حكايات ذرية من قهوة الحاج عطية|الجزء4|

حكايات ذرية من قهوة الحاج عطية

تحتوي السطور التالية على أحداث حقيقية.

المشهد الأول:- الجار الجديد

حكايات ذرية من قهوة الحاج عطية

كانت ليلة من التي اعتاد الأصدقاء الإجتماع بها في مقهى الحاج عطية يتبادلون أطراف الحديث عن مشاغل الحياة وأحداث الأسبوع الماضي عندما لاحظوا دخول رجل نحيف واسع العينين بملابس غير مهندمة وكأنه استعجل في ارتدائها.
مال رشدي على تكة، وهمس له في أذنه بينما يضع تكة المشروبات على الطاولة
:- “من هو ذلك الرجل؟ هذه هي المرة الأولى التي أراه فيها هنا.”
ليجيبه تكة بابتسامة بسيطة:-” هذا هو الأستاذ عبد الرحمن، الساكن الجديد في البناية الثالثة على اليمين… لقد سكن منذ شهرين لكنه قليل الإختلاط بالبشر، ولم يأتي إلى المقهى سوى مرة واحده من قبل.”
رفع الرجل يده بشكل عصبي متوتر ليشير إلى تكة وهو يقول:-” لو سمحت هل يمكن أن تحضر لي فنجانًا من القهوة.”
رفع الرجال الثلاثة أعينهم إليه ومعهم تكة الذي سارع لكي يسأله أي نوع قهوة يريد قبل أن يذهب لإعدادها.
استغرب الأصدقاء قليلاً من حركاته المتوترة والعصبية، كاهتزازة قدمه التي لم تتوقف منذ أن دخل إلى المقهى؛ لكنهم قرروا تجاهله لبعض الوقت فهم في النهاية لا يعيرون كل زوار المقهى كثيراً من الإهتمام.
أتى الحاج عطية بعد ذلك بقليل إلى المقهى وجلس على كرسيه المعتاد وسرعان ما قام إليه عبد الرحمن ليصافحه و يسأله عن إذا ما كان يعرف أحدًا يريد أن يستأجر أو يشتري شقة في هذا الشارع.
سأله الحاج عطية -:”وعن أي شقة تتكلم؟!”
ليجيبه الرجل وهو يفرك عينيه المتعبة بتوتر :-” أتحدث عن شقتي.”
تعجب الحاج عطية كثيراً من طلبه؛ لأنه حديث عهد بسُكنة شارعهم، فلما يريد الرحيل ؟!
فسأله بريبة:-” ولمَ تريد أن تتركها وتترك الشارع بتلك السرعة، هل ضايقك أحد من الجيران؟….. قل لي يا ولدي عن مشكلتك وسوف أعينك عليها بإذن الله. ”
تنهد الرجل بعمق:-” وقال الأمر غير معقول البتة، هناك أمور جنونية تحدث في هذه الشقه منذ أن سكنتها أنا وعائلتي. ”
كان الثلاثة رجال منتبهين للحوار؛ لكنهم لم يتدخلوا إطلاقا لعدم إحراج عبد الرحمن.
فقام الحاج عطية بتهدئته وأجلسه على طاولة قريبة من طاولة الرجال الثلاثة، وطلب منه أن يقص عليه ما يجري تحديداً من أمور عجيبة في شقته.

حكايات ذرية من قهوة الحاج عطية

حكايات ذرية من قهوة الحاج عطية

المشهد الثاني:-لا تنم هناك أبدًا.

