المجنونة والمقبرة الفصل الخامس

المجنونة والمقبرة

صورة غلاف رواية المجنونة والمقبرة للكاتبة صباح البغدادي، بتصميم كرتوني يظهر فتاة تقف أمام بوابة معبد فرعوني ضخمة، يحيط بها تماثيل بوجوه ضاحكة وأشباح مرحة تحلق في الجو.

رواية المجنونة والمقبرة الفصل الأول

صورة غلاف رواية المجنونة والمقبرة للكاتبة صباح البغدادي، بتصميم كرتوني يظهر فتاة تقف أمام بوابة معبد فرعوني ضخمة، يحيط بها تماثيل بوجوه ضاحكة وأشباح مرحة تحلق في الجو.

المجنونة والمقبرة الفصل الثاني

صورة غلاف رواية المجنونة والمقبرة للكاتبة صباح البغدادي، بتصميم كرتوني يظهر فتاة تقف أمام بوابة معبد فرعوني ضخمة، يحيط بها تماثيل بوجوه ضاحكة وأشباح مرحة تحلق في الجو.

المجنونة والمقبرة الفصل الثالث

صورة غلاف رواية المجنونة والمقبرة للكاتبة صباح البغدادي، بتصميم كرتوني يظهر فتاة تقف أمام بوابة معبد فرعوني ضخمة، يحيط بها تماثيل بوجوه ضاحكة وأشباح مرحة تحلق في الجو.

المجنونة والمقبرة الفصل الرابع

صورة غلاف رواية المجنونة والمقبرة للكاتبة صباح البغدادي، بتصميم كرتوني يظهر فتاة تقف أمام بوابة معبد فرعوني ضخمة، يحيط بها تماثيل بوجوه ضاحكة وأشباح مرحة تحلق في الجو.

المجنونة والمقبرة الفصل الخامس

صورة غلاف رواية المجنونة والمقبرة للكاتبة صباح البغدادي، بتصميم كرتوني يظهر فتاة تقف أمام بوابة معبد فرعوني ضخمة، يحيط بها تماثيل بوجوه ضاحكة وأشباح مرحة تحلق في الجو.

المجنونة والمقبرة الفصل السادس

صورة غلاف رواية المجنونة والمقبرة للكاتبة صباح البغدادي، بتصميم كرتوني يظهر فتاة تقف أمام بوابة معبد فرعوني ضخمة، يحيط بها تماثيل بوجوه ضاحكة وأشباح مرحة تحلق في الجو.

المجنونة والمقبرة الفصل السابع

صورة غلاف رواية المجنونة والمقبرة للكاتبة صباح البغدادي، بتصميم كرتوني يظهر فتاة تقف أمام بوابة معبد فرعوني ضخمة، يحيط بها تماثيل بوجوه ضاحكة وأشباح مرحة تحلق في الجو.

المجنونة والمقبرة الفصل الثامن

صورة غلاف رواية المجنونة والمقبرة للكاتبة صباح البغدادي، بتصميم كرتوني يظهر فتاة تقف أمام بوابة معبد فرعوني ضخمة، يحيط بها تماثيل بوجوه ضاحكة وأشباح مرحة تحلق في الجو.

المجنونة والمقبرة الفصل التاسع

صورة غلاف رواية المجنونة والمقبرة للكاتبة صباح البغدادي، بتصميم كرتوني يظهر فتاة تقف أمام بوابة معبد فرعوني ضخمة، يحيط بها تماثيل بوجوه ضاحكة وأشباح مرحة تحلق في الجو.

المجنونة والمقبرة الفصل العاشر والأخير

المجنونة والمقبرة

المجنونةوالمقبرة: ظهور المجهولة

صورة غلاف رواية المجنونة والمقبرة للكاتبة صباح البغدادي، بتصميم كرتوني يظهر فتاة تقف أمام بوابة معبد فرعوني ضخمة، يحيط بها تماثيل بوجوه ضاحكة وأشباح مرحة تحلق في الجو.
أحدث أعمال الكاتبة صباح البغدادي: رواية المجنونة والمقبرة.. حينما يضحك الفراعنة وتتحول اللعنة إلى نكتة!

