توأم من نار

توأم من نار

توأم من نار سؤال لم يكن يجب أن يُسأل

سمعت الأم كلام شذى عن الحلم وهي واقفة خلف الباب، فجرت ناحيتهم بسرعة، لكن قبل ما تشوف انعكاس شهد في المراية دخلت الأوضة بتوتر واضح.

إيديها كانت بتتفرك في بعض بعصبية، وأنفاسها سريعة كأنها جريت مسافة طويلة.

شهد وشذى بصوا لهاباستغراب.

شذى:

في إيه يا ماما؟ مالك بتفركي في إيدك كده ليه؟

الأم حاولت تبتسم، لكن الابتسامة كانت باهتة ومهزوزة.

الأم:

إيه؟ لا مفيش حاجة بس سمعت صوتكم عالي شوية فقلت أدخل أطمن عليكم.

شهد كانت بتراقبها كويس، وعينيها ضاقت شوية كأنها حاسة إن في حاجة مستخبية ورا الكلام.

شهد:

إحنا كويسين يا ماما بس انتي شكلك متوترة.

الأم هزت راسها بسرعة وكأنها عايزة تقفل الموضوع.

الأم:

لا خالص أنا بس يمكن اتخضيت شوية.

سكتت لحظة وبصت للمراية بسرعة، وبعدين حولت نظرها بعيد كأنها خايفة تشوف حاجة فيها وبعدها لفت عشان تمشي لكن قبل ما تخرج من الأوضة وقفها سؤال شهد.

شهد:

صح يا ماما؟

الأم وقفت مكانها ببطء.

شهد كملت وهي بتبص لها بجدية:

انتي دايمًا بتقوليلنا إن بابا مسافر من وإحنا صغيرين…

إحنا آه بنسمع صوته وبنكلمه بس عمرنا ما شفناه ولا مرة.

شذى كملت بهدوء لكن بفضول واضح:

شذى:

هو هيرجع إمتى يا ماما؟

الأم اتجمدت مكانها لحظة، كأن السؤال ضرب حاجة جواها فجأة.

وبعدين اتعصبت بعصبية مفاجئة ومن غير سبب واضح.

الأم بصوت عالي شوية:

إيه الأسئلة دي دلوقتي؟!

إيه اللي ناقصكم؟ كل اللي محتاجينه بيجيلكم!

ناقصكم إيه يعني؟ ولا أنا مش كفاية ليكم؟!

الصوت العالي خلّى الجو يتوتر فجأة شهد وشذى بصوا لبعض بسرعة كل مرة كانوا بيسألوا نفس السؤال وكانت الأم ترد بنفس الطريقة وكانوا هم يجروا عليها يحضنوها ويتأسفوا  ويغيروا الموضوع لكن المرة دي كانت مختلفة.

المرة دي في حاجة لازم تتفهم الأوضة فضلت ساكتة لحظات الأم كانت واقفة مستنية إنهم يجروا عليها كعادتهم لكنهم ما اتحركوش.

شهد وشذى كانوا واقفين مكانهم ونظراتهم ثابتة عليها.

نظرات مليانة أسئلة وقلق وإصرار الأم لاحظت ده فورًا.

وحاجة في عيونهم ما طمنتهاش أبدًا.

بلعتها ريقها بتوتر وإيديها رجعت تتفرك في بعض من غير ما تحس وفي اللحظة دي نظرتها وقعت غصب عنها على المراية اللي في الأوضة وتجمدت ملامحها للحظة.

كأنها خافت تشوف حاجة فيها اقتربت خطوة ببطء، كأنها بتحاول تتأكد إن كل حاجة طبيعية لكن قلبها كان بيدق بعنف شهد لاحظت التوتر ده.

شهد:

في إيه يا ماما؟ بتبصي للمراية كده ليه؟

الأم انتفضت كأنها اتفاجئت بصوتها.

الأم بسرعة:

مفيش مفيش حاجة.

لكن شذى كانت حاسة إن في حاجة أكبر من مجرد توتر.

