المجنونة والمقبرة الفصل الثامن

المجنونة والمقبرة

صورة غلاف رواية المجنونة والمقبرة للكاتبة صباح البغدادي، بتصميم كرتوني يظهر فتاة تقف أمام بوابة معبد فرعوني ضخمة، يحيط بها تماثيل بوجوه ضاحكة وأشباح مرحة تحلق في الجو.

رواية المجنونة والمقبرة الفصل الأول

صورة غلاف رواية المجنونة والمقبرة للكاتبة صباح البغدادي، بتصميم كرتوني يظهر فتاة تقف أمام بوابة معبد فرعوني ضخمة، يحيط بها تماثيل بوجوه ضاحكة وأشباح مرحة تحلق في الجو.

المجنونة والمقبرة الفصل الثاني

صورة غلاف رواية المجنونة والمقبرة للكاتبة صباح البغدادي، بتصميم كرتوني يظهر فتاة تقف أمام بوابة معبد فرعوني ضخمة، يحيط بها تماثيل بوجوه ضاحكة وأشباح مرحة تحلق في الجو.

المجنونة والمقبرة الفصل الثالث

صورة غلاف رواية المجنونة والمقبرة للكاتبة صباح البغدادي، بتصميم كرتوني يظهر فتاة تقف أمام بوابة معبد فرعوني ضخمة، يحيط بها تماثيل بوجوه ضاحكة وأشباح مرحة تحلق في الجو.

المجنونة والمقبرة الفصل الرابع

صورة غلاف رواية المجنونة والمقبرة للكاتبة صباح البغدادي، بتصميم كرتوني يظهر فتاة تقف أمام بوابة معبد فرعوني ضخمة، يحيط بها تماثيل بوجوه ضاحكة وأشباح مرحة تحلق في الجو.

المجنونة والمقبرة الفصل الخامس

صورة غلاف رواية المجنونة والمقبرة للكاتبة صباح البغدادي، بتصميم كرتوني يظهر فتاة تقف أمام بوابة معبد فرعوني ضخمة، يحيط بها تماثيل بوجوه ضاحكة وأشباح مرحة تحلق في الجو.

المجنونة والمقبرة الفصل السادس

صورة غلاف رواية المجنونة والمقبرة للكاتبة صباح البغدادي، بتصميم كرتوني يظهر فتاة تقف أمام بوابة معبد فرعوني ضخمة، يحيط بها تماثيل بوجوه ضاحكة وأشباح مرحة تحلق في الجو.

المجنونة والمقبرة الفصل السابع

صورة غلاف رواية المجنونة والمقبرة للكاتبة صباح البغدادي، بتصميم كرتوني يظهر فتاة تقف أمام بوابة معبد فرعوني ضخمة، يحيط بها تماثيل بوجوه ضاحكة وأشباح مرحة تحلق في الجو.

المجنونة والمقبرة الفصل الثامن

صورة غلاف رواية المجنونة والمقبرة للكاتبة صباح البغدادي، بتصميم كرتوني يظهر فتاة تقف أمام بوابة معبد فرعوني ضخمة، يحيط بها تماثيل بوجوه ضاحكة وأشباح مرحة تحلق في الجو.

المجنونة والمقبرة الفصل التاسع

صورة غلاف رواية المجنونة والمقبرة للكاتبة صباح البغدادي، بتصميم كرتوني يظهر فتاة تقف أمام بوابة معبد فرعوني ضخمة، يحيط بها تماثيل بوجوه ضاحكة وأشباح مرحة تحلق في الجو.

المجنونة والمقبرة الفصل العاشر والأخير

المجنونة والمقبرة

المجنونة والمقبرة: اعتراف بالحب

صورة غلاف رواية المجنونة والمقبرة للكاتبة صباح البغدادي، بتصميم كرتوني يظهر فتاة تقف أمام بوابة معبد فرعوني ضخمة، يحيط بها تماثيل بوجوه ضاحكة وأشباح مرحة تحلق في الجو.
أحدث أعمال الكاتبة صباح البغدادي: رواية المجنونة والمقبرة.. حينما يضحك الفراعنة وتتحول اللعنة إلى نكتة!

في بهو قصر “نرمر”، كان “حابي” يقف في منتصف المكان، يرقب كل ما يجري بعينين ضيقتين، وقد بدا عليه الملل الشديد، فقد ضاق ذرعًا من تلك المشاحنات العبثية، خصوصًا بين مريم وديمون.