حكايات ذرية من قهوة الحاج عطية

أنزل تكة كوب ماء للرجل، فشربه دفعة واحدة ثم قال للحاج عطية بحرج:-” هل أزعجك؟!”
فنفى الحاج عطية وحثه على الحديث بنبرة قلقة.
تنحنح عبد الرحمن وقال:-“أظن أن الشقة مسكونة.”
فقال له الحاج ساخرًا ليلطف الأجواء:-” يا رجل، أهذا هو السبب؟! ”
فقال الرجل مبررًا :-” يا حاج، استمع إليَّ، أنا وعائلتي لا نستطيع النوم منذ مدة…”
ابتلع لعابه ثم أردف:-” هناك من يراقبنا، ويضيق علينا الخناق ويرهبنا وقت الليل.”
تدخل رشدي في الحوار بلطافة:-” وهل رأيت شيئًا، يا صديقي؟!”
نظر له بريبة ثم قال واضعًا يده على صدره:-“أشعر به كل ليلة يسلبني أنفاسي، جاثمًا فوق صدري يشلني عن الحركة.”
انضم شكري للحوار قائلًا:-” إذًا هو جاثوم يؤرق نومك.”
هنا التف أباظة بكرسيه وبدأ ينصت باهتمام لرواية الرجل.
قال عبد الرحمن:-” لم يحدث الأمر معي فقط بل حدث مع كل من في البيت تقريبًا.”
لاحظ أن زبائن المقهى ينظرون له فخفض صوته قائلًا:-” قامت ابنتاي من النوم مفزوعتين، إحداهما كانت الوسادة على ظهرها كالجبل الراسخ، صرخت استنجادًا بأختها مرارًا بصوت مكتوم، حاولت أختها زحزحة الوسادة القطنية بلا فائدة، كأنها حجر أمية، بعد دقائق استطاعتا تحريكها بأعجوبة، وظل ظهر ابنتي يؤلمها لأيام.”
نظر الرجال الثلاثة لبعضهم البعض في حيرة.
فأكمل الرجل:-” وأنا أشعر دائمًا أن هناك من يتعقبني، أشعر به خلفي، خصوصًا عندما أسير في الطرقة الصغيرة بين غرفتي والمطبخ.”
قال شكري :-” هل تشغل القرآن ليلًا ؟ لعل تلك الأشياء تنصرف.”
حرك عبد الرحمن رأسه قائلًا؛-” نعم نفعل، لكن مؤخرًا نتفاجىء بمن يطفئه ونحن نائمون…ونغرق جميعًا في الكوابيس من بعدها.”

حكايات ذرية من قهوة الحاج عطية

حكايات ذرية من قهوة الحاج عطية

المشهد الثالث:- وهم أم حقيقة؟

حكايات ذرية من قهوة الحاج عطية

ضبط أباظة نظارته وهو يقول بجدية:-” انظر…في الواقع أرى أن لا داعي لبيع شقتك، لأن هناك تفسير علمي لهذا.”
قطب الرجل حاجبيه قائلًا:-” كيف يكون هذا الجنون علميًا؟ يا سيدي، أقول لك شلت حركتي أنا وزوجتي ورأينا كائنًا يخرج من خلف الستار ويقفز فوق صدورنا ونحن نائمين،فقدنا القدرة حتى على الكلام لنقرأ القرآن، وكان يبتسم! كأنه يتحدانا أو يسخر منَّا.”
وضع أباظة فنجان القهوة على الطاولة الحديدية، ثم قال مفسرًا.:-” هذا يسمى بشلل النوم، وهو اضطراب في النوم يصنف ضمن فئة الباراسومنيا ،خلال نومك تدخل في فترة حركة العين السريعةREM، والتي تهيئك جسديًا لاستقبال الأحلام، عن طريق شل حركة عضلاتك لعدم تمثيل الحلم جسديًا(ارتخاء العضلات Atonia) ، ثم يحدث نشاط دماغي مكثف يدخلك في أجواء الحلم .”
قال الرجل بتوتر:-” لكن هذا ليس بحلم، لقد كنت مستيقظًا.”
فأردف أباظة قائلًا:-” على رسلك يا سيدي الفاضل، سأوضح لك، المشكلة ليست دخول الحلم المشكلة هي الخروج منه.”
قال الحاج عطية وهو يدخن انفاسًا من شيشته:-” بالطبع دخول الحمام، ليس كالخروج منه.”
فقال أباظة:-” أثناء شلل النوم يحدث خلل في التوقيتات، فيستيقظ العقل ويصبح في كامل وعيه، بينما يظل الجسد في حالة ركود الموتة الصغرى، مما يخلق تناقض مرعبًا بالنسبة لعقولنا ووظائفها.”
قال تكة متدخلًا وهو يضع الدورة الثانية من القهوة:-” فيدخلك في أحداث الأحلام مجددًا؟”
ليرد أباظة:-” يظن العقل أنه لازال يحلم، فيلجأ لإدخالك في كابوس مرعب ليفسر هذا الخلل ثم يقوم بإيقاظك منه.”