شذى:

ماما هو في حاجة مخبياها عننا؟

الأم سكتت الصمت امتد لثواني طويلة لدرجة إن صوت عقارب الساعة في الصالة بقى مسموع الأم بصت للبنات… وبعدين بصت للمراية تاني وفي اللحظة دي شهد لاحظت حاجة غريبة الستارة جنب المراية اتحركت حركة خفيفة… رغم إن الشباك مقفول.

شهد همست:

شذى انتي شفتي؟

شذى:

إيه؟

شهد:

الستارة اتحركت.

الأم بصتلهم بسرعة بعينين مليانة خوف.

الأم:

اقفلوا الموضوع ده.

شهد استغربت:

موضوع إيه؟

الأم بصوت متوتر:

المرايات.

الصمت رجع تاني.

شذى ضيقت عينيها.

شذى:

انتي تقصدي إيه؟

الأم اتكلمت بسرعة كأنها ندمت إنها قالت الكلمة.

الأم:

ولا حاجة أنا قصدي…

لكن كلامها وقف فجأة لأن في اللحظة دي اتسمع صوت خفيف صوت طقطقة جاي من ناحية المراية الكل بص ناحيتها في نفس اللحظة.

شذى همست:

سمعتوا؟

شهد قربت خطوة المرايا كانت شكلها عادي لكن لو ركزت كويس كان في خط رفيع جدًا ظاهر في الزجاج.

شهد:

المراية دي كانت فيها شرخ قبل كده؟

الأم فجأة صرخت:

متقربوش!

صوتها كان عالي بطريقة مخيفة شهد وشذى بصوا لها بصدمة.

شهد:

ليه؟

الأم كانت بتتنفس بسرعة.

الأم:

عشان عشان ممكن تتكسر.

لكن شذى ما اقتنعتش.

شذى:

المراية دي بقالها سنين هنا عمرها ما اتكسرت.

الأم بصت لها نظرة غريبة.

نظرة فيها خوف وذكريات قديمة.

الأم بصوت واطي:

كل حاجة ليها وقت.

شهد عقدت حواجبها.

شهد:

يعني إيه؟

الأم ما ردتش.

فضلت باصة للمراية.

وفي اللحظة دي حصلت حاجة خلت الدم يتجمد في عروقهم انعكاسهم في المراية اتحرك لكنهم هما كانوا واقفين مكانهم شذى همست بخوف:

شهد…

شهد بصت للمراية انعكاسها كان واقف لكن عينيه اتحركت ناحية شذى شهد شهقت:

ده ده مستحيل.

الأم غمضت عينيها بقوة كأنها كانت متوقعة اللحظة دي من سنين الأم همست لنفسها:

لا  بدري.

لكن الانعكاس اتحرك تاني المرّة دي الانعكاس التالت ظهر.

واقفة وراهم بنت نفس ملامحهم لكن عينيها…

كانت حمرا شذى رجعت خطوة للخلف.

شذى:

مين دي؟!

شهد بصوت مرتعش:

هي… هي رجعت.

شذى بصتلها بسرعة.

شذى:

رجعت؟!

الأم فتحت عينيها ببطء وكان واضح إنها خلاص عرفت إن السر اللي دفنته سنين طلع للنور.

الأم همست:

الأم:

واضح إن الوقت جه.

شهد:

وقت إيه؟

الأم بصتلهم  وعينيها مليانة حزن وخوف.

الأم:

تعرفوا الحقيقة.

شذى قلبها دق بسرعة.

شذى:

حقيقة إيه؟

الأم بصت للمراية حيث البنت التالتة كانت لسه واقفة… وبتبتسم ابتسامة بطيئة.

الأم قالت بصوت منخفض:

الحقيقة إن أبوكم مش مسافر.

الصمت انفجر في الأوضة.

شهد همست:

أمال فين؟

الأم ردت… وعينيها لسه على المراية:

محبوس.

شذى:

محبوس؟!

شهد:

فين؟!

الأم أخدت نفس عميق وقالت الكلمة اللي غيرت كل حاجة:

توأم من نار سر المراية

شهد استغربت وبصت لمامتها بصدمة.

شهد:

ورا المراية؟! ازاي يا ماما؟

الأم بصت لهم لحظة طويلة، كأنها بتجمع شجاعة من جوّاها. بعدين مدت إيديها ومسكت إيدي شهد وشذى بإحكام، وإيديها كانت بترتعش.