قال بنبرة حازمة، وقد عقد ذراعيه فوق صدره:

“توقفي عن هذه الثرثرة… وأخبرينا كيف صار الحل معكِ، فأنا أعلم يقينًا أن وجودكم هنا ليس محض صدفة، بل بسبـبكِ أنتِ… قولي، ماذا فعلتِ؟”

رفعت مريم حاجبها ببرود، وردت بجرأة متعمدة، وقد وضعت يدها على خاصرتها: “شتمتك في سرّي… واضح إنك عامل سحر على اسمك، بيجيبني غصب عني.”

ارتجف حاجباه من الغضب، وصاح: “ماذا تقولين؟!”

هزّت كتفيها بلامبالاة: “ولا شيء… أنا معايا قلادة الأبعاد دي، مكنتش أعرف إنها بتجيب ناس من عوالم تانية وتنقلهم كده.”

قهقه ساخرًا: “على أساس إنكِ فاهماها يعني؟!”

لوّحت بيدها بتكاسل: “يووووه بقى، هو أنا هقعد أترجم يا عم؟! ترجم أنت بقى، مالك واقف قرفان كده؟!”

أشاح بوجهه عنها، وقد كتم غيظه بصعوبة، فابتسم نرمر ببرود وقال: “أنصت لي… دعك منها. الحقيقة، هي كانت بتلعب في متحف، بتجري يمين وشمال كعادتها، وفجأة مسكت القلادة دي، فحسبتها مجرد عقد، ومن هنا حصل الانتقال لعالمنا.

والعبور كان سهل لأنها كانت قريبة مني… ومعايا أنا قلادة زيها.”

ثم أشار إلى عنقه حيث تتدلّى قلادة بريقها غريب.

ضحكت مريم فجأة، وقالت بخفة: “خلاص بقى، وضحت الحكاية! شوفت بقى أنا المترجمة العالمية؟! المهم، نركب على قلادتك ونرجع عالمنا بقى، يلا يا فصيح زمانك.”

رمقها نرمر بنظرات نارية حادة وقال بحدة: “ردودك سريعة يا مريم، فعلاً لسانك طويل.”

غمزت بعينيها بوقاحة طفولية: “أنت عايز تفضل قاعد هنا معايا نهرّج ولا نرجع؟! أصلاً إنتو مش ناقصين عقليات زيي.”

تأفف حابي بغضب مكتوم وقال بتهديد: “تأدبي في حضرتي…”

ضحكت وهي تلوّح بيدها: “بس يلا.”

ساد صمت ثقيل، الجميع شهق بدهشة مذهولة، لم يتصوروا أن فتاة يمكنها أن تتحدث مع ملك بهذا الاستهزاء العلني.

صاحت نور بفزع: “اسكتي… اسكتي، فمك ده مصايب! حد عاقل يقول للملك ‘يلا’… يا قادرة!”

ردّت مريم ساخرة، وهي تشير إلى نرمر باستخفاف: “هو شكله عيل، ما تقوليش ملك عليّ!”

وقبل أن تنطق بكلمة أخرى، أمسكت ريم فم مريم بعجلة: “روحي شوفي ناميسا بتنده عليكِ، يلا بسرعة.”

نظرت لها مريم بتمثيل درامي: “إيه ده يا ريم؟! بتطفشيني؟! مكانش العشم!”

وبحركة سريعة، تركتهم مريم وهي تلوّح بيدها مهددة: “ماشي، همشي… بس راجعة تاني! ما تفتكروش هسيبكم تهنوا في تابوتكم ده! يا شوية ممياوات ماشية على رجلين!”

ثم ركضت بسرعة قبل أن يمسكها خالد.

قال خالد ساخرًا: “مكملناش كلامنا يا ريم…”

لكن قبل أن يكمل، سمع صوتًا خلفه، وإذا بها مريم قد عادت بسرعة: “لأ، كملته… بس إنت بتتلكك، يا لئيم.”

ضحكت ريم على تصرفاتها غير المسؤولة، وتمنت بحرقة: “يارب صبّرني… لحد ما نطلع من هنا على خير.”

لكن مريم عادت مجددًا، وهي تبتسم بمكر: “وليييه نخرج؟! ده حتى تمثال توت عنخ آمون شكله حلو أوي عليكم هنا… يعني لو حكمت تعترف لها بحبك، هنا وسط الميتين، تبقى لحظة رومانسية مش هتتنسي!”

تنهّد خالد بيأس: “لأ بقى… محدش هيعرف يقول كلمتين طول ما مريم هنا، يلا بينا، نكمل كلامنا في مكان تاني.”

