أحبني فلسطيني

عنوان المشهد حين يسقط السند ويولد الاحتياج

رحل الأب وفي لحظة واحدة البيت كله سكت، سكون تقيل خنق المكان، كأن الروح اللي كانت بتسكنه خرجت معاه، الضحك اختفى، الصوت اختفى، وكل اللي فاضل وجع مكتوم في كل ركن

فهد كان واقف في نص الأوضة، مش قادر يتحرك، عينيه تايهة بين ملامح والده اللي سكنت فجأة وبين الفراغ اللي بدأ يتكون جواه، قرب خطوة وبص له أكتر كأنه مستني أي حركة… أي نفس… أي دليل إن اللي بيحصل ده مش حقيقي

“بابا…”

قالها بصوت مكسور، واطي، كأنه خايف الكلمة نفسها تأكد الحقيقة

مفيش رد

لف بعينه ناحية أمه، كانت قاعدة في ركن، عينيها ثابتة عليه بشكل غريب، كأنها خرجت من الزمن، مش بتتكلم، مش بتعيط بس ضايعة، ضايعة في عالم هو مش قادر يوصل له

“ماما…”

برضه مفيش رد

بص لهناء، لقاها نايمة على السرير، بس مش نوم، هروب، جسدها هنا لكن عقلها مش قادر يستوعب اللي حصل

حط إيده على راسه، واخد نفس متقطع، وصوت الناس حواليه بدأ يوصل كأنه جاي من بعيد

“سلم أمرك لله يا فهد…”

غمض عينه بعصبية وقال بصوت متحشرج:

“أنا مسلم… بس أعمل إيه؟!”

بص لفداء، كانت واقفة على بعد خطوة، ساكتة، عيونها عليه، فيها حزن واضح… واحتواء أهدى من أي كلام

قرب منها خطوة، وصوته بدأ يضعف:

“أنا مش فاهم حاجة… كل حاجة حصلت مرة واحدة كده…”

ما ردتش، بس عيونها قالت كل حاجة

كمل وهو بيبص حواليه:

“كان هنا… كان كويس… إزاي يمشي كده؟!”

صوته على في آخر كلمة، وانكسر

في اللحظة دي، ما قدرش يكمل، رجله خانته، وخد خطوة لقدام… وبدون وعي وقع في حضنها

فداء اتفاجئت، جسمها شد لحظة، قلبها دق بسرعة، مش مستوعبة إن الراجل اللي كان واقف قدامها بكل القوة دي… بقى كده بين إيديها

حست برعشته، بأنفاسه المكسورة، فرفعت إيديها ببطء، وحطتها على ضهره، وبدأت تربت عليه بهدوء

قال بصوت مكتوم وهو مغمض عينه:

“أنا تعبت…”

ردت بهدوء، صوتها واطي بس ثابت:

“عارفة…”

شد على هدومها أكتر، كأنه بيتمسك بحاجة قبل ما يقع أكتر:

“أنا حاسس إني لو سبت نفسي هقع ومش هقوم تاني…”

قالت بهدوء وهي بتقربه ليها أكتر:

“مش هتقع… وأنا معاك”

هز راسه بعنف بسيط:

“أنا عمري ما كنت ضعيف كده…”

ردت فورًا:

“ده مش ضعف يا فهد ده وجع”

سكت لحظة، ودموعه نزلت من غير ما يحاول يمنعها:

“هو كان كل حاجة… فاهمة يعني إيه كل حاجة؟”

غمضت عينيها لحظة وقالت:

“فاهمة وعشان كده الوجع تقيل”

بعد شوية، رفع راسه وبصلها، عينه مليانة خوف طفل مش راجل:

“أنا هعمل إيه من غيره؟”

بصت له بثبات وقالت:

“هتفضل واقف… عشان هو رباك تبقى كده”

سكت، وبص في عيونها، كأنه بيدور على أي حاجة يتمسك بيها

“طب وأنا دلوقتي… أعمل إيه؟”

قالتها المرة دي بصوت أهدى… أضعف

قربت خطوة، ولسه إيدها على ضهره:

“تتنفس… وتعدي اللحظة دي… بس كده دلوقتي”

نزل عينه، وزفر ببطء، وكأنه بيحاول ينفذ كلامها

وبصوت خافت جدًا قال:

“متسيبنيش…”

قلبها دق بقوة، لكن ردت من غير تردد:

“مش هسيبك”

سكتوا

بس الصمت المرة دي ماكانش فاضي، كان مليان وعد… واتولد في لحظة وجع

أحبني فلسطيني خلف الصمود وجع لا يُرى

خلص الدفن، والتراب اتساوى فوق الحكاية، والناس بدأت تمشي واحدة واحدة، وكل واحد واخد معاه كلمة عزاء أو نظرة شفقة، لكن المكان فضل شاهد على النهاية… نهاية عمر، وبداية وجع

فهد كان واقف عند القبر، ساكت، ثابت بشكل يخوف، لا دموع، لا صوت، بس نظرة عميقة كأنه بيحاول يحفر آخر ملامح والده في قلبه قبل ما يمشي، الهوا كان بيعدي عليه، لكن هو كأنه مش حاسس بأي حاجة

فداء كانت واقفة على مسافة، بتراقبه، المرة دي مش بنفس النظرة اللي قبل كده، لأ… كانت شايفاه بشكل تاني خالص، شايفة ورا الثبات ده بركان، وجع متخبي، انهيار مؤجل

استغربت… إزاي قادر يقف كده؟!

إزاي ساكت؟!

إزاي مش بيقع؟!

لكن كل ما كانت تبص له أكتر، كانت تحس إن الصمت ده مش قوة بس… ده تعب، كتمة، ومحاولة يفضل واقف عشان اللي حواليه

قربت منه بخطوات هادية، وقفت جنبه من غير ما تقطع لحظته، بس وجودها كان واضح

من غير ما يبصلها قال بصوت واطي:

“خلصت…”

بصت للقبر، وبعدين له:

“ربنا يرحمه”

هز راسه بهدوء، ولسه عينه على نفس المكان:

“كان يستاهل يعيش أكتر”

ردت بهدوء:

“اللي زيه… بيفضل عايش في قلوب اللي حواليه”

سكت، وكأن كلامها وصل له، بس ما ردش

عدت لحظة تقيلة، وبعدين لف ببطء وبصلها، عينه أهدى من قبل… بس أعمق

“أنا كويس”

قالها كأنه بيطمنها… أو يمكن بيحاول يقنع نفسه

ابتسمت ابتسامة خفيفة، وقالت:

“مش لازم تبقى كويس دلوقتي”

نزل عينه لحظة، وزفر:

“مش عارف أكون غير كده”

بصت له بنظرة فهم، وقالت بهدوء:

“القوة مش إنك تكتم… القوة إنك تعدي”

سكتوا، لكن النظرة بينهم كانت كفاية

فداء خدت نفس، وكأنها بتجمع نفسها، وبصت له وقالت:

“أنا لازم أمشي”

رفع عينه بسرعة:

“تمشي؟”

“طلبوني… في حالة ضرورية في المعبر”

هز راسه ببطء، كأنه متوقع ده، أو يمكن متقبله غصب عنه

“أكيد… شغلك أهم”

حست بنبرة حاجة تانية في صوته، مش مجرد تقبل… يمكن رفض مخبي

قالت بهدوء:

“أنا مش همشي بعيد”

بصلها لحظة، وسأل:

“هترجعي؟”

سكتت لحظة صغيرة، وبعدين قالت:

“آه… هرجع”

ابتسم ابتسامة خفيفة جدًا، بالكاد ظهرت:

“طيب…”

اترددت لحظة، كأنها عايزة تقول حاجة تانية، لكن اكتفت إنها تبص له نظرة طويلة، فيها كلام كتير ما اتقالش

“خلي بالك من نفسك”

قالتها بهدوء

رد عليها بنفس الهدوء:

“وإنتي كمان”

لفت تمشي، وخطواتها كانت بطيئة شوية، كأنها مش عايزة تبعد بسرعة

أما هو… فضل واقف مكانه، بيبص للقبر، وبعدين للمكان اللي كانت واقفة فيه

وحس بحاجة غريبة

إنه رغم الفقد في حد بقى مهم

وساب أثر

وساب وراه وعد وعهد إنه هيرجع

اقرا الفصل السادس من هنا

للمزيد من القصص والمقالات


عوالم من الخيال


اكتشاف المزيد من عوالم من الخيال

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

2 تعليقات

  1. مبدعة كاتبتي استمري وانا هادعمك ❤️❤️❤️

اترك رد