الأم:

تعالوا تعالوا أقعدوا جنبي  لازم أحكيلكم شوية عن حياتي يمكن ساعتها تفهموا كل حاجة.

قعدوا التلاتة على طرف السرير، والمراية قدامهم ساكتة… لكن وجودها كان تقيل في الأوضة، كأنها سامعة كل كلمة.

الأم أخدت نفس طويل، وبصت بعيد شوية كأنها بترجع بذاكرتها سنين طويلة لورا.

الأم:

أنا طول عمري كنت وحيدة… ماليش صحاب… ولا حد قريب مني. كنت دايمًا مكتئبة… بحب القعدة لوحدي… أقفل على نفسي الأوضة بالساعات.

شهد وشذى بصوا لبعض، لأنهم عمرهم ما سمعوا الكلام ده قبل كده.

الأم كملت بهدوء:

الأم:

كنت دايمًا بهتم بجمالي… وأقف قدام المرايات بالساعات… زي أي بنت بتحب تبص لنفسها.

شذى ابتسمت بخفة:

شذى:

يعني زيي كده؟

شهد ضحكت.

شهد:

أنتِ تقعدي قدام المراية نص يوم.

الأم ضحكت معاهم للحظة، والضحكة رجعت شوية دفء للأوضة.

لكن الضحك بدأ يهدى… لما رجعت ملامحها تبقى جدية تاني.

الأم:

بس في يوم حصلت حاجة غيرت حياتي كلها.

شهد مالت للأمام باهتمام.

شهد:

إيه اللي حصل؟

الأم بصت للمراية للحظة، وكأنها بتتأكد إنها لسه في مكانها.

الأم:

كنت واقفة قدام المراية… زي العادة… وببص لنفسي.

سكتت لحظة.

الأم:

فجأة  المراية اتهزت شذى عقدت حواجبها.

شذى:

اتهزت؟ لوحدها؟

الأم هزت راسها ببطء.

الأم:

آه  اتهزت جامد  كأن حد خبطها من الناحية التانية.

شهد همست:

شهد:

من الناحية التانية؟

الأم:

خفت جدًا لدرجة إني صرخت وبعدها أغمى عليّ.

الصمت نزل على الأوضة لحظة.

الأم كملت:

الأم:

لما فوقت  كنت لوحدي.

شذى:

والمراية؟

الأم:

كانت عادية  كأن مفيش حاجة حصلت.

شهد:

طب قلتي لحد؟

الأم:

لا… خفت يقولوا إني بتوهم.

سكتت لحظة وبعدين كملت.

الأم:

بعدها بفترة… سيبت المكان كله… ونقلت.

شذى:

ليه؟

الأم:

لأن الموقف ده فضل ملازمني… كل ما أبص في مراية أحس إن في حد بيبصلي.

شهد بلعت ريقها.

شهد:

ده مخيف.

الأم بصتلها بنظرة عميقة.

الأم:

لسه المخيف ما جاش.

شذى ضحكت بخفة عشان تكسر التوتر.

شذى:

واضح إن القصة دي فيلم رعب كامل.

شهد ضحكت.

شهد:

آه والله.

الأم ابتسمت ابتسامة خفيفة… لكن عينيها ما كانتش بتضحك.

الأم:

وفي مرة… كنت ماشية في الشارع… سرحانة.

سكتت لحظة.

الأم:

وفجأة… ظهر قدامي شاب.

شهد رفعت حاجبها.

شهد:

شاب؟

الأم ابتسمت ابتسامة باهتة.

الأم:

كان في منتهى الجمال… جمال مش طبيعي… حضوره قوي… كاريزما طاغية.

شذى ضحكت.

شذى:

يعني وسيم جدًا؟

الأم:

أكتر مما تتخيلي.

شهد وشذى بصوا لبعض وضحكوا.

شهد:

واضح إن ماما وقعت في الحب بسرعة.

الأم ابتسمت للحظة.

الأم:

خطف قلبي فعلًا.

الصمت رجع تاني… لأنهم حسوا إن اللي جاي مش بسيط.

الأم كملت:

الأم:

اتعرفنا… وبدأ يظهر في حياتي كتير.

