أحببني فلسطيني

أحببني فلسطيني روح معلّقة بين مكانين

صحيت فداء من النوم بتكاسل واضح كأن جسمها رافض يبدأ يوم جديد بسهولة عينيها اتفتحت ببطء وفضلت باصة للسقف شوية من غير ما تتحرك وعلى وشها ابتسامة صافية غريبة كأنها شايلة أثر حلم جميل أو ذكرى دافية عدت عليها وهي نايمة بس الابتسامة دي كان وراها وجع مستخبي وجع ساكن جواها من غير صوت وجع كل ما تهدى تحسه أقرب

قامت نص قومة من على السرير وسندت ضهرها على المخدة بس رجليها لسه ما نزلتش الأرض كأنها مش قادرة تواجه اليوم أو يمكن مش عايزة تسيب المكان الوحيد اللي كانت فيه قريبة من ذكرياتها

الباب اتفتح فجأة ودخلت ندى أختها الصغيرة بطاقة مليانة حياة عكس حالة فداء تمامًا وقفت عند الباب وبصتلها بنظرة فيها هزار

فداء يلا انتِ نمتي كتير أوي خالص

رفعت فداء حاجبها وبصتلها باستغراب خفيف

إيه هو اللي كتير أوي خالص دي

ندى ضحكت بشقاوة وهي بترجع لورا ناحية الباب

أهي بتتقال كده بقى هتناقشيني

وجريت قبل ما فداء ترد عليها وقفلت الباب وراها بسرعة

فداء ابتسمت غصب عنها على خفة دمها وهزت راسها بس الابتسامة ما طولتش رجعت عينيها تسرح في الفراغ قدامها واللحظة دي سحبتها تاني لذكرياتها

افتكرت ليان ضحكتها صوتها وهي بتنادي عليها روحها اللي كانت مليانة حياة افتكرت إيديها الصغيرة وهي ماسكة فيها بحب افتكرت كل حاجة حصلت كأنها لسه امبارح قلبها وجعها فجأة كأن الذكرى اتحولت لسكين بتضغط جواها

همست لنفسها بصوت واطي

وحشتيني يا ليان

قامت أخيرًا من السرير كأنها واخدة قرار بصعوبة وقفت قدام المراية لحظة تبص لنفسها ملامحها كانت هادية بس عينيها كانت بتحكي كل حاجة

غسلت وشها وغيرت هدومها وخرجت من أوضتها وهي حاسة إنها بتسحب نفسها بالعافية لواقع مش حاساه

قعدت مع أهلها في الصالة الكل بيتكلم ويضحك وحياة عادية ماشية حواليها بس هي كانت قاعدة بينهم بجسدها بس قلبها وعقلها كانوا في مكان تاني بعيد قوي كانت حاسة إنها مش هنا كأن روحها لسه هناك مع اللي سابتهم مع اللي بقت حياتها مرتبطة بيهم

السكوت اللي حواليها ما كانش هادي بالنسبة لها كان تقيل مليان أفكار ومشاعر متلخبطة لحد ما قطع الصمت صوت مصطفى أخوها وهو بيبص لها بتركيز

الحلو ماله

فداء بصت له بسرعة وكأنها اتفاجئت إنه واخد باله منها هزت راسها بخفة وابتسمت ابتسامة صغيرة باهتة

مفيش

مصطفى ما اقتنعش قرب منها وقعد جنبها وبص لها بنظرة كلها فهم

مش قلنا هننسى يا فداء؟

الكلمة وقعت عليها تقيلة أخدت نفس طويل وزفرته بتعب كأنها شايلة حاجة أكبر منها بكتير

أنسى إيه بس يا مصطفى أنا روحي فارقت مع اللي راحوا

صوتها كان مكسور رغم هدوءه وكأنها بتحاول تبين إنها قوية بس الحقيقة غير كده

مصطفى حس بكلامها من جواه من غير ما يتكلم كتير فتح دراعه وحضنها بهدوء وبدأ يطبطب على ضهرها بحنان أخ كبير شايف وجع أخته ومش قادر يشيله عنها

فداء ما قاومتش سابت نفسها للحضن وغمضت عينيها للحظة كأنها بتاخد استراحة صغيرة من كل اللي جواها

