احبني فلسطيني

احبني فلسطيني حين يصبح القلب ساحة حرب

أطوي المسافاتِ نحوكِ، لا لأصل،

بل لأغرق في تفاصيلكِ أكثر.

يا “فداء”… في اسمكِ سرّ الوجودِ ومعناه،

كأنكِ النورُ الذي ينبثقُ من عتمةِ التعب.

أنتِ التي لا تشبهين أحداً،

تارةً غيمةً تبللُ جفافَ روحي،

وتارةً شمساً تحرقُ ترددي بيقينِ حضوركِ.

يقولون إن الطريق إليكِ وعرٌ،

وأقول إن الوصول إليكِ هو الانتصارُ الوحيد الذي يستحقُ العناء.

سأظلُّ ذلكَ الغريب الذي وجدَ فيكِ موطنه،

والثابت الذي لا يميلُ مهما اشتدت الرياح،

لأنني آمنتُ بكِ..

كما يؤمنُ الشاعرُ ببيتهِ الأخير،

وكما يطمئنُّ الغريقُ بلمسةِ نجاة.

تنهد فهد بعمق، كأن الكلمات اللي خرجت منه استنزفت كل حاجة جواه…

قفل دفتره بهدوء، وحطه جنب السرير، ومرر إيده على شعره بتعب.

بص للسقف شوية، عينيه بتتحرك ببطء، وكأن كل سطر كتبه لسه بيتعاد قدامه…

“أنا إيه اللي بعمله؟”

سؤال بسيط… بس تقيل.

غمض عينه، حاول ينام… يمكن النوم يهربه من التفكير،

لكن النوم كان أبعد حاجة ممكن توصله.

قلبه صاحي… وعقله مش سايبه.

ووسط الهدوء اللي بدأ يلف الغرفة،

انفجر الباب فجأة بصوت عالي، واتفتح بهجوم كأن إعصار دخل المكان:

“فهــــــــــد! قــــــــــــوم! إنت لسه هتنام؟!”

فتح عيونه بضيق، وبص نحية الباب ببطء،

شاف أحمد واقف، نفس الحماس، نفس الإزعاج المعتاد.

رفع حاجبه، وزفر بنفاد صبر، وخد المخدة ورماها عليه:

“ابو أشكالك يا أخي! الواحد ميعرفش يرتاح شوية! أخلص من أختي تطلعلي إنت!”

أحمد مسك المخدة وضحك، وقفل الباب وراه برجله، ودخل بكل برود كأنه صاحب المكان:

“خلصت؟!”

فهد اعتدل في قعدته وبصله بنظرة كفيلة تولع الدنيا،

نظرة تحرق… ساكتة، بس فيها تهديد واضح.

أحمد بلع ريقه، واتوتر فجأة:

“من غير ما تنطق يا كبير… أنا هطلع وآخد الباب في إيدي!”

فضل واقف لحظة مستني رد،

لكن فهد ما اتكلمش… بس شاورله براسه ناحية الباب.

الإشارة كانت كفاية.

أحمد خرج بسرعة، وقبل ما يقفل الباب، كان صوته لسه مسموع وهو بيبرطم:

“يا شيخ مين دي اللي توقع في حب هولاكو زيك…”

فهد رد من جواه بصوت عالي:

“لما أقوملك يا أحمد… حاضر!”

صوت الكرسي اتحرك، وكأن فهد كان ناوي يقوم فعلًا،

فأحمد جري على طول قبل ما يحصل أي اشتباك.

الهدوء رجع تاني للغرفة…

لكن ما رجعش جوا فهد.

قعد لحظة مكانه، وبعدين قام ببطء، راح ناحية الشباك، وفتحه شوية.

الهوا دخل ببرود خفيف، لمس وشه، لكنه ما هداش اللي جواه.

“فداء…”

الاسم خرج منه همس، من غير ما يقصد.

وقف للحظة، مستغرب نفسه…

مستغرب قد إيه الاسم بقى سهل على لسانه،

وقد إيه تقيل على قلبه.

في نفس الوقت، تحت… في الصالة،

كان أحمد قاعد مع أهل فهد وهناء، بيحاول يرجّع نفسه لطبيعته بعد الهروب الكبير.

هناء كانت بتبص له بنظرات غامضة، كأنها شافت حاجة مش مفهومة:

“إيه يا أحمد؟ داخل طالع كده ليه؟!”

أحمد هز راسه بسرعة، وهو بيحاول يمثل العادي:

“ولا حاجة… كنت بطمن عليه بس.”

هناء ضيقت عينيها، وشكّها كبر:

“آه طبعًا… بطمن عليه؟ ولا بتستفزه؟”

أحمد ابتسم ابتسامة جانبية:

“هو أنا محتاج؟ ده مستفز لوحده.”

ضحكت هناء، بس عينها لسه عليه،

واضح إنها حاسة إن في حاجة مستخبية.

بصت له تاني، وسألته بنبرة أخف:

“في إيه يا أحمد؟ بجد.”

أحمد سكت لحظة، وبص لها،

كأنه بيفكر يقول… أو لأ.

لكن في الآخر هز راسه برفض:

“ولا حاجة.”

الإجابة كانت بسيطة…

بس مش مقنعة.

هناء فضلت باصة له شوية، وبعدين زفرت:

“إنتوا الاتنين مش طبيعيين…”

ضحك أحمد، لكن جواه كان بيفكر في حاجة تانية خالص.

“فداء…”

الاسم كان لسه رنان في ودنه من كلام فهد،

والنظرة اللي شافها في عينه… ما كانتش عادية.