في لحظة من الصدق النادر، كانت مريم تحاول أن تعيد نبرة الجد إلى الجلسة، فتنحنحت قليلًا وقالت، وقد عادت الجدية لملامحها:

– “نتكلم جد بقى، إحنا بكرة بإذن الله…”

لكنها لم تكمل جملتها. توقفت فجأة، حين لاحظت نظرات نور التائهة، تلك النظرات التي لم تخطئها يومًا، وكأن عقلها غرق في دوامة لا مخرج منها. عيناها كانتا مثقلتين بأفكار بعيدة، تحدق في الفراغ كأنها ترى شيئًا لا تراه الأخريات.

رفعت مريم حاجبيها بقلق، وسألت بنبرة متوجسة:

– “مالك يا نور؟ سرحتي في إيه؟”

انتفضت نور فجأة، كأنها عادت إلى الواقع من غيبوبة قصيرة، تداركت نفسها سريعًا وقالت بارتباك:

– “ها؟ ولا حاجة يا مريم… كنتِ بتقولي إيه؟”

لكن مريم لم تنخدع بسهولة. نظراتها اخترقت وجه نور، وكأنها تقرأ أعماقها، ثم همست بصوت منخفض، يحمل في طياته يقينًا غريبًا:

– “نفس الحلم؟!”

اتسعت عينا ريم، وقد ارتسمت على وجهها علامات الحيرة، وسألت باستغراب:

– “حلم؟! أنتم بتتكلموا عن إيه؟!”

تنهدت نور، وكأنها كانت تتوقع هذا السؤال، ثم بعد لحظة صمت قصيرة، قالت بصوت منخفض ومرتبك:

– “أنا… حلمت بنفس الرجل تاني. ضخم، ووشه جامد، وعينه… عينه فيها رهبة غريبة، كان بيتكلم بلغة مصرية قديمة… وكان بيقول: أنتِ نور العتمة… أنتِ الضوء اللي هيفتح أبواب الظلام… أنتِ آخر شعاع أمل للبلاد.”

ساد الصمت، وعمّت الغرفة رهبة خفية. لثوانٍ، لم يتحرك أحد.

لكن مريم قطعت الصمت فجأة، بسخرية لاذعة، وهي ترفع يديها بحركة درامية ساخرة:

– “هاميس، ارجعي لأخيكِ أتون!”

انفجرت ريم ضاحكة، ضحكة عالية حتى كادت تقع أرضًا من شدة الضحك. أما نور، فاكتفت بنظرة هادئة نحو مريم، ثم أكملت بجديّة غريبة، غير مكترثة بسخريتهن:

– “بس تعرفوا إن في كتاب عن ديانات مصر القديمة بيقول إنهم أكتر الشعوب تدينًا؟!”

لم تفوّت مريم الفرصة، وضربت جبهتها بيدها بحركة مبالغ فيها، ثم صرخت مستنكرة:

– “خلاص! خلصنا من محاضرات دكتور إيهاب الهباب، دخلنا دلوقتي في محاضرات الآنسة نور؟! مصر القديمة وأسرارها!”

ضحكت ريم، لكن نور استمرت ببرودها، تُكمل كلامها بثقة غريبة:

– “هيرودوت نفسه قال إن المصريين القدماء كانوا أكتر الشعوب تدينًا، واحتفالاتهم كلها دينية، والأسبوع، والأربعين، وحتى الأكل… كلها عادات ما زالت موجودة، من أيامهم.”

مريم، التي لم تفوّت فرصة للسخرية، صرخت فجأة، وكأنها تكتشف أعظم الأسرار:

– “طب تعرفوا كلمة (إيوحة) معناها إيه؟!”

نظرت نور وريم إليها بدهشة مصحوبة بالضحك، متأكدتين أنها ستقول شيئًا أغرب من الحلم ذاته.

قالت ريم بسخرية، وهي تتمايل ضاحكة:

– “اتحفينا يا عبقرية عصرك، عرفينا بالثقافة الفرعونية العظيمة!”

ابتسمت مريم بخبث، وأجابت بجدية مسرحية:

– “إيوحة هو اسم أم الملك أحمس… اللي طرد الهكسوس… ومعناه: افرحي، افرحي!”