قال بهدوء

إنتِ مش لوحدك يا فداء

سكتت لحظة وبعدين همست

بس حاسة إني لوحدي

شد عليها أكتر وقال

علشان سيبتي حتة منك هناك

رفعت عينيها له ببطء وكأن كلامه لمس الحقيقة اللي جواها

آه… سيبت قلبي هناك

عدت لحظة صمت بينهم بس كانت مليانة مشاعر مصطفى فضل ساكت بس حضنه كان كفاية يقول إنه جنبها

فداء بعدت شوية وبصت لقدام بشرود

أنا وعدتها إني هرجع يا مصطفى

بص لها بهدوء

وإنتي حاولتي

هزت راسها بالنفي وعينيها لمعت

لا… مقدرتش… الظروف خلتني أفضل هنا اكتفيت إني أكلمهم في التليفون وكأن ده كفاية بس مش كفاية

صوتها بدأ يهتز

مش كفاية خالص

مصطفى بص لها بحزن وقال

مش كل حاجة في إيدينا

ردت بسرعة كأنها بترفض الفكرة

بس الوعد كان في إيدي

سكتت لحظة وبعدين كملت بصوت أهدى

وأنا خذلته

مصطفى مسك إيديها وقال بحزم بسيط

لا… ما خذلتيش حد إنتي عملتي اللي تقدري عليه

بصت له بعين فيها دموع متجمعة

بس قلبي مش راضي يصدق ده

ابتسم بحزن

القلب عمره ما كان منطقي

سكتوا شوية وفداء رجعت تسرح تاني لكن المرة دي كلام مصطفى كان بيرن في ودنها

طلعت موبايلها من جنبها وبصت فيه فتحت الصور ووقفت عند صورة ليان ابتسمت وهي بتبص لها ودمعة نزلت على خدها

همست

أنا هرجع… حتى لو اتأخرت

مصطفى سمعها بس ما علقش اكتفى إنه يطبطب على إيدها بهدوء

فداء مسحت دموعها بسرعة كأنها مش عايزة حد يشوف ضعفها وبصت لقدام بعزم بسيط بدأ يتكون جواها

يمكن هي مش قادرة ترجع دلوقتي

بس مش هتنسى

ومش هتسيب وعدها يضيع

لأن في حتة من روحها هناك

ومهما بعدت

هتفضل مربوطة بيهم

لحد ما ترجع… أو يرجعوا هم لها

أحببني فلسطيني بين وعدٍ لم يكتمل وصوتٍ يرفض الغياب

مصطفى قام بهدوء وسابها لوحدها من غير ما يقول حاجة أكتر كأنه فهم إن في لحظات لازم الإنسان يعيشها مع نفسه فداء فضلت قاعدة مكانها ساكتة لكن جواها كان صاخب جدًا الذكريات بدأت تزحف عليها واحدة واحدة من غير استئذان رجعتها لسنة فاتت لنفس اللحظة اللي قلبها اتغير فيها للأبد

كانت واقفة قدامه يومها قلبها بيدق بسرعة وهي مش عارفة السبب لحد ما قالها ببساطة وصدق

“أنا بحبك يا فداء”

الكلمة نزلت عليها كأنها موسيقى فجأة قلبها رقص على نغمتها عينيها لمعت وروحها خفت بشكل غريب ومن غير ما تحس لقت نفسها بتضحك وبتتنطط زي الأطفال فرحتها كانت أكبر منها وهو بص لها بحب الدنيا كلها وشالها بين إيديه لف بيها وهي بتضحك وصوتها ملي المكان حياة

ساعتها سعد كان قريب منهم وسمعهم ضحك وهو بيقرب منهم

“مبارك يا عرايس… إمتى العرس؟ بديش يتأجل”

ليان جريت عليهم بفرحة طفولية وبصت لفداء بعين بتلمع

“فوفو بدي فستان… وتاج… وأكون أحلى أميرة”

فهد ضحك وشال ليان ولف بيها هو كمان

“هتكوني أحلى أميرة بين الأميرات”

واليوم كله اتحول لضحك وحب وكأن الدنيا قررت تديهم لحظة صفا وسط كل حاجة حوالينهم اتكلموا كتير حلموا أكتر واتفقوا إن فهد في أقرب وقت هينزل مصر ويطلب إيد فداء رسمي وكل حاجة كانت ماشية ناحية بداية جديدة

بس القدر كان له رأي تاني

كل واحد فيهم رجع بيته وقلبه مليان فرح وأمل فهد أول ما وصل مسك موبايله واتصل بيها صوته كان كله حب