شذى:

كان بيشتغل إيه؟

الأم هزت راسها.

الأم:

ماكنتش أعرف عنه كتير… بس كان دايمًا موجود.

شهد:

يعني؟

الأم:

كل ما أكون حزينة… يظهر.

شذى:

غريبة شوية.

الأم:

كنت حكيتله إني وحيدة… ومالييش حد.

شهد:

وقالك إيه؟

الأم:

فضل جنبي… وساعدني أطلع من الاكتئاب.

شذى ابتسمت.

شذى:

ده شكله كان بيحبك بجد.

الأم بصت لها لحظة طويلة.

الأم:

آه… كان بيحبني.

سكتت لحظة.

الأم:

وفي يوم… طلب مني أتجوزه.

شهد شهقت بخفة.

شهد:

بسرعة كده؟

الأم:

أنا وافقت.

شذى:

ليه؟

الأم:

لأني كنت بحبه… وماكنش عندي حد غيره.

لكن فجأة تغيرت ملامح الأم الدفء اللي في صوتها اختفى.

الأم بصوت منخفض:

الأم:

بس يومها… حصلت حاجة.

شهد:

إيه؟

الأم بلعت ريقها.

الأم:

كنا واقفين بنتكلم وفجأة وشه اتغير.

الصمت بقى تقيل.

شذى همست:

شذى:

اتغير ازاي؟

الأم:

بقى فيه دخان أسود  طالع من وشه.

شهد اتسمرت مكانها.

شهد:

دخان؟!

الأم:

وبعدها…

اختفى.

شذى شهقت.

شذى:

اختفى؟!

الأم هزت راسها ببطء.

الأم:

قدامي.

الصمت ملأ الأوضة.

الأم كملت بصوت متعب:

الأم:

دخلت في حالة انهيار… فضلت أصرخ.

شهد همست:

شهد:

يا نهار أبيض.

الأم:

جارتي سمعت صريخي… وجت تجري.

شذى:

وبعدين؟

الأم:

هي وجوزها كسروا باب الشقة.

شهد:

و؟

الأم:

لقوني لوحدي… بهذي.

سكتت لحظة.

الأم:

دخلت مستشفيات كتير… واتنقلت بينهم.

شذى:

ليه؟

الأم:

لأن مفيش سبب واضح لحالتي.

شهد بصت لها بحزن.

شهد:

أكيد كان صعب.

الأم:

كان جحيم.

سكتت لحظة… وبعدين كملت.

الأم:

لحد ما في يوم… جالي في المستشفى.

شذى:

مين؟

الأم:

هو.

شهد همست:

شهد:

الشاب؟

الأم:

آه.

شذى:

بس… ازاي؟

الأم:

ماعرفش.

الصمت رجع.

الأم كملت بصوت واطي:

الأم:

وقالي كلام عمري ما أنساه.

شهد:

إيه؟

الأم:

قالي إن اللي حصل بينا… غضب عليه قومه.

شذى عقدت حواجبها.

شذى:

قومه؟

الأم همست:

الأم:

لأنه… جن.

شهد شهقت.

شهد:

جن؟!

الأم هزت راسها.

الأم:

آه.

شذى بصوت مرتعش:

شذى:

وكان عايز يتجوزك؟

الأم:

آه.

سكتت لحظة.

الأم:

وقالهم إنه هيتجرد من نسله… عشان يعيش مع إنسية.

شهد بصت لها بصدمة.

شهد:

يعني… انتي؟

الأم:

أنا.

الصمت بقى ثقيل جدًا.

الأم كملت بصوت مكسور:

الأم:

وأنا… كنت خلاص حبيته.

سكتت.

والدموع بدأت تنزل من عينيها.

الأم:

ماكنتش أعرف إنه جن.

شهد وشذى كانوا ساكتين تمامًا.

الأم حاولت تكمل لكن صوتها اتكسر دموعها نزلت بحسرة.

وماقدرتش تكمل.

تابع الجزء الأول من توأم من نار من هنا

 

للمزيد من القصص والمقالات


عوالم من الخيال


اكتشاف المزيد من عوالم من الخيال

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

اترك رد