أحبني فلسطيني

أحبني فلسطيني حين يتصارع القلب مع الواجب

“وينك يا ليان؟”

خرج صوت فداء هادي، لكن فيه لمسة حنان واضحة، كأنها متعودة تنادي الاسم ده بقلبها قبل لسانها.

ما لحقتش تكمل الكلمة إلا وليان ظهرت من آخر الممر، بتجري بكل قوتها، ضحكتها مالية المكان، وخطواتها الصغيرة بتخبط في الأرض بسرعة.

“أنا هون يا فوفو!”

ارتمت في حضنها بدون تفكير، كأن الحضن ده أمانها الوحيد،

وفداء تلقائيًا حضنتها بقوة، إيدها لفّت حوالينها بحنان، وابتسمت وهي بتطبطب على ضهرها.

“وحشتيني…”

قالتها بصوت واطي، كأنها مش عايزة حد يسمع غيرها.

ليان رفعت وشها ليها بسرعة، عيونها بتلمع ببراءة وسؤال واضح:

“جيبتِلي حلوى معك؟!”

ضحكت فداء، ضحكة خفيفة خرجت منها بعد يوم طويل من التعب:

“إنتي كل مرة أول سؤال بتسأليه ده؟”

هزت ليان راسها بحماس:

“آه!”

قربت فداء جبينها من جبينها، وقالت بدلع:

“طيب ماشي… بس الأول تاكلي كويس، وبعدين نفكر في الحلوى.”

ليان عملت بُوز صغير، وبصت بعيد وكأنها زعلانة:

“دايمًا كده… شروط!”

فداء ضحكت، ولسه هترد لكن صوت جاي من وراهم قطع اللحظة:

“إيه يا دكتورة؟ مفيش أي حالات ولادة متعسّرة الحمدلله.”

لفّت فداء بهدوء، ولسه الابتسامة على وشها،رجّعت شعرها لورا ضهرها بحركة تلقائية،والهدوء رجع لنبرة صوتها المهنية:

“لا الحمدلله… كل الأمور تحت السيطرة.”

الكلمة دي كانت بتقولها بثقة، لكن جواها كانت عارفة إن كلمة “تحت السيطرة” في المكان ده…

ممكن تتغير في ثانية، رجعت تبص لليان، لكن عيونها لحقت تلمح حد واقف بعيد شوية.

فهد كان واقف، ساكت، بيراقب المشهد،وفي عينه نظرة غريبة مش مجرد إعجاب، ولا فضول.

كان في حاجة أعمق، قبل ما أي حد يتكلم،رن موبايله فجأة، الصوت كسر الهدوء اللي بدأ يتكوّن.

بص للشاشة وأتجمد أسم والده

“بابا”.

رد بسرعة، وصوته اتحول فورًا لقلق:

“ألو… أيوه يا با؟”

سكت لحظة، وبعدين قال بسرعة أكبر:

“صوتك تعبان… في إيه؟!”

قلبه بدأ يدق أسرع، وملامحه اتشدت.

“طيب طيب أنا جايلك حالًا… متتحركش، سامعني؟”

قفل الخط بسرعة، كأنه مش عايز يسمع أي حاجة تانية ممكن تقلقه أكتر.

خد نفس سريع، ولفّ عشان يمشي، خطوة واتنين…

لكن وقف فجأة، كأن في حاجة شدّته، لفّ ببطء

ولقاها واقفة وراه، فداء، قريبة جدًا، قربها المفاجئ خلّى قلبه يضرب مرة واحدة بقوة،مش عارف هل ده من القلق ولا من وجودها.

بصت له بنظرة فيها جدية، ونبرة صوتها كانت حادة شوية:

“إنت فاكر نفسك رايح فين؟!”

اتصدم من طريقتها، لكن رد بسرعة، بعصبية خفيفة:

“هو أنا إيه؟ مش شايفة؟ لازم أمشي!”

رفعت حاجبها، خطوة صغيرة قربته أكتر منها:

“هو أنا إيه؟ مش دكتورة؟!”

سكت لحظة، مش فاهم هي عايزة إيه.

كملت، وعينها ثابتة عليه:

“ووالدك عيان؟”

الكلمة نزلت عليه تقيلة.

اتفاجئ، مش من السؤال،لكن من اهتمامها.

قال بصوت أوطى شوية:

“آه… شكله تعبان.”

