أحبني فلسطيني

أحبني فلسطيني

أحبني فلسطيني : على حافة التحدي

“إنتِ شو عاملة ؟”

قالها بنبرة هادية، لكن عيونه كان فيها فضول واضح، كأنه بيحاول يفهمها قبل ما يسمع ردها.

بصّت له باستغراب ممزوج بالغضب، حاجبها مرفوع وشفايفها مشدودة:

“إنت جيت هنا إزاي؟ وإزاي وصلت أصلاً؟ وإنت مين؟!”

كان واقف بثبات، كأن كل أسئلتها دي متوقعة بالنسبة له، ورد بهدوء مستفز شوية:

“لكِ اهدي شوي شوي، شو بدك أجاوب على كل هالأسئلة؟”

ضاقت عينيها أكتر، وصوتها علي شوية من غير ما تحس:

“لما تيجي منطقة زي دي، وإحنا أصلاً مش عارفين نوصل لها حتى بالاتصال، وألاقيك واقف فوق دماغي كده!”

سكتت لحظات، وبدأت أفكارها تتلخبط جواها… التوتر، الغضب، والفضول.

وكانت اللحظة دي كفيلة تولّد فكرة في دماغها… فكرة وليدة اللحظة، فقامت بسرعة وكأنها لقت حل يخلّصها منه.

“بقولك إيه، طالما إنت جيت… هاتلي الطلبات دي.”

ولسه بتديله الورقة، وقّفها بكلامه، صوته فيه ابتسامة خفيفة:

“ايه، حيلِك حيلِك…”

ورفع حاجبه كأنه هيرد لها الموقف بنفس الأسلوب، بس قال بنبرة أهدى، فيها تعريف أكتر منه رد:

“فهد… اسمي فهد. صحفي، يعني بعرف كل شبر هون، وبوصل بطريقتي اللي ما حدا بيعرفها…”

وبص لها بنظرة غامضة، طويلة شوية، كأنه بيتعمد يسيب أثر:

“يعني متلي متلك.”

لحظة صمت عدّت بينهم، مش صمت عادي… صمت مليان تحدي.

“وبعرف أتكلم مصري كمان يا مصرية.”

قالها بابتسامة خفيفة فيها ثقة زايدة، كأنه بيستفزها قصداً.

وقفوا قصاد بعض بنظرات تحدي، كل واحد فيهم ثابت مكانه، وكأن في حرب صامتة بينهم… الكلام وقف، لكن العيون كانت بتتكلم أكتر من أي حوار.

هي كانت رافضة تبين أي ضعف، وهو كان واضح إنه مستمتع بالمواجهة.

قطع حرب النظرات صوت جاي من وراهم:

“دكتورة فداء، أهلاً… حمدلله على سلامتك.”

ردت عليه فداء ومشالتش نظرها من على فهد، كأنها رافضة تخرج من التحدي:

“إزيك دكتور خالد، أنا بخير.”

وقف دكتور خالد محتار بين نظراتهم، عينيه بتتنقل من واحد للتاني، حاس إن في حاجة مش مفهومة، وقرر يقطع الصمت التقيل ده:

“أهلين فهد، اتعرفت على الدكتورة؟ دي أشطر دكتورة جراحة هنا في المعبر.”

سرح فهد في اسمها لحظة، وكأنه بيدون حروفه جواه… فداء، اسم غريب عليه، بس علق في دماغه بسرعة.

وقال بتحدي أكبر، وصوته فيه معنى خفي أكتر من الكلام:

“آه، اتعرفنا… ورحّبت بيها.”

وبصلها بغمزة سريعة، مستفزة وواثقة:

“دي ضيفتنا برضو… ولا إيه؟ فظيع في المصري مش كدا؟”

وسابهم ومشي، خطواته هادية لكن حضوره لسه مالي المكان.

وهي فضلت تبصله بنرفزة، صدرها بيعلى ويهبط من الغيظ…

وجوده كسر هدوءها، عنادها، وحتى البرود اللي كانت متعودة تحتمي بيه.

ولأول مرة من وقت طويل… حد قدر يستفزها بالشكل ده.

أحبني فلسطيني: بين الاسم والقدر

مشي وهو سارح، خطواته بطيئة كأن عقله لسه واقف عندها.

مد إيده في جيبه، طلع ورقة وقلم، وبص قدامه لحظة قبل ما يبدأ يكتب وكأنه بيهرب من نفسه بالكلام.

كتب:

فِداء… ليس اسمًا غريبًا،

لكن إحساسي يتوّجكِ به كأنكِ المعنى كله.

أنتِ فدائي… وعروبتي جراحٌ

لكل موجوعٍ تُداويه، ولكل قلبٍ تُحييه.

أنتِ مثل الدنيا…

عنيدة، متجددة، وأحيانًا مغرورة،

لكنني لستُ من السهل كسره،

ولا من يُهزم أمام العيون.

أجيئكِ ثابتًا…

كأنني وعدٌ لا يخون،

وأحبكِ رغم كل شيء

كأن الحب قدرٌ… لا يكون إلا بكِ

وقف لحظة بعد آخر كلمة، عينه ثابتة على الورقة، وكأنه مش مصدق اللي كتبه… أو يمكن مش مصدق إحساسه نفسه.

اغلق دفترته وتنهد… تنهيدة طويلة، طالعة من جوه قلبه قبل صدره.

فجأة سمع صوت جاي من وراه:

“إيه يا عم التنهيدة دي؟”

لف وبصله، وقبل ما يرد، لقى نفسه متسحب لحضن دافي:

بصله وحضنه

أبو حميد “كيفك يا راجل؟”

ابتسم فهد ابتسامة خفيفة، بس عينيه لسه شايلة نفس الشرود.