ساد الصمت لثوانٍ، وارتسم الذهول على وجهيهما، قبل أن تتبادلا نظرات غريبة، وكأنهما تبحثان عن باب للهرب من هذا الجدال الفارغ.

وبهدوء شديد، نهضتا من مكانهما، وأدارتا ظهريهما لمريم، تمشيان ببطء، بينما مريم تصرخ خلفهما بانفعال مضحك:

– “إيه؟! خدتوا المعلومة ومشيتوا؟! تبا لكم! أنتم مينفعش معاكم خير!”

وقبل أن تزيد من سخريتها، صاحت ريم من بعيد، وهي تلوح بيدها بطريقة درامية:

– “تبا لكِ أنتِ وأمثالك! دي معلومة الأطفال بيحفظوها في ابتدائي!”

ضحكت مريم من عمق قلبها، لكنها فجأة تجمدت، مع لمحة ألم ظهرت في عينيها، وقد همست بصوت خافت لا يسمعه غير قلبها:

“كنت بحاول أضحك… مش أكتر… كنت بهرب.”

لكن ريم ونور أدركتا الحقيقة، فأسرعتا نحوها، توقفتا أمامها مباشرة، ونظرت نور في عينيها بصدق:

– “استني، مريم… إحنا كنا بنهزر معاكي، عشان تضحكي، وتنسي ولو شوية… إحنا معاكِ، مش هنسيبكِ لوحدك.”

رفعت مريم رأسها ببطء، وعيناها تلمعان بدموع حُبست طويلًا، وهمست بصوت مرتعش:

– “عارفة… بس مش قادرة أتخطى موت بابا… والله مش قادرة. فجأة لقيت نفسي وحيدة… فجأة مبقاش ليا حد.”

ساد الصمت للحظات، كان صمتًا ثقيلًا، أكثر صدقًا من أي كلمات.

وفجأة، بدافع غريزي، حاولت مريم كسر هذا الجو الخانق، فرفعت حاجبها وقالت بتهكم باكٍ:

– “قصدي… مبقاش ليا حد غيركم، غيركم والله! إيه النظرات دي؟! أنتم ليه فجأة شكلُكم عامل زي الزومبي؟!”

همّت نور بالرد، لكنها تجمدت فجأة، وعيناها متسعتان بالرعب.

شهقت ريم بصوت مرتعش، وهي تهمس:

– “يا بنات… أنتم شايفين اللي أنا شايفاه؟!”

استدار الجميع ببطء، وأُسقط في أيديهن…

كانت فتاة غريبة تقف أمامهن، كأنها خرجت من كتاب تاريخ.

ثوب فرعوني ناصع البياض، مطرز بخيوط ذهبية، وتاج لامع يزين رأسها، وعيناها سوداوان غامضتان، ينعكس عليهما ضوء القمر، وتبدو وكأنها لا تنتمي لهذا الزمن.

همست ريم بذهول:

– “دي واقفة على البحر… ولا طايرة؟! هو إحنا بنتخيل ولا إيه؟!”

صرخت مريم بحدة:

– “بتسألينا إحنا؟! على أساس يعني إننا نعرفها من أيام الكلية؟!”

لكن قبل أن ينطقن بحرف، أشارت الفتاة الغريبة بيدها، وقالت بصوت هادئ، لكن يحمل رهبة غريبة:

– “مرحبًا…”

وانتشر هواء بارد في المكان… وكأن التاريخ نفسه استيقظ…!

كانت المفاجأة أكبر من أن تُستوعب بسهولة. مريم حاولت أن تتماسك، لكنها لم تجد في عقلها سوى سؤال غريب، خرج منها دون وعي، وكأنها تحاول أن تجد تفسيرًا منطقيًا لما تراه:

– “إنتِ بجد… ولا جرافيك؟!”

لم تستطع ريم ولا نور تمالك نفسيهما، فانفجرتا ضاحكتين رغم الموقف المشحون بالتوتر. ضحكة عصبية، خليط بين الرعب والكوميديا، كمن يضحك عند حافة الهاوية.