رجع بظهره للكنبة، وبص للسقف،

وابتسم بخبث خفيف:

“واضح إن الموضوع كبير…”

فوق…

كان فهد لسه واقف عند الشباك،

بس المرة دي، مسك الدفتر تاني.

فتحه على نفس الصفحة،

وقرأ اللي كتبه…

كل كلمة.

كل إحساس.

ولأول مرة…

ما حسش إنه غريب عليه.

بل حس إنه حقيقي.

قعد على السرير، ومرر صباعه على اسمها المكتوب:

“فداء”

وافتكر نظرتها…

تحديها…

صوتها وهي بتتكلم بثقة.

ابتسم… غصب عنه.

“مش سهلة…”

قالها بصوت واطي.

لكن الابتسامة اختفت بسرعة،

وحل مكانها تفكير أعمق.

“وأنا؟”

سؤال جديد…

أصعب من الأول.

هل هو فعلاً قدها؟

قد التحدي ده؟

ولا مجرد لحظة وعدّي؟

سكت…

وبعدين قفل الدفتر تاني.

المرة دي، ما حاولش ينام.

لأنه فهم حاجة واحدة بس:

إن اللي بدأ…

مش سهل يخلص.

وإن قلبه اللي عمره ما وقف عند حد

وقف.

عند اسم…

فداء.

احبني فلسطيني ضحكة صغيرة في وسط الوجع

نزل فهد على الموقع يشوف شغله ويقدم المساعدات،

الجو كان مليان حركة، أصوات ناس، خطوات مستعجلة، ووجوه شايلة تعب السنين…

بس وسط كل ده، كان في إحساس خفي بالتماسك، كأن الكل متعلق بخيط أمل رفيع، ومش ناوي يسيبه.

كان فهد ماشي بخطوات سريعة، شايل كراتين فيها أدوية وأكل، عيونه بتلف على كل حاجة حواليه، بيراقب، بيساعد، وبيسأل…

بس رغم انشغاله، كان في تركيز مختلف جواه…

كأن في حاجة مستنياه، أو حد.

فجأة سمع صوت بيناديه من بعيد، بصوت عالي وواضح:

“وينك يا زلمة؟!”

وقف لحظة، ولف نحية الصوت، وابتسم بخفة لما عرف صاحبه.

قرب من سور منخفض، وحط الكراتين بسرعة، وبحركة خفيفة نط فهد من السور بكل مرونة، وكأن المكان ده حافظه خطوة خطوة.

“أنا هون يا سعد… بس كنت بجيب أغراض.”

قالها وهو بينفض إيده، وبص له بابتسامة بسيطة.

سعد قرب منه وربت على كتفه:

“تعبت حالك يا زلمة… الله يعطيك العافية.”

فهد هز راسه:

“ولا إشي… هاد أقل واجب.”

وقبل ما يكملوا كلامهم، جت من وراهم بنوته صغيرة،

بكل ضحكة شقاوة، ونور الدنيا في عيونها، شعرها متلخبط شوية، وملابسها بسيطة،

لكن روحها… كانت أوسع من الدنيا.

جريت عليهم بخفة، وصوتها مليان حياة:

“يا يابا! وين كنت؟”

التفت سعد لها بسرعة، ووشه نور أول ما شافها،

نزل لمستواها وضمها بحنان واضح، كأنه بيحاول يعوضها عن كل حاجة ناقصة.

“كنت بشوف عمك فهد… جايبلنا أغراض.”

البنت بصت لفهد بفضول بريء، عيونها بتلمع، وكأنها بتقيمه بطريقتها الخاصة.

فهد ابتسم لها، وركع شوية عشان يبقى في نفس مستواها:

“شو اسمك يا بطلة؟”

ردت بسرعة، بفخر طفولي:

“ليان!”

ابتسم أكتر، ومد إيده ليها بقطعة شوكولاتة من جيبه:

“تفضلي يا ليان.”

عيونها وسعت بفرحة، وخدتها بسرعة:

“إلي؟!”

ضحك فهد:

“آه إلك… بس بدك تعطيني بالمقابل.”

ضيقت عينيها بشقاوة:

“شو؟”

قرب منها وقال بهزار:

“ضحكة حلوة زي هاي.”

ضحكت فورًا، ضحكة صافية، خلت المكان كله يهدى لحظة.

فهد سكت…

مش عشان مفيش كلام،

لكن عشان الضحكة دي فكّرته بحاجة.

“فداء…”

نفس الإحساس… نفس النور، بس بشكل مختلف.

سعد لاحظ سرحانه، وبص له بنظرة فيها فهم بسيط:

“مالك يا فهد؟ سرحت.”

فهد رجع بسرعة، وهز راسه:

“ولا إشي… بس فكرت بحاجة.”

ليان مسكت إيده فجأة:

“تعال ورجّينا شو جبت!”

بص لها، وبعدين لسعد، وابتسم:

“يلا.”

ومشي معاهم،

لكن جواه…

كان في حاجة بتتغير.

وسط التعب،

وسط الوجع،

وسط كل اللي بيحصل…

بدأ يحس إن في سبب يخليه يتمسك أكتر.

مش بس بالمكان…

لكن بحد.

 

يُتبع…!

اقرأ الفصل الثاني من هنا

للمزيد من القصص والمقالات


عوالم من الخيال


اكتشاف المزيد من عوالم من الخيال

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

تعليق واحد

  1. تحفةةة كاتبتي استمري وانا جنبك ❤️❤️❤️

اترك رد