قطع كلامه وهو بيبعد عنه شوية:

“ما توهنيش، بس قولي إيه التنهيدة والسرحان دي؟ أنا بنادي عليك من ساعة.”

رد فهد عليه بثقل، وهو بيعدّي إيده على وشه:

“والله يا أحمد… مش عارف، بس ده نفس كان محبوس واتفرج عنه.”

بصله أحمد بنظرة فيها خبث خفيف، كأنه فاهم أكتر من فهد:

“آه يا ابن اللعيبة… شكلها كده قصة.”

فهد هز راسه بنفي، بس ابتسامة صغيرة خانته:

“ولا قصة ولا حاجة…”

أحمد ضحك وربت على كتفه وفهد بهروب واضح

“يلا تعالى بس طمني عليك… وعلى أهلنا في مصر. شايفك واخد الطريق رايح جاي، فسحة ولا إيه؟”

ضحكوا الاتنين، والجو خف بينهم، لكن جوا فهد كان لسه في حاجة بتتكوّن… حاجة جديدة عليه.

ومشيوا على بيت فهد، خطواتهم جنب بعض،

فأحمد مش بس صاحبه… ده ابن عمته،

عمته اللي اتجوزت من راجل مصري، واستقرت معاه في مصر،

فكان الرابط بينهم مش دم بس… كان حكايتين متشابكين بين بلدين وقلب واحد.

وفهد… لأول مرة، حس إن الطريق اللي ماشي فيه

ممكن يوديه لحاجة أكبر من مجرد شغل…

ممكن يوديه لحد سكن روحه

أحبني فلسطيني: نبض تحت الرماد

في المعبر، كانت فداء لسه واقفة مكانها، عيونها تايهة بين الوجوه والحركة حوالينها، لكن عقلها كان في حتة تانية خالص.

مش فاهمة إيه اللي حصل… ولا إيه الإحساس الغريب اللي دخل قلبها فجأة، إحساس مبهم، تقيل شوية، كأنه بداية حاجة هي مش مستعدة لها.

حاولت تهز الفكرة من دماغها، ترجع تركز في شغلها، في الناس، في الحالات اللي مستنياها…

لكن صورته وهو واقف قدامها، بنظرته الواثقة وكلامه المستفز، كانت بتفرض نفسها عليها.

“إيه اللي حصلي؟”

سألت نفسها بضيق، وكأنها بتعاتب قلبها على لحظة ضعف مش مقبولة منها.

إحساس وليد اللحظة… لكنه غريب كفاية يخليها مش مرتاحة.

قطع أفكارها صوت مألوف، صوت دايمًا بيربطها بالثبات:

دكتور خالد، أستاذها في الجراحة.

“مالك يا فداء يا بنتي؟ إنتي كويسة؟”

كان صوته فيه قلق حقيقي، مش مجرد سؤال عابر، لأنه عارفها… وعارف إن سكوتها ده مش طبيعي.

لكن قبل ما تكمل ردها، قطع باقي كلامه بنبرة فيها غصة واضحة:

“بقولك إنتي كويسة؟ في الحال اللي إحنا فيه ده؟”

الكلمة الأخيرة خرجت منه تقيلة… وكأنها شايلة هم أكتر من مجرد تعب يوم.

فداء رفعت عيونها وبصت له، نظرات ثابتة، واثقة، فيها قوة متعود يشوفها منها… بس المرة دي كان في حاجة مستخبية وراها.

“ماله الحال يا دكتور؟”

قالتها بهدوء، بس بنبرة فيها إصرار.

“بإذن الله كل شيء هيرجع أحسن من الأول.”

وقفت لحظة، كأنها بتجمع كلامها من قلبها قبل عقلها، وبعدين كملت:

“أنا بحب أجي هنا… بحس إني بقدم شيء صغير لأخواتي الفلسطينيين.”

ابتسمت ابتسامة خفيفة، فيها وجع أكتر من الفرح:

“يمكن اللي بنعمله مش كبير… بس بالنسبة لحد محتاجه، ممكن يبقى كل حاجة.”

دكتور خالد سكت لحظة، بص لها بنظرة طويلة، كأنه بيقارن بين الطالبة اللي عرفها من سنين… والبنت اللي واقفة قدامه دلوقتي.

“إنتي اتغيرتي يا فداء.”

قالها بهدوء، مش اتهام… قد ما هو ملاحظة.

فداء هزت راسها بنفي بسيط:

“لا يا دكتور… أنا بس فهمت.”

“فهمتي إيه؟”

أخدت نفس عميق، وبصت حوالينها… على الناس، على الألم، على الصبر اللي مرسوم على كل وش:

“إن الوجع مش ضعف… وإن اللي بيعدي بكل ده ويكمل، ده أقوى من أي حد.”

سكتت لحظة، وبعدين بصت له تاني:

“وإننا مهما عملنا… عمرنا ما هنكون بنعمل كفاية.”

الكلام كان بسيط… لكنه تقيل.

دكتور خالد ابتسم ابتسامة حزينة، وربت على كتفها:

“كفاية إنك موجودة.”

لكن فداء ما ردتش… لأن جواها كان في صوت تاني، صوت مش عارفة تفسره.

صوت بيقولها إن وجودها هنا مش بس علشان الناس…

في حاجة تانية بدأت تتكون، بهدوء، وبخطورة.

وفجأة، ومن غير ما تقصد، سرحت عيونها بعيد وكأنها بتدور عليه وسط الزحمة، على حد غريب دخل حياتها في لحظة،وساب أثر أكبر من اللازم.

اقرأ عشق التاجر من هنا

للمزيد من القصص والمقالات


عوالم من الخيال


اكتشاف المزيد من عوالم من الخيال

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

اترك رد