لكن الضحك لم يدم طويلًا، فقد نطقت الفتاة الغريبة بصوت ثابت بارد، يحمل في نبرته شيئًا من الرهبة:

– “لا أفهم حديثكِ، أرجوكِ تحدثي بلغة أفهمها.”

صمتت ريم للحظة، ثم تمتمت بدهشة، وهي تلتفت إلى نور باستغراب شديد:

– “يعني هي مفهمتش جملة مريم، بس هتفهم كلامك إنتِ؟!”

قبل أن تجيبها نور، قاطعتهم الفتاة بنفاد صبر واضح، وقد بدأت ملامح الضيق ترتسم على وجهها:

– “أرجوكم، كفوا عن حديثكم، لم أفهم شيئًا.”

ابتلعت نور ريقها، وهمست بخوف حقيقي، وهي تشير برأسها نحو الفتاة:

– “يا بنات، لو اللي بيدور في دماغي حقيقي… يبقى ينهــــار أبيض! اللعنة بجد حلت علينا!”

لكن الفتاة التفتت إليهن ببطء، ونظرت إلى نور مباشرة بنظراتها الهادئة الثابتة، ثم قالت:

– “ما اسمكِ؟”

ترددت نور للحظات، وقد بدا على وجهها التردد والقلق، لكن تحت وطأة تلك النظرة الغامضة المهيبة، نطقت بصوت مبحوح:

– “نور… وإنتِ؟”

قالت الفتاة بهدوء:

– “ناميسا.”

ساد الصمت كأن الزمن تجمد. الاسم وحده كان كافيًا لتثبيتهن في أماكنهن.

تبادلت الفتيات النظرات، وعلامات الذهول تكسو وجوههن… ما هذا الاسم؟! وأي زمن تنتمي إليه هذه الفتاة؟!

لكن “ناميسا” لم تترك لهن فرصة لالتقاط أنفاسهن، إذ تابعت بجدية، بنبرة من يعلن بدء مهمة مقدسة:

– “جئت من أجل أخي…”

ارتفع التوتر في المكان فجأة، وتبادل الجميع النظرات المرتبكة، لكن “ناميسا” لم تتوقف، بل أكملت بتركيز شديد، وكأنها لا تلاحظ حالتهن:

– “لم يعد إلينا منذ العام الماضي. بحثت عنه في كل مكان، وعندما استشرنا الحكيم حابي، أخبرنا أنه قد احتُجز في عصركم هذا… فتم اختياري لأجده وأعيده إلى عالمه.”

خيم صمت ثقيل، وكأن الهواء أصبح أثقل من أن يُتنفس.

ثم فجأة، قاطعتها ريم وهي تلوح بيديها بعصبية، تحاول لملمة أفكارها المبعثرة:

– “استني استني استني… إنتِ قلتي إيه؟! الحكيم مين؟!”

ردّت “ناميسا” بجدية خالية من أي تردد:

– “الحكيم حابي.”

وهنا… انفجر الضحك فجأة من جديد! ضحك عصبي، قهقهة تكسر الصمت، وكأن الموقف تحول فجأة إلى نكتة.

مريم صاحت وسط الضحك، وهي تمسك بطنها:

– “عذرًا، عذرًا! هو الحكيم اسمه حابي؟! يا نهار أبيض! إحنا في كوكب تاني ولا إيه؟!”

لكن ملامح “ناميسا” لم تهتز، بل زمت شفتيها بصرامة، وقالت بحدة وهي ترفع إصبعها تحذيرًا:

– “تأدبي يا فتاة عندما تذكرين اسم الحكيم.”

سكت الجميع، وابتلعن ضحكتهن خوفًا من نظراتها الحازمة. غير أن نور، التي بدأت علامات الهلع تغزو ملامحها، همست بخوف حقيقي:

– “ينهار أبيض… إحنا في ورطة حقيقية… بجد!”

ثم أشارت إلى ريم، وقالت بنبرة متهكمة رغم التوتر:

– “هيييي! مالها دي؟! داخلة تمثّل ولا إيه؟!”

