المجنونة والمقبرة
المجنونة والمقبرة
المجنونة والمقبرة: الطموح والمغامرات

في منزلٍ دافئٍ، يفوحُ من أركانه عبقُ الحبّ وتملؤه ضحكاتُ الأهلِ وضجيجُ الحياةِ البهيج، كانت الشمسُ قد بدأت تتسلّلُ بخيوطها الذهبية إلى أرجاء البيت، تتراقصُ فوق جدرانه كأنّها ترسمُ لوحةً من النور والدفء. وفي وسط هذا المشهد، كانت مريم تقف أمام مرآتها، ترتّب خصلاتِ شعرها بعنايةٍ وتُقلّب في عينيها شرارة الطموح.
لم تكن مريم فتاةً عادية، بل كانت زهرةً نادرةً في بستان جامعتها؛ الأولى على دفعتها في كلية الآثار طوال سنوات الدراسة، وها هي الآن تستعدُّ لخوض عامها الأخير، وفي قلبها مزيجٌ من الفخر والرهبة.
رنّ صوتها الدافئ في أرجاء المنزل، وهي تهتف بمرح:
صباح الخير عليكم جميعًا!»
انبعث صوتُ والدتها من المطبخ، يختلطُ بقرقعة الأطباق ورائحة الخبز الطازج:
صباح الفلّ، يا عيون أمّك! تعالى إفطري قبل ما تروحي، يومك طويل.»
ضحكت مريم بخفّةٍ وهي تنزلُ الدرج بخطواتٍ متعجلة، حقيبتها تتأرجح على كتفها، وقالت بمرحٍ وهي تقترب من المائدة:
أنا خلاص بقيت في سنة التخرج يعني التعامل معايا كأني وزيرة!»
ضحك والدها من خلف جريدته قائلًا وهو يزيح نظارته قليلًا:
وزيرة! ماشي، بس الوزيرة دي لسه بتتهرب من المذاكرة وقت الامتحانات، ما ننساش!»
ابتسمت مريم وهي تصبُّ كوبًا من الشاي، وقالت بدلعٍ مصطنع:
أنا؟ دي إشاعات مغرضة!»
ثم غمغمت بصوتٍ خافتٍ كأنّها تخاطب نفسها، لكن الجميع سمعها:
يا ربّ يومي يعدي على خير، وأرجع البيت وألاقيني حققت اللي في بالي.»
أختها الصغيرة، وهي تلتهم قطعة من الفطير ساخنة:
ده أنتِ شكلك ناوية على مغامرة النهاردة!»
ضحكت مريم وهي تلوّح بيدها:
المغامرة مستنياني في كل زاوية في الجامعة… أنا طالبة آثار يا حبيبتي يعني حياتي كلها مغامرات!
ومع ضحكاتهم، خرجت مريم من البيت، يحملها الأمل، كأنها تحمل في قلبها وعدًا بأن هذا اليوم سيُضيف فصلًا جديدًا إلى حكايتها…!
المجنونة والمقبرة: ماقبل العاصفة والجامعة
دخلت مريم إلى مدرّج الجامعة، تخطو بخفّةٍ كعادتها، يعلو وجهها ذلك البريق المميّز، فيما كانت أصواتُ الضحكات والهمسات تملأ المكان. تبادلت السلام مع أصدقائها بمرحٍ معتاد، وهي تهمس لأحدهم ضاحكة:
«النهارده شكلي هنام في المحاضرة، ما نمتش كفاية خالص!»
ردّت صديقتها ممازحة:
وهو انتِ بتنامي امتى؟ ده انتِ صاحبة أعلى معدل نوم في القسم!»
ضحكت مريم قبل أن يفتح باب المدرج فجأة، فيتسلل الصمت تدريجيًا بين الصفوف، ودخل دكتور إيهاب بخطواتٍ هادئةٍ واثقة. كان وجهه يحمل ملامح الشباب، إذ لم يكن يفصل بينه وبينهم سوى عامين بالكاد، لكنه رغم ذلك كان له هيبةٌ لا تخطئها العيون، ربما لأنّه لم يكن مجرّد معيدٍ صغير السن، بل كان مثالًا للتفاني والطموح؛ حصل على الماجستير مؤخرًا، والتحق مباشرة ببرنامج الدكتوراه، ولم تمضِ فترة طويلة حتى تمّ تعيينه معيدًا بكلية الآثار.
