نار الشوق قصة درامية
ساد المكان قلقٌ خانق، وتوترٌ يكاد يُسمع صوته. دوّت صفارات سيارات الإسعاف في الخارج، لكن رغم ضجيجها، ظل صوت خفقان قلوبهم أعلى من أي صوت.
وقف الجميع أمام غرفة العمليات، كأن الزمن توقف عند ذلك الباب الأبيض الثقيل، بابٌ لم يفصل بينهم وبين ريان فحسب، بل فصل بينهم وبين الطمأنينة أيضًا.
كل عين كانت معلقة به، وكل نفس يخرج من صدورهم كان يحمل دعاءً خافتًا، ينتظر كلمة… كلمة واحدة فقط؛ إما أن تداوي وجعهم، أو تدفن ما تبقى من أرواحهم وهم أحياء.
طال الصمت، حتى نفد صبر مراد.
قبض على يديه بقوة، ثم انفجر صارخًا بصوتٍ هز أرجاء الممر:
— هو في إيه؟! محدش هيخرج يطمنّا ليه؟!
وكأن صرخته كانت الإشارة…
انفتح باب غرفة العمليات، وخرجت الممرضة يتبعها الطبيبة. في لحظة، وقف الجميع في حالة تأهب، والقلق ينهش قلوبهم، ينتظرون رصاصة الرحمة… أو بصيص أمل، لكنهم كانوا يخشون حتى التفكير في أي احتمال.
ساد الصمت لثوانٍ، قبل أن تقول الطبيبة بجدية:
— المريض فقد كمية كبيرة جدًا من الدم… وإحنا محتاجين متبرع بنفس الفصيلة فورًا.
شهقت شوق، وارتجف جسدها كله. تداخلت قدماها حتى كادت تسقط، بينما كانت الدموع تنهمر من عينيها دون توقف.
رفعت رأسها بصعوبة، وخرج صوتها مبحوحًا، بالكاد يُسمع من شدة البكاء:
— أنا… أنا نفس فصيلته. خدوا مني… خدوا كل اللي تحتاجوه… خدوا روحي كلها، بس هو يعيش.
التفت إليها مراد ببطء.
كانت نظراته كفيلة بإشعال المكان. غضبٌ مكتوم، وقهرٌ يحرق روحه، حتى بدا وكأنه على وشك أن يحطم كل ما حوله.
ضغط على أسنانه بعنف، حتى سُمع صوت احتكاكها، ثم صاح بها:
— إنتِ؟! لا… مستحيل! سمعاني؟ مستحيل!
دوّى صوته في أرجاء الممر حتى شعرت شوق أن قلبها ارتجف قبل جسدها.
اقتربت منه بخطوات مرتبكة، ودموعها تسبق كلماتها.
— خلّيني… بالله عليك يا مراد… خلّيني أنقذه.
لكنه لم ينظر إليها.
ركضت نحو الممرضة، وأمسكت يدها بكلتا يديها، تتوسل إليها وكأنها تتشبث بآخر خيط أمل.
— خدي مني دم… بسرعة… أرجوكي، بسرعة.
وقفت الممرضة حائرة، تنقل نظراتها بين شوق المنهارة، ومراد الذي كان يقف كبركانٍ على وشك الانفجار.
في تلك اللحظة، كان منتصف يراقب المشهد من بعيد.
حربٌ ضارية كانت تدور داخله؛ بين ابنه الذي يشتعل غضبًا، وبين ريان الراقد داخل غرفة العمليات يصارع الموت.
تنهد بعمق، ثم حسم أمره.
تقدم نحو شوق، وأمسك يدها برفق، وقال كلمة واحدة فقط، لكنها كانت كفيلة بأن تعيد إليها بصيصًا من الأمل:
— تعالي.
رفعت شوق عينيها إلى منتصف، وفيهما رجاءٌ يكفي لأن يُذيب أقسى القلوب.
مسحت دموعها بظهر يدها وهي تسأله بلهفة، وكأن حياتها كلها معلقة بإجابته:
— هتخليني أديه دم… صح؟ صح؟
كادت ابتسامة صغيرة ترتسم على وجهه ليطمئنها، لكنه لمح نظرات مراد المشتعلة بالغضب.