لوحت ريم بيديها بعصبية قائلة:

– “اصبري يا نور! إحنا دخلنا في مسلسل تاريخي ولا إيه؟! أيام كلها عك في عك!”

ضحكت مريم بسخرية، قبل أن تهمس بجدية:

– “هو إحنا لسه بنحلم جماعي ولا إيه؟! يعني كلنا هنصحى نقول: يااه، حلمت إني كنت قاعدة مع بنت لابسة لبس فرعوني واسمها ناميسا؟!”

بينما الفتيات يتجادلن، كانت “ناميسا” واقفة بهدوء، تتابعهن بعينين خاليتين من الانفعال، لكنها في داخلها كانت تتمعن في ملامحهن جيدًا، تبحث عن علامات معينة.

كانت تتذكر جيدًا تلك اللحظة حين وضعت دمها على “شجرة العصور”، تلك الشجرة المقدسة في معبدهم القديم، والتي تمتلك القدرة على عبور الزمن لمن يملك “قلادة الأبعاد”.

قالت نور بجدية:

– “بصوا، كفاية هزار… مبدئيًا إحنا لازم نفهم مين دي؟ وجات هنا إزاي؟!”

أضافت ريم بحذر وهي تنظر للفتاة بريبة:

– “فعلاً… إحنا عايزين نعرف إنتِ جاية منين؟ وليه؟!”

لكن “ناميسا” لم تجب عن السؤال مباشرة، بل نظرت حولها بذهول، ثم أشارت إلى سيارة مسرعة تمر بالطريق:

– “ما هذه المرتفعات؟! وما هذه العجلات التي تتسابق بهذا الجنون؟!”

ابتسمت مريم ابتسامة ساخرة، وكأنها وجدت فجأة ضالتها للتهكم:

– “دي سيارات… وسيلة مواصلات حديثة يا هانم، مش مركبات حربية ولا عجلات فرعونية!”

وقبل أن يتطور الموقف، اقتربت ريم فجأة من مريم، وهمست لها بسرعة:

– “يلا يا جماعة! نلعبها بذكاء… ده عرض مسرحي عظيم عن الملكة نفرتاري! يا رب تكونوا استمتعتوا بالعرض!”

ضحكت نور بخفة وهي تحاول كتمان توترها، ثم أمسكت بذراع “ناميسا” محاولة تهدئة الوضع.

لكن “ناميسا” كانت أذكى مما توقعن، إذ قالت ببرود مريب:

– “أتعلمون؟ أنتم تحاولون الهروب من الحقيقة… ولكنني لا أبحث عن مسرحياتكم، بل عن أخي.”

سألَتها نور، بجدية وقد بدأ قلبها يدق بسرعة:

– “إسمه إيه… أخوكي ده؟!”

لكن قبل أن تجيب، رفعت “ناميسا” يدها محذرة:

– “لكن… احذرن! لا أريد سماع أي ضحك على اسمه كما فعلتن مع اسمي.”

نظرت الفتيات لبعضهنّ بخوف، وقد بدأن يستوعبن أن الوضع خرج عن نطاق السيطرة.

قالت “ناميسا” بنبرة صارمة:

– “إسمه… نَرمر.”

ساد صمت، عيونهن اتسعت، وكأن رياحًا باردة ضربت المكان.

لم تستطع ريم تمالك نفسها، فقفزت باندهاش، وهي تهمس لمريم:

– “يا ستير… نرمر؟! يعني مش بس ناميسا… كمان نرمر! إحنا هنقلبها أيام حلوة هنا ولا إيه؟!”

لم تستطع مريم كتم ضحكتها، لكنها تداركت الموقف بسرعة وهي تغيّر نبرة صوتها:

– “بقول لكِ إيه يا أخت ناموسة… إنتِ…”

قاطعتها “ناميسا” فجأة، وعيناها تقدحان بالغضب:

– “أصمتي! أيتها الفتاة الوقحة… لقد أطلقتِ عليّ اسمًا مهينًا، وسخرتِ من اسمي واسم أخي! اللعنة عليكِ!”