أخذ خالد يد ريم وابتعد بها قليلًا ليكمل اعترافه لها.

ابتسم وهو يقول: “أخيرًا بعدنا عنها! مريم دي مش ممكن، كارثة تمشي على رجلين.”

ضحكت ريم بسعادة، وهي تراه يصف مريم بكل هذا الضيق.

قالت ضاحكة: “مريم وراك!”

التفت برعب، لكن سرعان ما أدرك أنها تمزح، فضحكت ريم على منظره.

قال مستسلماً: “بتشتغليني… ماشي، شكلك مش مريم بس المجنونة بالمقالب. المهم…”

ابتسم فجأة وأمسك يدها برقة: “المهم عندي… إني بحبك.”

شهقت ريم بذهول:

“إيه؟! سكتي يعني؟!”

ثم قال ضاحكًا: “لا، أنا جاد… اتفاجئتي؟!”

هزت رأسها ببطء، وهمست بصدق: “أيوه… مكنتش متخيلة إنك تقولها.”

ابتسم بهدوء وهو ينظر إلى عينيها: “ليه؟!”

قالت بخجل: “معرفش… يمكن مكنتش متوقعاها.”

همس لها بلطف: “طيب، قولي حاجة.”

ضحكت بحمرة خديها: “موافقة.”

ردّ مبتسمًا: “بس كده؟!”

خفضت رأسها من الخجل، فاكتفى بابتسامة وهو يراقبها بحب.

في تلك اللحظة، جاء صوتٌ مألوف من الخلف، مفعم بالسخرية: “ياسلام على الحب وسنينه…”

لم يحتج أن يلتفت، فقد عرف فورًا من صاحبة الصوت… إنها مريم، مفسدة اللحظات الرسمية.

ضحكت ريم مجددًا، وقد شعرت بالبهجة وسط كل هذا الجنون.

وفي زاوية أخرى من القصر، كان نرمر يقف أمام نور، ينظر إليها بعمق، وقد لاحظ نظراتها المرتبكة تجاه القمر.

قال بهدوء، وهو يكتم صراعه الداخلي: “أتنظرين للقمر؟!”

انتبهت إليه، وهمست: “أنت…”

تنهد نرمر، وقد شعر أن تلك الليلة لم تترك له خيارًا للهروب من قلبه:

“أحبكِ يا نور… أتركيني أعبر عن حبي لكِ. أعلم أن مصيرنا الفراق، لكن لا زلت أرجو أن يحدث شيء يُبقيكِ معي.

لم أعد أحتمل هذا الغياب… بدونكِ عالمي مظلم.

هل رأيتِ يومًا مكانًا مظلمًا، وفجأة عند دخولكِ أضاء؟!

هكذا هو قلبي، لم يعرف النور حتى التقيتكِ…

أحييتِ قلبي، جعلتِه ينبض من جديد…”

تبسمت “نور” رغم دموعها التي انهمرت بحرقة، تواطؤ القدر كان أقسى من أن يُحتمل، فقد جعلها تعشق رجلاً من عالم آخر!

همس برجاء: “تكلمي يا نور… أستسلمين لفراقنا؟!”

هزت رأسها والدموع تملأ عينيها، وهمست: “لا… لا أقدر… قلبي أحبك منذ أن رأيتك…”

ابتسم بحب، واقترب منها، يهمس في أذنها: “أنتِ نوري… الوحيدة التي تملكين قلبي وعقلي وروحي…”

صوت فجائي قاطع اللحظة، جاء من بعيد متهكمًا: “ياخد روحك يا شيخ…”

التفت الجميع بدهشة، ورأوا مريم تركض بكل قوتها، وخلفها “حابي” يركض ليمسك بها، في مشهد كوميدي عاصف جعل الجميع ينفجرون من الضحك، حتى سقطوا أرضًا من شدته.

صاحت مريم وهي تركض: “بتضحكوا؟! ما توقفوا الطور السريع اللي ورايا ده! نفسي يتقطع، يا رب نفسه يتقطع!”

لكن “ناميسا” أمسكتها أخيرًا وسط ضحكات الجميع، وهم يراقبون المشهد الجنوني.

صرخت مريم وهي تتلوّى محاولة الإفلات: “آه على الغدر لما يجي من أقرب الناس ليكِ! انتي يا ناموسة، تمسكني وتبعيني كده؟!”

أشارت ناميسا برأسها علامة نعم، دون أن تتفوه بحرف.

