء وأطفال وعجائز الجميع يركضون صارخين نحو الحريق… والصغيرة من خلفها تنشج منادية عليها لا تكاد تفهم مما يحدث شيء..

مجزرة بحر البقر

دخان كثيف عبأ الجو ومن بعيد تأكل النيران الزرع… تطايرت الأسوار والمبنى أصبح في خبر كان وأسفل الردم جثث لأرواح لم تدرك ما وقع لها للتو ولم تعش لتعلم من دناسة الدنيا مزيد

شجّت عبائتها وهي تصرخ وسط بقية النساء المتأوهين ” يا خااااالد… يا خاااالد” لم يجيبها خالد لا في يومها ولا الى وقتنا هذا ..

الجميع يبحث عن بقايا… أسفل الرم.. نبشت الرم بيدها.. حملت ترابه الساخن ووضعته فوق رأسها صارخة .. زاعقة ..النجدة لا أجد قلبي.

من بعيد لمحت فردة حذاء بيضاء .. تعرفها جيدا ..وكيف لا وقد اشترتها يوم الجمعة الماضية من السوق له.. لم يهنأ بها… ضمتها الى صدرها تقول:

” جزمتك أهي يا ضنايا … أومال أنت فين؟”

مجزرة بحر البقر

خرجت النعوش تجاور بعضها البعض، تتابعها صرخات أمهات ملكومات يتوشحن السواد أو يتوشحهن السواد ..تشم رائحة احتراق قلوبهن من بعيد، وضعت أزهار الربيع في حفر عميقة، وصلوا على ما عثر منهم ثم أنقضى كل شيء وخيم الليل على قرية بحر البقر الى الأن …

مات خالد ولحق بأخوته الأربعة ليكون الخامس وبقى قلب جليلة تملأه مرارة الحرب ومرارة الفقد وصورة حذاء ابنها المطلخ بالدماء

مجزرة بحر البقر في قرية بحر البقر هو هجوم شنته القوات الجوية الإسرائيلية في صباح الثامن من أبريل عام 1970 م، حيث قصفت طائرات من طراز فانتوم التابعة لجيش الكيان الاسرائيلي مدرسة بحر البقر المشتركة في قرية بحر البقر بمركز الحسينية بمحافظة الشرقية في مصر بخمسة قنابل تزن الواحدة منها 1000رطل وصاروخين ، أدى الهجوم إلى مقتل 30 طفلاً وإصابة 50 آخرين وتدمير مبنى المدرسة المكون من ثلاثة فصول وطابق واحد تماماً. وتستمر جرائم الاحتلال.

بقلم/أمنة محمد

تابع حكايات الخاطبة أم سعيد من هنا

للمزيد من القصص والمقالات


عوالم من الخيال


اكتشاف المزيد من عوالم من الخيال

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

تعليق واحد

اترك رد