اتسعت عيون الفتيات من الذهول… هل فهمت عليهم؟! كيف التقطت هذه الإهانة؟! ولماذا بدأت تشعر بالغضب فجأة؟

همست نور بذهول:

– “يا بنات! هي… هي فهمت كلمة ناموسة؟! ده شكلها متفرجة علينا من الأول!”

صرخت “ناميسا” بغضب، وهي تحدق في مريم بشراسة:

– “ما معنى كلمة ناموسة؟! ماذا تعني؟!”

ابتلعت مريم ريقها بارتباك، قبل أن تهمس لنور، محاولة تبرير الأمر:

– “يا بنتي… أنا بتهيألي كلمة ناموسة دي عندنا حاجة، وعندها حاجة تانية خالص!”

لكن نور، وهي تحاول تهدئة الأجواء، قالت بسرعة:

– “اسكتي يا مريم شوية! خلينا نفهم منها الأول… جات هنا ليه؟ وقصة نرمر ده إيه؟!”

تمتمت مريم بسخرية مريرة:

– “خلصنا من ناميسا عشان نخش في نرمر… إحنا مش هنشوف أيام غير المرار هنا!”

لكن رغم التهكم، جلسن أخيرًا بجدية، ينصتن بذهول لقصة “ناميسا”، التي بدأت تحكيها بنبرة باردة، كأنها تسرد حكاية من كتاب مغلق منذ آلاف السنين.

كل كلمة تنطق بها كانت تغوص بهنّ أكثر داخل لغز غامض، أشبه بلعنة قديمة تعود للحياة أمام أعينهن.

لقد بدأ اللغز… وما زالت خيوطه تتشابك أكثر فأكثر…!

المجنونةوالمقبرة: لعنة كِمِت والبوابة السوداء”

استيقاظ الملك… وعودة اللعنة

في زاوية معزولة من المدينة، كان الليل يُخيّم بهدوئه المريب، لكن هناك… في ذلك البيت القديم، نافذة صغيرة ينبعث منها ضوء أحمر خافت، يتراقص بين الظلال كأنّه شُعلة تحذير خفيّة لا تراها إلا الأرواح الهائمة.

في الداخل، كان جسده ممدّدًا على الفراش، ساكنًا كأنه تمثال نُحت بيد فنان مهووس بالدقة. ضوء النافذة ينصبّ فوق وجهه، يوقظ ملامح رجل بملامح ملكيّة، كأنّه لم يذق طعم الزمن.

لكن هذه الليلة لم تكن كغيرها… إذ تسلّلت إلى أذنيه أصواتٌ لم يعهدها.

— “ماما… يا ماما! الراجل اللي لقيناه على الطريق بالليل… فاق! فاق والله!”

ركضت الطفلة الصغيرة تنادي أمها، وصوتها يحمل خليطًا بين الخوف والدهشة، بينما هرعت الأم إلى الغرفة، ملامحها متوترة، وصوتها يلهث:

— “أخيرًا؟! يا رب سترك… روحي بسرعة هاتِ الدكتور، بسرعة! هو قال من الأول إنه ممكن يفوق في أي لحظة!”

لم تمرّ سوى دقائق، حتى حضر الطبيب، يحمل حقيبته، وخلفه الفضول يجرّه جَرًّا.

وقف بجانب الفراش، يتفحّص الرجل النائم بعين خبيرة، قبل أن يقترب ببطء، وعيناه لا تفارق ملامحه الغريبة.

لكن الرجل فتح عينيه ببطء، نظرة جامدة، كأنها تخترق الزمان والمكان، حدّق في الجميع بحيرة، كأنه ضاع في عالم لا يعرفه.

حاول النطق… لكن الكلمات خرجت بلغة لا يفهمها أحد، لغة بدت كأنها تعويذة قديمة بعثت من رماد القرون.

الطبيب اقترب بحذر، محاولًا تهدئته:

— “اهدأ، إنت في أمان… قول لي اسمك؟ منين؟”

لكن الرجل ظل يحدّق بعينيه العميقتين، وكأنه يحاول فك شيفرة هذا العالم الغريب من حوله، ثم قال أخيرًا بنبرة آمرة، بصوت جهوري اعتاد أن يُسمَع ويُطاع:

— “عفوًا، لا أفهمك! تحدّث بلغة أفهمها!”