قالت مريم وهي تتنهد بتهكم: “حلوة أوي… بقى كده؟! خلاص، اللي ليه حق هياخده… ده لو عرفتوا تاخدوه!”

ابتسم حابي فجأة، ثم صرخ بصوت جدي أثار ذهول الجميع: “أنا هخلّصكم من القادرة دي… وهتجوزها، وهظلم نفسي!”

شهق الجميع في لحظة صدمة: “نعم؟! انتَ قلت إيه؟!”

ابتسم حابي ببرود وهو ينظر إلى مريم: “قلت هتجوزكِ.”

ردت مريم بذهول: “إيه ده! أنتَ بتتكلم زيّنا؟!”

ضحك، ثم فجأة صفعها بخفة على خدها، وهو يقول بجدية صارخة: “من الأول، وأنا فاهم لغتكِ… يا مصيبة متحركة.”

ضج الجميع بالضحك، فقد أيقنوا أن لا أحد يليق بمريم سوى هذا الرجل العجيب، الذي يستطيع كبح جنونها.

قال ديمون بصرامة: “يبدو أن علينا العودة لعالمكم قريبًا… يجب أن نستعد وفق طقوسهم…”

والآن، عيون الجميع اتجهت نحوه، فمصيرهم معلّق بيده… وبالقلادة التي يحملها..!

في قاعة القصر، حيث كان القمر مكتملًا في السماء، يتلألأ نوره على وجوه الجميع، وقف “ديمون” بابتسامة هادئة، وهو يقول بصرامة:

“لقد انتهيتُ من إصلاح القلادة… وعليكم أن تستعدوا للمغادرة عند اكتمال القمر في الشهر المقبل.”

ما إن نطق بتلك العبارة، حتى ارتسمت نظرة غريبة على وجه “نرمر”، الذي لم يتحوّل بصره عن “نور”، وكأنه لم يسمع سواها: “وهل يكتمل القمر، وهو في الأصل مكتمل، لا ينقصه شيء؟!”

ضحكت مريم بتهكم، وقالت بمرحٍ معهود: “يا عم روميو الفراعنة، خف علينا شوية! خلينا نعدي الشهر ده على خير.”

ضحك الجميع، لكن “نرمر” ظل صامتًا، يتأمل نور في صمتٍ يحمل ألف معنى.

ضحكت مريم ضحكة شقية، ونظر لها نرمر وقال. “عارفة يا مريم، أول ما نرجع لعالمكم، أول حاجة هعملها هبلغ عنكِ إنك اخترقتي أبحاث دفعتك، وفتحتي بوابة لعالم تاني!”

ردّت عليه بجرأة، وهي تشيح بيدها: “يا جدو، شوف مين هيصدقك! ده أنا أصلاً مش مصدقة نفسي.”

ركضت بعدها فجأة، وأغلقت على نفسها الغرفة، لكنها لم تستطع تجاهل كلمات “حابي” التي ظلّت ترنّ في أذنها.

ومضت الأيام، مرّ الشهر سريعًا دون أي أحداثٍ تُذكر، سوى تلك المشاكسات اليومية التي اعتاد الجميع عليها من مريم، حتى أصبح وجودها جزءًا لا يتجزأ من يومهم.

وفي قاعة الجامعة، وقفوا جميعًا أمام العميد، يعتذرون عن غيابهم الطويل، ويقدمون الأعذار عمّا حدث خلال الأشهر الثلاثة الماضية.

أما “حابي”، و”ناميسا”، و”نرمر”، فقد بدؤوا في التأقلم مع الحياة في مصر الحديثة، وتعلّموا أسرارها الصغيرة، وأتقنوا اللغة الدارجة بطلاقة مدهشة، بل أصبحوا يتحدثون بها وكأنهم من أهل البلد.

ومع مرور الأيام، توثقت العلاقات بينهم، وتحوّلت صداقتهم إلى روابط حب حقيقية، فأعلنوا جميعًا خطوباتهم:

حابي ومريم… خالد وريم… نور ونرمر…

كانت السعادة تغمر الجميع، بينما “ناميسا” كانت تراقبهم من بعيد، وعلى شفتيها ابتسامة هادئة، وفي قلبها حسرة خفيفة.

قالت بحنين وهي تبتسم: “وأنا بقى إمتى هرتبط؟! ولا مفيش أمل، خلاص أرجع لعالمي وأدور على ملك وأتجوزه؟!”