نظر إلى شوق، التي كانت تتشبث بيده كأنها تتشبث بطوق نجاة، تخشى أن يفلت منها آخر أمل لإنقاذ ريان.
تقدم مراد بخطوات حادة، ووقف في طريقهما.
لكن منتصف لم يمهله، وقال بحزم:
— مش هتلعب دور القاضي والجلاد يا بيه. دي مراته… ومن حقها تقف جنبه.
قاطع مراد والده بانفعال، حتى بدت كلماته وكأنها تخرج من بين أسنانه:
— حقها؟! حقها مين؟! هي مين أصلًا عشان تسمح لنفسها تقتله بدم بارد؟! وبعد ما قتلته… جاية دلوقتي تتبرعله بدمها؟! والله، أول ما يقوم بالسلامة… هو بنفسه هيصفي دمها.
أغمض منتصف عينيه للحظة، ثم هز رأسه بأسى.
كان يرى أمامه ابنه، لكنه لم يرَ سوى عقلٍ يحكم قبل أن يسمع، ويُدين قبل أن يفهم.
أمسك يد شوق برفق، واتجه بها إلى غرفة التبرع، ثم تمتم وهو يسير:
— يارب… ارزق عبادك شوية حب، وشوية رحمة… لأن من غيرهم، حتى الحقيقة بتبان كدبة.
أسرعت الممرضة تسحب الدم من شوق لإنقاذ ريان.
أما هي…
فكانت جالسة كأن روحها غادرت جسدها.
ظلت تحدق في كيس الدم الممتلئ، وكأنها ترى ذنبها يتجسد أمامها.
رفعت يديها المرتجفتين، وأخذت تشير إلى نفسها وهي تتمتم بصوتٍ متكسر:
— أنا… أنا قاتلة… أنا اللي قتلته… أنا مجرمة…
ثم انهارت تمامًا.
راحت تضرب وجهها وصدرها بجنون، وكأنها تريد أن تعاقب نفسها قبل أن يعاقبها أحد، حتى خانتها قواها، وسقطت مغشيًا عليها.
في تلك اللحظة، وصل مراد.
توقف مكانه، ينظر إليها ببرودٍ قاسٍ، كأنه يشاهد فيلمًا قديمًا فقد كل قدرة على التأثير فيه.
هز منتصف رأسه بحزن، ثم اقترب من ابنه، وحدق في عينيه قائلًا بهدوء:
— مفيش حبيب بيقتل حبيبه يا مراد.
رفع مراد حاجبًا بسخرية وقال:
— والنبي؟!
ضحك منتصف ضحكة خرجت مُثقلة بالتعب.
— يا ابني… افهم.
رد مراد ببرودٍ مستفز:
— مبفهمش.
عض منتصف على شفته بغيظ من عناد ابنه، ثم قال:
— يا مراد… الحبيب ممكن يكون سبب في موت اللي بيحبه، لكن مستحيل يقتله.
قطب مراد حاجبيه باستغراب.
— ودي تيجي إزاي يا رئيس برنامج “هَمْسَة عتاب”؟
رفع منتصف يده وضربه ضربة خفيفة على رأسه.
— افهم يا بني. القتل غير الموت.
سكت لحظة، ثم أكمل بنبرة هادئة:
— القتل قرار… بتكون عارف أنت عايز تعمل إيه، وبتنفذه بإرادتك الكاملة. لكن شوق…
وأشار إليها وهي فاقدة الوعي.
وقبل أن يكمل، قاطعه مراد بسرعة:
— مجنونة… أيوه، عارف.
تنهد منتصف بضيق.
— يا ابني، سيبني أكمل.
ثم أكمل وهو ينظر إلى شوق:
— الموت ممكن ييجي من كلمة… كلمة تجرح القلب، فتسيبه ينزف من غير دم. وشوق عملت اللي عملته بدافع حبها وخوفها، مش بدافع كراهية. هي ما كانتش عايزة تشوف جوزها ماشي في طريق غلط، ومتنساش إن ريان كان بالنسبة لها لغز. كتلة غموض ماشية على الأرض، وكل ما حاولت تفهمه، لقت ألف سؤال من غير إجابة.
ظل مراد صامتًا لثوانٍ، ثم هز رأسه بعدم اقتناع.