وقف أمامهم، يضبط نظارته بإصبعٍ خفيف، ثم قال بصوته الهادئ، لكن الحازم:
صباح الخير عليكم جميعًا.»
ردّ الطلاب في صوتٍ جماعي، امتزج بالضحك والتثاؤب:
صباح النور يا دكتور!»
لم يعلّق على فوضى الترحيب، بل اكتفى بابتسامةٍ خفيفةٍ، قبل أن يقول بنبرةٍ جادة:
النهارده عندنا تكليف مهم. هيكون فيه بحث ميداني عن مناطق أثرية، وأنا هقسّمكم مجموعات، كل اتنين مع بعض حسب ترتيب الحروف الأبجدية.»
لم تكد كلماته الأخيرة تتلاشى حتى تعالت الأصوات في المدرج، كلٌّ يعترض أو يهمس لصاحبه، منهم من عبّر عن رفضه صراحة، ومنهم من ضحك ساخرًا، حتى بدأ الهرج يزداد، واختلطت الأصوات.
مريم همست لصديقتها بدهشة:
«هو في إيه؟ ده مجرد بحث يعني، مش بعثة للقطب الجنوبي!»
لكن صوت دكتور إيهاب قطع هذا الضجيج، إذ قال بلهجةٍ هادئةٍ لكنها صارمة، وعيناه تتنقلان بينهم بثبات:
إذا سمحتم… شوية هدوء! أنا فاهم اعتراض بعضكم، وعارف إن مش كل حد بيرتاح يشتغل مع أي حد، لكن مش لدرجة كلّ الضجيج ده!»
عمّ الصمت فجأة، وكأنهم شعروا بخجلٍ خفيف.
تابع دكتور إيهاب بابتسامة خفيفة:
خلونا نكون ناضجين، أنتم طلبة آثار، والمستقبل قدامكم، وأبسط قواعد الشغل عندنا هي التعاون. وبعدين، مين عارف! يمكن الشغل مع حد جديد يفتح لك باب ما كنتش متخيله.»
ساد المدرج لحظة صمتٍ مشوبة بالفضول، فيما تبادل البعض النظرات، ومريم رفعت حاجبيها قائلة في سرها:
«شكله ناوي علينا بجدّ! هو في حاجة بتحصل فجأة كده إلا ويكون وراها حكاية؟!»
ساد صمتٌ ثقيل للحظات، قبل أن تقف فتاة من بين الطالبات، كانت تتوسّط الصفوف بثقةٍ لافتة، نظراتها تحمل مزيجًا من الجرأة والتحدّي. رفعت يدها بخفّة، ثم قالت بنبرةٍ فيها شيء من الاعتراض، لكن مع حرصٍ على ألّا تتجاوز حدودها:
«حضرتك يا دكتور، للمرة التانية، بتطلب منّا بحث عن مناطق أثرية. ممكن نعرف وجهة نظرك؟ يعني ليه دايمًا نفس النوع من الأبحاث؟»
لم ينتظر الدكتور إيهاب طويلًا، بل نظر إليها بهدوء، يراقب ردّ فعلها، لكنها ما لبثت أن تابعت، بصوتٍ منخفض بعض الشيء، كأنها تهمس لكنها لم تنتبه إلى أن صوتها كان مسموعًا أكثر مما تظن:
«وياريت حضرتك تطلع معانا المرة دي، وتشوف بعينك اللي بنشوفه… يمكن يتقفل عليك بئر ومتعرفش تطلع.»
رفع إيهاب حاجبه بدهشة، ثم قال بلهجةٍ مباشرة وهو يثبت عينيه عليها:
«معلش، قولي تاني، صوتك مش واضح. بتقولي إيه؟»
شهقت الطالبة بدهشة وقد تملكها الحرج، لم تتوقع أن يسمعها! شعرت كأن الأرض ابتلعتها للحظة، ثم تمتمت متلعثمة:
«آسفة يا دكتور… أنا بس كنت بقول إن حضرتك دايمًا بتختار لنا أماكن صعبة، والرجوع منها بيكون مرهق جدًا. وكمان حضرتك بتبدأ كلامك معانا هنا بالعربي الفصيح، وبعدين تبعتنا هناك وسط الرمال والمقابر.»