ضحك “حابي” بخفة، وقال لها بحبٍ أخوي: “يا بنتي، إنتِ ملكة نادرة، تستاهلي حياة الملوك، السعادة لقلبكِ. إنتِ زي النجوم، بتلمعي في السماء، لا حد يقدر يقارن جمالكِ.”

قاطعتهم مريم بصوتها المعتاد، غير قادرة على ترك اللحظة تمر بهدوء: “يا سيدي… يا سيدي… شوفوا الكلام اللي يموع النفس ده!”

تنهد “حابي” وقال بضيق: “يا بنتي، إنتِ المشاعر ما عدتش عليكِ ساعة واحدة؟!”

ردّت ساخرة وهي تضحك: “كتر المشاعر عندكم بيجيبلي حموضة، هو انتو مش ملاحظين إن عندكم إسراف عاطفي؟!”

ضحك الجميع، وقال “حابي” وهو يلوّح بيده: “عديمة الرومانسية…”

نظرت له بعينين متكاسلتين وقالت بتدلل: “أنا عديمة الرومانسية يا حبي…”

رد ضاحكًا: “إنتِ الحب كله يا حب.”

ضحكت نور، وقالت ممازحة: “ثبتك بكلمتين مش سهل يا حابي!”

غمزت لها مريم قائلة: “نرمر مش سهل برضه…”

خجلت نور من كلامها واحمرّ وجهها، بينما الجميع كان يضحك على تعليقات مريم الجريئة.

أما ريم، فكانت تلتزم الصمت، حينما أخبرها خالد بجدية عن رغبته في الزواج منها.

قالت مريم بخفة: “يا بنتي، إيه المشكلة؟! اتجوزوه الأسبوع الجاي، ما تتأخروش!”

ردت ريم بقلق، وصوتها متحشرج: “خايفة يا مريم… حكاية ماما بتطاردني لحد دلوقتي…”

وضعت مريم يدها على كتفها، وقالت بلطفٍ حقيقي، بعيدًا عن مزاحها المعتاد: “انسي يا ريم… دي حاجات بتاعت ربنا، متفكريش كده.”

لم تتمالك ريم دموعها، وانفجرت باكية في حضن مريم، التي ضمّتها بحنو، محاولة تهدئتها.

همست مريم، وهي تمسح دموعها: “اهدي يا ريم، إن شاء الله خير، بلاش توسوسي لنفسك.”

قاطعتهم ناميسا، وقد بدت حريصة على فهم ما يجري: “ما بها ريم، يا مريم؟!”

نظرت لها مريم بملل: “بقولك إيه، اتعلمتي العربي، اتكلمي بقى عادي، متقرفناش بقى!”

نظرت ناميسا، وقالت بضحك: “قرف يخدكِ يا شيخة… المهم ريم مالها؟!”

حكت ريم كل شيء لناميسا وللجميع؛ عن خوفها الدفين، عن ذلك اليوم الأسود الذي فقدت فيه والدتها لحظة ولادتها، كيف ظلّ شبح الحادثة يطاردها، ويجعلها ترتعد من فكرة الزواج، خشية أن تلقى نفس المصير وتترك طفلها يتيمًا.

لكن خالد لم يتخل عنها، احتواها بعطفه، ووقف إلى جانبها حتى زالت مخاوفها، ثم تم زواجهم بالفعل، عقدوا قرانهم في صمتٍ جميل، وكانت البداية لحياة جديدة:

مريم وحابي… خالد وريم… نور ونرمر…

ثلاثة قصص حب، جمعت بين عالمين مختلفين، وكأنهم كُتبوا ليكونوا معًا، رغم اختلاف الأزمنة والمعتقدات.

لكن في قلب كل هذه القصص، كانت مريم كما هي، مشاكسة، ساخرة، تضحك وتبكي في اللحظة ذاتها، لكنها رغم كل ذلك، بقيت الروح التي لا غنى عنها بينهم جميعًا…!

المجنونة والمقبرة: حين التقينا بالخطأ

كانت “ناميسا” تقود سيارتها بسرعة جنونية، وكأنها تركض خلف هروبها من قدرٍ محتوم. وبينما كانت تتجه نحو مفترق الطريق، فقدت سيطرتها للحظات، وانحرفت عن مسارها لتصطدم بشابٍ كان يقطع الطريق بهدوء، وكأن الكون بأسره أراد أن يوقعه في طريقها.

فرملت فجأة، وترجلت من السيارة، تركض بخطواتٍ مضطربة، وقلبها يكاد يخرج من بين ضلوعها، لترى المشهد أمامها… شاب ملقى على الأرض، يُمسك بقدمه بألمٍ واضح، بينما يحاول أن ينهض بصعوبة.