ساد الصمت، والوجوه تجمّدت، تبادل الجميع نظرات قلق، بينما الطبيب لم يملك سوى أن يهمس مذهولًا:

— “هو… فاكر نفسه ملك بجد؟!”

لكن الرجل رفع رأسه ببطء، نظر للطبيب نظرة فيها عظمة وكبرياء، وقال بنبرة وكأنها وحي يُتلى على مسامع العالم:

— “أنا من كِمِت… أنا ملك كِمِت!”

جمدت الأنفاس في صدورهم، أحد الشبان انفجر ضاحكًا، يحاول تخفيف وطأة الرعب المتصاعد:

— “يا جماعة! شكله فاكر نفسه بطل فيلم The Prince of Egypt ولا حاجة! هو إيه الهزار ده؟!”

لكن الضحك لم يدم طويلًا… لأن نظرات الرجل لم تكن نظرات شخص يهذي، بل كانت عينيه تلمع بيقين، وعقله حاضر بقوة.

في داخله، كان نرمر يظن أنه غاب فقط لشهر واحد… لم يكن يعلم أن عامًا كاملًا قد انقضى في هذا الزمن.

اعتدل جالسًا، رغم الإرهاق الذي يُنهك جسده، وقال بصوت أجوف، كأن صدى مقابر الملوك يخرج من حنجرته:

— “كنت أبحث عن إحداثيات القلادة… قلادة الأبعاد التي كانت بحوزتي… إنها ليست زينة، بل مفتاح العبور بين العصور.”

العالم حوله كان ينهار في ذهول. الكل يحدّق فيه، يتساءل: هل هذا مجنون، أم حامل لسرّ لا يدركونه؟!

صوت خافت هتف في الزاوية:

— “ده مجنون رسمي… ولا إحنا اللي اتجننا؟!”

لكن الطبيب أشار بيده للسكوت، ونظر للرجل بعمق، كما لو أنه يحاول أن يفهم ما وراء تلك العيون الصلبة.

أما نرمر، فقد كان يحس بتصاعد نيران الغضب داخله، تنبعث مع أنفاسه الثقيلة، قبل أن يهدر بنبرة مهيبة:

— “جئت عبر القلادة… لأمنع الكارثة. لقد كانوا يحفرون قرب الهرم الأكبر… اقتربوا من البوابة السوداء… من السحر المحرّم! لو استمروا، سينقلب العالمان فوق بعضهما، كانت كِمِت ستُبتلع مع هذا الزمان! جئت… لأوقفهم… قبل فوات الأوان.”

ساد صمت يشبه السقوط الحر… الحضور تجمّدوا في أماكنهم، والرعب يزحف في زوايا الغرفة كأنه دخان لا يُرى، بينما الحقيقة أمامهم بدت أفظع من أن تُقال بصوتٍ عالٍ.

لقد استيقظ الملك… ومعه استيقظت اللعنة…!

في تلك اللحظات المشحونة، كان الطبيب خالد يحاول السيطرة على توتره، بينما يراقب نرمر بعينين مليئتين بالشك والحذر. كل شيء في هذا الرجل يثير الريبة، بدءًا من ملامحه، مرورًا بملابسه، وصولًا إلى لغته الغريبة، ثم قدرته المفاجئة على فهمهم والتحدث بلغتهم.

تنحنح خالد قليلًا، محاولًا إخفاء ارتباكه، وقال بنبرة حذرة، وهو يراقب كل حركة لنرمر:

— “بص… أنا مش هسألك إنت مين ولا جاي منين… لأن واضح إن الليلة دي مش ليلة أسئلة ولا إجابات… بس فيه حاجة أهم دلوقتي.”

صمت لحظة، ثم أشار إلى ملابس نرمر الغريبة:

— “لو نزلت كده في الشارع، الناس مش هتسيبك… ده إحنا في عصر كاميرات وموبايلات! لازم تلبس حاجة تليق بزمننا، عشان تعرف تتحرك وتتصرف براحتك.”