ابتسم الدكتور إيهاب ابتسامة خفيفة، قبل أن يرد عليها بنبرةٍ هادئة لكنها تحمل شيئًا من التحدّي:
«آنسة ليلى ، وأنتِ طالبة مجتهدة زي ما الكل عارف، لو انتِ شايفة إن ده عبء، تخيّلي بقى باقي زمايلك هيفكروا إزاي؟»
تدخلت مريم فجأة، وقالت بمرحٍ صادق:
«يا دكتور إيهاب، والله إحنا لسه بنتعالج من المرة اللي فاتت!»
ضحك الجميع، وضحك إيهاب معهم حين تذكّر تلك الرحلة المشؤومة إلى مدينة الأقصر، يوم أرسلهم في بحث ميداني عن معابدها ومقابرها الشهيرة، حتى انتهى بهم الأمر في مقبرة توت عنخ آمون (KV62)، تلك التي يتداول الجميع عنها الحكايات عن اللعنات والأسرار المخيفة. يومها، كاد بعضهم ينهار من الرعب!
مرّت لحظات قصيرة وهو يستعيد تلك الذكرى، قبل أن يقول بابتسامةٍ ماكرة:
«آنسة مريم، أرجو الالتزام ببحثك مع زملائك، ولا داعي للدراما دي كلها.»
تنهدت مريم بعمق، وهي تشعر أن لا مفرّ من الرحلة، فتمتمت بنبرةٍ استسلاميةٍ لكنها ساخرة:
«حاضر يا دكتور… هروح أنا وريم ونور، وكله تمام!»
لكن إيهاب أشار بيده، كأنه يصحّح لها:
«حضرتك مش واخدة بالك إني قلت حسب الحروف الأبجدية، يا آنسة مريم؟»
رفعت مريم حاجبيها بدهشة، وتذكرت كلماته منذ دقائق، فضحكت في سرها، ثم قالت بابتسامة واثقة:
«ماشي يا دكتور، وليكن… بس عندي فكرة، وإن شاء الله هتعجبك، وأنا متأكدة منها.»
نظر إليها الدكتور إيهاب بتوجس، إذ كان يعرف جيدًا أن مريم طالبة ذكية، لكنها صاحبة أفكار مجنونة، ودائمًا ما يخشى أن تجرّه لأحداث لا تحمد عقباها. انتظر أن تشرح فكرتها، لكنها صمتت فجأة، واكتفت بالنظر إليه بابتسامة غامضة.
قطب حاجبيه بنفاد صبر وقال بحدة:
«إيه يا مريم؟ قولي، إيه الفكرة العظيمة اللي في بالك؟ مش هتفضلي ساكتة كده!»
لكنها استمرت في صمتها، ما زاد حيرته وضيق صدره:
«يا بنتي، اتكلمي! إيه هي فكرتك؟ لسه بتفكّري؟ قولي بقى قبل ما أعجز وأنا واقف هنا!»
ضحكت مريم، ثم رفعت يدها في حركةٍ مسرحية وقالت بثقة:
«حاضر، حاضر! أنا عندي حلّ… نخلي المجموعات تتشكّل بعشوائية، كل واحد يختار اللي يرتاح له، وبعد كده، نعمل تصويت على أفضل بحث، واللي ياخد أعلى تقييم يسافر للبحث الميداني.»
قالت فكرتها بفخر شديد، دون أن تدري أن اقتراحها هذا سيقلب عليها الأمور رأسًا على عقب!
سادت لحظة صمت في المدرج، قبل أن تعلو همهمات الإعجاب والحماس بين الطلاب، وأخيرًا، تنفّس الدكتور إيهاب ببطء، ثم قال بنبرةٍ ساخرة، وهو ينظر إليها بتمعن:
«فكرة جهنمية فعلاً! طيب، أنا موافق… نشوف آخرتها معاكم.»
صفّق الطلاب فرحين، وارتسمت ابتسامة انتصار على وجه مريم، غير مدركة أنها قد أوقعت نفسها في ورطة قادمة.
ومع نهاية المحاضرة، غادر الجميع المدرج في ضجةٍ صاخبة، كلٌّ يخبر الآخر عن خطط البحث، بينما أسرع كل منهم إلى بيته ليخبر أهله عن احتمالية السفر إلى الأقصر…
وفي قلب مريم، بدأت شرارة مغامرةٍ جديدة تشتعل…!
يُتبع…!
اقرا قصة كل واحد عنده سر من هنا
اكتشاف المزيد من عوالم من الخيال
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.



يديمك الي❤❤❤❤
شطورة كاتبتي استمري وربنا يوفقك دائما ❤️❤️❤️