لحظة صمت عدت بينهم،لكن المرة دي، كانت مليانة قلق حقيقي، فداء خدت نفس، وملامحها اتغيرت،

بقت أهدى  لكن أقوى.

“طيب هتروح لوحدك؟”

“آه… لازم.”

“ومين قالك إنك هتروح لوحدك؟”

بصلها باستغراب واضح:

“يعني إيه؟”

ردت بسرعة، من غير ما تتردد:

“أنا جاية معاك.”

اتجمد مكانه.

“إنتي… إيه؟!”

“سمعت كويس.”

“لا طبعًا! إنتي دكتورة هنا… عندك شغل!”

ابتسمت ابتسامة خفيفة، لكن فيها ثقة:

“وقلتلك… كل الأمور تحت السيطرة.”

“بس”

قاطعته بهدوء، لكن بحزم:

“دي حالة طبية… وده واجبي.”

بص لها، مش عارف يرد، في جزء منه، كان عايز يرفض.

وجزء تاني، كان مرتاح إنها هتكون معاه.

سكت لحظة، وبعدين قال:

“إنتي مش مجبورة.”

ردت ببساطة:

“أنا عارفة.”

سكت.

لكن عينه قالت حاجة تانية، امتنان مخلوط بحاجة أعمق.

ليان شدت هدوم فداء:

“فوفو… رايحة فين؟”

نزلت لمستواها بسرعة، وابتسمت:

“هروح أساعد شوية… وهرجعلك.”

“هتتأخري؟”

لمست خدها بحنان:

“مش كتير.”

بصت لها ليان، وبعدين لفهد، وكأنها بتحاول تفهم،

لكن في الآخر حضنتها بسرعة:

“خلي بالك من نفسك.”

ابتسمت فداء، وباستها على راسها:

“وإنتي كمان.”

وقفت، وبصت لفهد:

“يلا.”

بدأوا يمشوا سوا،الخطوات سريعة،لكن في صمت بينهم.

كل واحد غرقان في أفكاره، فهد بيفكر في والده…

في صوته التعبان، وفي خوفه اللي بيكبر.

وفداء…

كانت بتفكر فيه وفي نظراته،في اندفاعه،وفي الكلمة اللي قالها قبل كده:

“دول أهلي.”

حست بحاجة غريبة، كأنها بقت جزء من دايرته… فجأة.

ركبوا العربية،وفهد شغّلها بسرعة،وإيده على الدركسيون مش ثابتة تمامًا.فداء لاحظت، وقالت بهدوء:

“إهدى… هنوصل.”

بصلها لحظة،صوتها بس هو اللي قدر يهدّيه.

“إن شاء الله.”

سكتوا، لكن المرة دي، الصمت ماكانش تقيل، كان فيه دعم، كان فيه وجود، ومع صوت العربية وهي ماشية في طريق الليل،بدأ فصل جديد، مش بس في الحكاية.

لكن في اللي بينهم.

أحبني فلسطيني على حافة الخوف يولد القرب

وصلت العربية أخيرًا، الطريق اللي كان طويل ومتوتر… خلص في لحظة،لكن القلق اللي جوا فهد  ما خلصش.

وقف العربية بسرعة، من غير ما يبص حواليه،

ونزل تقريبًا جري، الباب خبط وراه بقوة،

وخطواته كانت سريعة، متلخبطة، كأنه خايف يتأخر ثانية واحدة.

فداء نزلت وراه بهدوء نسبي،لكن عيونها كانت مركزة عليه على طريقته، على خوفه اللي واضح رغم محاولته يخبيه.

“واضح إنه مش متعود يخاف كده…”دخل البيت، وصوته طلع قبل ما حتى يشوف حد:

“بابا!”

الصوت كان مليان توتر  وشيء أقرب للرجاء، البيت كان هادي بشكل غريب،الهدوء اللي يخوف أكتر من أي صوت.

فداء وقفت عند المدخل لحظة،مش عارفة تدخل على طول ولا تستنى،لكن قلبها شدّها لجوه.

كانت مستنية حد يلمحها، حد يقولها المكان فين، حد يفهم إنها هنا عشان تساعد.

وقبل ما تتحرك،خرجت واحدة من آخر الطرقة.

هناء.

وقفت تبص لفداء لحظة،نظرة سريعة لكنها دقيقة…

وكأنها بتقرأها، من لبسها، من وقفتها، من عيونها…

“دي مش حد عادي.”