ظل نرمر ينظر إليه بثبات، بعينين فيهما عمق آلاف السنين، كأنه يُقيّم حديثه بميزان ملكي قديم، قبل أن يُخفض رأسه قليلًا ويقول بصوت هادئ، فيه نبرة استيعاب وقبول:

— “معك حق… لا بد أن أتخفى… فالمعركة لم تنتهِ بعد.”

ارتاح خالد قليلًا لمرونة نرمر، فتنهد بارتياح، واتجه نحو خزانة قديمة في زاوية الغرفة، يبحث بين ملابسه عن شيء يناسب هذا الضيف العابر للزمن.

وأثناء بحثه، خطر في باله سؤال، جعله يتوقف عن الحركة فجأة، كأن صاعقة سقطت على رأسه. التفت إلى نرمر ببطء، وقد تجمّدت ملامحه بدهشة شديدة:

— “استنى… استنى… إنت… إنت كنت فاهمني وأنا باتكلم معاك؟!”

ارتسمت على وجه نرمر ابتسامة خافتة، لم تخفَ عنها تلك الهيبة المتجذرة فيه، ثم رفع رأسه، ونظر لخالد نظرة ثابتة، وقال بنبرة هادئة، كمن يكشف سرًا قديمًا:

— “منذ أن وطأت قدمي أرضكم هذه… صارت لغتكم بين يدي كما لو وُلدت بها… أُتقنها متى أردت.”

تسمرت عينا خالد، لا يدري إن كان سيُغمى عليه من هول المفاجأة، أم سيضحك من عبثية الموقف. رفع يده إلى رأسه، ومررها على شعره في حركة لا إرادية، ثم تمتم لنفسه بذهول:

— “يا نهار أبيض… إحنا مش ناقصين سحر، كمان بيفهم ويتكلم بلساننا! يا ساتر يا رب.”

لكن نرمر اكتفى بالصمت، ينظر إليه بثقة، كأنه يعلم أن ما يقوله لا يحتاج إلى تفسير، فهو ببساطة “نرمر”، ملك كِمِت، المعتاد على ما هو أعظم.

بلع خالد ريقه بتوتر، ثم استجمع شجاعته وواصل بحثه في الخزانة، حتى وجد سروالًا جينز داكنًا وقميصًا قطنيًا بلون رمادي، تناسبا مع جسد نرمر القوي.

تناولهما بيده، وقد تردد للحظة قبل أن يمدهما إليه، قائلًا بنبرة مشحونة بالحذر:

— “ها… جرّب دول… ولو احتجت أي حاجة تانية… أنا هابقى برّه، بعيد شوية، عشان مش عايز أشوف حاجة مش لازم أشوفها.”

رفع نرمر حاجبه بخفة، ثم تناول الملابس بهدوء، وأجاب بثقة لا تخلو من نبرة ساخرة خفيفة:

— “لا تخف… فلستَ أهلًا لرؤية ما لا يُرَى.”

اتسعت عينا خالد، ولم يملك سوى أن يخرج مسرعًا من الغرفة، قلبه يدق بجنون، وهو يتمتم:

— “يا ستير… أنا فين؟! هو أنا وقعت في فيلم ولا لعبة بلايستيشن ولا إيه؟!”

أما في الداخل… فقد وقف نرمر أمام المرآة للمرة الأولى في حياته، يحمل بين يديه ملابس هذا العصر، ينظر إلى انعكاس صورته… كأنّه يرى شبحًا من زمن بعيد في جسدٍ جديد.

تمتم لنفسه ببطء، كمن يُحدّث روحه القديمة:

— “الزمن… لا يرحم الضعفاء… لكنني لستُ ضعيفًا.”

ثم ابتسم ابتسامة غامضة، وبدأ يرتدي ملابس العصر الحديث، استعدادًا للخطوة التالية من رحلته….!

اقرا الفصل الرابع المجنونة والمقبرة من هنا

للمزيد من القصص والمقالات


عوالم من الخيال

المجنونة والمقبرة

المجنونة والمقبرة الفصل الرابع المجنونة والمقبرة الفصل السادس

اكتشاف المزيد من عوالم من الخيال

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

2 تعليقات

  1. مبدعة كاتبتي انا معك وهادعمك استمري ❤️❤️❤️

اترك رد