“جميلة الجميلات بتعمل إيه؟”

ضحكت وردت عليه بدلع

“بحضر نفسي عشان نازلة بكرة مصر أبلغ أهلي بطلبك”

اتنهد فهد بحب واضح

“أنا قولت لأهلي… ومرحبين جدًا”

ردت عليه بغرور مصطنع وهي بتبتسم

“أكيد يا بني… منين هيلاقوا كِنة زيي”

ضحك وصفق بإيده

“يا حلاوة المصريين لما يتكلموا فلسطيني”

وقعدوا بالساعات يحلموا ويتمنوا ويبنوا مستقبل في كلامهم كأنه حقيقي خلاص لكن فجأة الدنيا اتقلبت

تاني يوم… صوت صواريخ… انفجارات… دبابات… والدنيا بقت فوضى الاتصال اتقطع فداء فضلت تحاول تتصل بيه مرة ورا مرة لكن مفيش رد

وفهد… أصر ينزل يغطي الخبر… لكنه ماكنش يعرف إنه هو اللي هيبقى الخبر

مات فهد… برصاص غدر… وساب وراه قلب متعلق بيه للأبد

من يومها وفداء اتغيرت عزلت نفسها عن كل حاجة بقت عايشة بجسدها بس لكن روحها سابت الدنيا ومشيت معاه رجعت لواقعها بالعافية ومسحت دموعها اللي مش بتخلص

فجأة موبايلها نور باسم ليان قلبها وجعها جامد ودموعها نزلت بقوة وهي بتبص للاسم كأن الزمن كله رجع فيها

الرنة بدأت تدوي في الأوضة وكانت الأغنية بتتكلم عنها وعن كل اللي عاشته

يُما مويل الهوا يُما مويليا

ضرب الخناجر ولا حكم النذل فيا

يا ليل طاح الندى يشهد على جراحي

وانسل جيش العدا من كل النواحي

والليل شاف الردى عم يتعلم فيا

بارودة الجبل أعلى من العالي

مفتاح درب الأمل والأمل برجالي

يا شعبنا يا بطل أفديك بعينيا

ومشيت تحت الشتا والشتا رواني

والصيف لما أتى ولع من نيراني

بيظل عمر الفتى نذر للحرية

فضلت تردد مع النغمة وصوتها بيتهز ودموعها بتنزل كأنها رافضة تسيب اللحظة تخلص رافضة ترجع للواقع اللي أخد منها كل حاجة لحد ما الرنة خلصت

مسكت الموبايل بإيد مرتعشة واتصلت هي على ليان كأنها بتجري على آخر حاجة فاضلة لها

أول ما ليان ردت اندفعت عليها بصوتها

“إيه يا فوفو وينك كل هاد؟”

فداء ابتسمت رغم دموعها وصوتها طلع حنين

“يا قلب فوفو… إنتِ اللي كبرتي ودخلتي المدرسة… عاملة إيه؟”

ليان ردت بعصبية طفولية

“زفت زفت يا فداء ده مش تعليم منروح يوم ونقعد بالبيت أسبوع وأنا بدي أتعلم عشان أصير متلك دكتورة”

فداء سكتت لحظة وقلبها وجعها من كلامها حسّت بكل كلمة خرجت من الطفلة اللي شايلة حلم أكبر منها

اتنهدت بوجع

“إن شاء الله يا ليان… هتصيري أحسن دكتورة”

ليان سكتت شوية وبعدين صوتها هدي فجأة وكأنه كبر لحظة واحدة

“أنا مش هقولك تنسي يا فداء… لأن فهد ما بيتنساش… بس عيشي… حاولي تعيشي”

الكلام كان بسيط لكنه ضرب قلبها في أعمق حتة فيها عينيها دمعت أكتر وهي ساكتة مش قادرة ترد

لأن الحقيقة كانت أوضح من أي كلام

هي لسه عايشة…

بس من غير روح

وقالت بينها وبين نفسها أحببت حالي عندما أحببني فلسطيني

تمت..!

اقرا الفصل السابع من هنا 

 

للمزيد من القصص والمقالات


عوالم من الخيال


اكتشاف المزيد من عوالم من الخيال

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

تعليق واحد

  1. بجنن يا مبدعة كملي وانا جنبك ❤️❤️❤️

اترك رد