قربت منها خطوة، وقالت بهدوء:

“إنتي مع فهد؟”

فداء هزت راسها بسرعة:

“آه  أنا ”

وقبل ما تكمل، ابتسمت ابتسامة خفيفة وقالت:

“أنا فداء  الدكتورة فداء. مصرية.”

هناء ابتسمت، ابتسامة فيها ترحيب وراحة غريبة:

“كنت متوقعة.”

استغربت فداء:

“إزاي؟”

ردت بهدوء:

“واضحة.”

سكتوا لحظة،لكن النظرة بينهم كانت كفاية تبني ثقة سريعة.

هناء لفتت وقالت:

“تعالي  هو جوه.”

بدأت تمشي، وفداء وراها،قلبها بدأ يدق أسرع مش خوف لكن إحساس بالمسؤولية، وصلوا قدام الأوضة،

والباب كان مفتوح نص فتحة، صوت فهد جاي من جوه،

لكن مش واضح، كأنه بيحاول يهدى، دخلت هناء الأول، وفداء وراها.

أول ما دخلت العين راحت عليه فورًا.

والد فهد، كان نايم على السرير،

وشه شاحب،نفسه تقيل،وإيده على صدره.

وفهد، كان واقف جنبه،

قريب جدًا،كأنه خايف يبعد لحظة، بص لفداء أول ما دخلت،

نظرة فيها ارتياح، كأنه كان مستنيها.

“فداء…”

قال اسمها بصوت واطي،لكن فيه أمل واضح.

قربت بسرعة،وملامحها اتحولت فورًا لدكتورة.

الهدوء… التركيز… السيطرة.

“إمتى بدأ التعب؟”

سألته وهي بتقرب من السرير.

رد بسرعة:

“من شوية… قال إنه حاسس بضيق في صدره.”

هزت راسها، وبدأت تفحصه، إيدها كانت ثابتة،

وعيونها مركزة في كل تفصيلة.

“عمو  سامعني؟”

قالتها بهدوء، وهي بتقرب منه، فتح عينه بصعوبة، وبص لها.

“أنا دكتورة… وهساعدك، تمام؟”

هز راسه بخفة.

فداء بصت لفهد:

“في أدوية بياخدها؟”

“آه… عنده مشكلة في القلب من زمان.”

“فين الدوا؟”

هناء دخلت بسرعة وجابت علبة الأدوية.

فداء بدأت تتحرك بسرعة،

تدي تعليمات،تطلب حاجات،وصوتها كان ثابت رغم التوتر.

“فهد  افتح الشباك.”

نفذ فورًا.

“هناء  مية بسرعة.”

جريت تجيبها، والغرفة اتحولت في لحظات…

من خوف  لحركة منظمة، لكن وسط كل ده…

فهد كان مركز عليها، على طريقتها،على قوتها،على الهدوء اللي جاي منها.

“إزاي قادرة تبقى كده؟”

قرب شوية، وقال بصوت واطي:

“هو… هيبقى كويس؟”

بصت له لحظة،مش كدكتورة، لكن كإنسانة.

“إن شاء الله… بس لازم نلحقه بدري.”

الكلمة كانت صريحة، لكن مش مخيفة.

مسكت إيد والده، وبدأت تتابع حالته بدقة، دقايق عدت…

تقيلة كل ثانية فيها انتظار، لحد ما النفس بدأ يهدى والملامح ترتاح شوية.

فداء خدت نفس، وبصت لفهد:

“الحالة استقرت شوية… بس لازم نروح المستشفى حالًا.”

غمض عينه لحظة،

وكأن حمل تقيل اتشال… بس لسه مش كله.

هز راسه بسرعة:

“تمام… يلا.”

قرب من والده، وساعده يقعد،لكن إيده كانت بترتعش.

فداء لاحظت،وقربت، وحطت إيدها على إيده لحظة:

“إهدى… أنا معاك.”

بصلها النظرة دي كان فيها كل حاجة، خوف، امتنان.

وثقة بدأت تتكون.

هز راسه، وكأن الكلمة دي كانت كفاية، بدأوا يتحركوا بسرعة،لكن المرة دي ماكانش لوحده، كانت معاه.

ومش بس كدكتورة لكن كحد بدأ يبقى مهم.

اقرا الفصل الرابع م هنا

للمزيد من القصص والمقالات


عوالم من الخيال


اكتشاف المزيد من عوالم من الخيال

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

2 تعليقات

  1. مبدعة كاتبتي استمري وانا جنبك ❤️❤️

اترك رد