— وبرضه… كان ممكن تستناه. كان رايح يحكيلها كل حاجة، من أول الحكاية لآخرها. لكن هي قلبت أمنا الغولة، ومسكت السكينة، وقالت: العار ولا التار يا ود عمي!
انفجر منتصف ضاحكًا رغم كل ما يحيط بهم من وجع.
— اسمها: التار ولا العار.
هز مراد كتفيه بلا مبالاة وقال:
— لا… في حالتها دي كانت العار والتار مع بعض. مش بقولك؟ مجنونة!
أشار منتصف إلى شوق، الملقاة فاقدة الوعي، ثم قال بصوتٍ امتزج فيه الحزن بالحكمة، وكأنه لا يخاطب مراد وحده، بل يخاطب الحياة بأكملها:
— بص يا مراد… مش كل زيادة بتكون حلوة، حتى الثقة. أوقات الثقة لما تزيد عن حدها، بتتحول للَّعنة.
سكت لحظة، ثم أكمل وهو ينظر إلى ابنه:
— مشكلتهم ما كانتش قلة ثقة… بالعكس، كانت ثقة زيادة عن اللزوم. هو كان واثق إنها هتفهم سكوته، وهي كانت واثقة إن اللي شافته هو الحقيقة. وكل واحد فيهم استنى التاني يفهم من غير ما يتكلم.
تنهد بحسرة، ثم أردف:
— ولما السكوت طال في وقت كان لازم الكلام فيه يتقال… كانت دي النتيجة. هو سكت، وهي فسّرت اللي شافته بطريقتها، وكل واحد منهم بنى حكمه على نص الحقيقة.
ربت على كتف مراد برفق وقال بابتسامة باهتة:
— حلّلها بقى يا ابن منتصف الهجام… وطلعلي جملة مفيدة.
رفع مراد حاجبه باستغراب، ثم ابتسم ابتسامة خفيفة لأول مرة منذ ساعات.
— إنت مبتقوليش “يا ابن الهجام” إلا لما تكون عايز توصلّي رسالة.
ضحك منتصف بسخرية ممزوجة بالوجع.
— عشان إنت شبهي يا مراد… بس فيه فرق كبير بينا.
نظر إليه نظرة عميقة، ثم قال:
— إنت بتفكر بعقلك وبس… عقلانية بحتة، مفيهاش مساحة للمشاعر. لكن الرحمة يا ابني، هي اللي بتهوّن على الإنسان بلاءه. إنت حكمت عليها، وبقيت القاضي والجلاد، وعايز تنطق بالحكم قبل حتى ما تسمع دفاع الطرف التاني.
ساد الصمت.
هذه المرة، لم يجد مراد ما يرد به.
كان كلام والده يتسلل إلى داخله رغم مقاومته، لكنه كان أعند من أن يعترف بذلك.
في الداخل، كانت الطبيبة تنقل الدم إلى ريان.
دم شوق…
كان يجري الآن في عروق الرجل الذي يقاتل بين الحياة والموت.
يا للمفارقة…
كانا أقرب إلى بعضهما من أي وقت مضى، ومع ذلك، كانت بين قلبيهما آلاف الأسوار التي بناها سوء الفهم، والكتمان، والكلمات التي لم تُقل.
لكن…
هل يمكن أن تُهدم تلك الأسوار يومًا؟
أم أن بعض الجدران، مهما حاول أصحابها، تظل شاهدة على وجعٍ لا يُنسى؟
لكل قصة حكاية…
ولكل حكاية أبطالها، ولكل بطلٍ طريقٌ يسير فيه، يظن أنه الطريق الصحيح.
لكن…
إذا اختلفت الطرق، وتشعبت المسافات…
فهل يستطيع قلبان جمعتهما الحكاية أن يصنعا من ألف طريق… طريقًا واحدًا؟
أم يضيع كلٌ منهما في زحام الحياة، وهو يظن أن الآخر اختار الرحيل؟
يُتبع..!
اكتشاف المزيد من عوالم من الخيال
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.



مبدعة كاتبتي استمري وانا هادعمك ومعك دائما يا افضل كاتبة ❤️❤️❤️❤️
يخليلي ياك حب❤❤❤