حكايات ذرية من قهوة الحاج عطية 
حك رشدي لحيته بعدم اقتناع كامل، ثم أشار نحو عبد الرحمن وقال لأباظة :-” لكنه رأى وشعر بكيانات غريبة.”
فقال أباظة:-” هذه الحالة مرتبطة بظاهرتين مهمتين، أولهما هي الشعور بوجود دخيل( intruder) وهذا تفسير منطقي بالمناسبة لأن هذا مسكن جديد لهم، لذا لم يترسخ لديهم بعد الشعور بالأمان، وهذا قد يمتد من مجرد احساس لرؤية أو سماع هلاوس.”
سأل شكري متعجبًا:-” لكن مواصفات الكائن المخيف لدى الجميع متقاربة للغاية، كيف تكون الرواية مكذوبة ، أهو حالة وهم جماعي؟!”
فقال أباظة :-” ليس بالضبط، بل صورته متشابهة لدى أغلب العرب لأن ثقافتنا مرتبطة بوجود الجن، لكن إن نظرنا لدى بعض شعوب أسيا فإنهم يرون امرأة بشعر أسود طويل، وفيه أفريقيا هناك أسطورة بوبوباوا وهو كائن يشبه الخفافيش، وهكذا..وكلها مرتبطة بظاهرة الضغط على الصدر incubus وصعوبة التنفس”
قال الحاج عطية محللًا:-“كل يراه حسب مخاوفه إذًا.”
أومأ أباظة بالموافقة، بينما سأل عبد الرحمن:-” والظاهرة الثانية؟”
فأكمل أباظة ما كان يقوله:-” هلوسات الحركة (Vestibular-Motor)، مثل الإحساس بالسقوط من السرير، أو الطيران خارج الجسد، أو رؤية نسخة من الذات (شبيه) واقفة تنظر إلى الجسد الراقد. هذه الهلوسات تشبه إلى حد كبير تجارب “الخروج من الجسد”(الإسقاط النجمي)”
قال عبد الرحمن بتوتر :-” ومحطة القرآن التي تتغير؟!”
سأل أباظة:-” أتشغله على المذياع أم التلفاز؟”
-“المذياع.”
-” إذًا فقد وضحت الرؤية، أي تيار هواء يمكن أن يعبث بالمذياع مع تغير الإشارات و الترددات.”
قال عبد الرحمن بضيق:-” كان يمكن أن أصدق هذا لكنني أراه في كل ركن في المنزل، أراه في أحلامي يطاردني، يستهزئ بي، هناك من يهمس لي بأن أغادر المنزل.”
سقط أباظة في حيرة من أمره، فأكمل الحوار عنه شكري قائلًا :-” التفسير الأخر يدعي أنه من الجن، لكن الجاثوم شيطان ضعيف، التزم بأذكار النوم ونفض الفراش.”
قال عبد الرحمن بعدم اقتناع:-“أظن أن الأمر أكبر من ذلك.”
فقال الحاج عطية:-” ربما أذيت عمار البيت بغير قصد.”
فقال عبد الرحمن بيأس :-” أيًا ما يكن، لقد نويت المغادرة.”
قال رشدي:-” هل لديك منزل بديل؟!”
-“نعم، لقد استأجرت شقة أخرى.”
فقال رشدي بحماسة :-” سأستأجر منك شقتك المسكونة.”
نظر له الجميع باستغراب، فقال :-” لدي من يمكنه أن يحسم لنا هذا الجدل.”
فقال أباظة :-” لا تقل دجال .”
لينفي رشدي بسرعة :-” لا ، بل صحفي جديد في الجريدة، يدعى علي الصاوي، لديه مدونة رقمية عن الخوارق، يعشق توريط نفسه في هذه الأمور، سأرسله لك يا عبد الرحمن- إن سمحت- ليحقق في الأمر.”
وافق عبد الرحمن بلا اكتراث ، ثم قام بهدوء عازمًا الرحيل، شكر الرجال وتبادل أرقام الهواتف مع محمود رشدي، وانصرف .
لكن القصة لم تنتهي بعد
ما زالوا ينتظرون ما سيؤول إليه الأمر.
(تابعوا تحقيقات علي الصاوي خلال الفترة القادمة)
سلمى مسعد

للمزيد من القصص والمقالات


عوالم من الخيال

 

 

 


اكتشاف المزيد من عوالم من الخيال

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

اترك رد