صرخت بفزع وهي تقترب منه: “يا رب سترك! إنت كويس؟!”

رفع نظره نحوها، وجهه شاحب من الصدمة، لكن ملامحه متماسكة.

حاول أن يقف بمشقة، لكن الألم كان يعيق حركته. أمسكت بذراعه، تحاول مساعدته: “لو سمحت، إركب معايا… لازم نروح المستشفى فورًا.”

ولم ينتظرها حتى تُكمل، إذ كان بحاجة إلى أي دعم.

في قسم الطوارئ، كانت خطواتها متسارعة، تنادي على أول طبيبٍ تراه أمامها: “دكتور، بالله عليك، ضروري تشوفه حالًا!”

وكأن الأقدار ابتسمت لها، فقد كان “خالد” يعمل ناطور النبطشية تلك الليلة، وصُدم حين رآها في هذا الحال.

“ناميسا! إيه اللي حصل؟ مين ده؟”

أشارت إليه، وصوتها يرتجف: “شوفه يا خالد، بالله عليك… أنا عملت حادثة، صدمته بالعربية.”

اقترب خالد من المصاب، يتفحّصه بعين الطبيب الخبير، فوجد أن الإصابة ليست خطيرة كما تصوّرت هي.

“اهدي يا بنتي، الموضوع بسيط، جبيرة وخلاص.”

لكنها لم تهدأ، وظلّت تتابع بقلق واضح، بينما كان الشاب يجلس على الكرسي المتحرك دون أن يُبدي اهتمامًا كبيرًا بهم.

قال بهدوء، وهو يُحاول كتم الألم: “دكتور… طالما الإصابة خفيفة، أقدر أمشي؟ عندي شغل مهم جدًا.”

رد خالد، وهو يُحضّر أوراقه: “اسم حضرتك إيه؟”

“عز… عز السيوفي.”

رفع خالد حاجبيه بدهشة طفيفة: “أهلاً وسهلاً، إيه اللي حصل معاك؟”

“والله ما لحقت أفهم… كنت معدي الطريق، وفجأة لقيت نفسي على الأرض.”

رمق خالد “ناميسا” بنظرة سريعة، ليلحظ دموعها المتحجرة في عينيها.

قال “عز” مبتسمًا، في محاولة لتخفيف التوتر: “يا جماعة، رجلي اللي اتخبطت، مش هَموت يعني.”

شهقت “ناميسا” من كلماته، وكأن قلبها ضُرب بسهام خفية.

همست بصوتٍ مختنق: “ألف سلامة عليك… بالله عليك، ما تقولش كده.”

ابتسم لها: “الله يسلمك، بجد، أنا بخير… ومش هعمل محضر كمان.”

صُدمت من جملته الأخيرة، واتسعت عيناها: “محضر؟!”

ضحك بخفة: “بهزر والله، بهزر.”

قاطعهم خالد بحزم: “يا أستاذ عز، تعال معايا نعمل أشعة بس، للاطمئنان.”

رد مبتسمًا: “حاضر، بس بالله عليك بلاش كلمة ‘أستاذ عز’ دي… كفاية عز وخلاص.”

ضحك خالد: “ماشي يا عز، وأنا خالد.”

رد عز بمودة: “تشرفت بمعرفتك.”

في غرفة الأشعة، أُجريت له الفحوصات، وتبيّن وجود كسر بسيط يحتاج إلى جبيرة تمتد حتى الركبة، مع راحة تامة لأسبوعين.

كان عز ينظر إلى قدمه بقلق، يتمتم: “يا ستير، شغلي كله هيتعطل.”

سأله خالد، وهو يُدوّن الملاحظات: “مافيش حد يقدر يشتغل بدالك؟”

تنهد عز بحسرة: “ده مشروعي الخاص… أنا صاحب شركة السيوف للإلكترونيات، والمفروض أقدم العرض النهائي بكرة.”

ابتسم خالد: “كل ده على راسي، بس صحتك أهم ولا إيه؟!”

صمت عز، يفكر في حيرة، كيف يُرسل الملف، وما الحل؟

قاطعت “ناميسا” شروده بصوتٍ خافت، لكنها تحمل إصرارًا غريبًا: “ممكن أساعدك؟”

رفع نظره نحوها بدهشة، وكأنه يراها للمرة الأولى: “تساعديني؟!”

أومأت بتردد: “لو حابب يعني… في أي حاجة.”

ضحك، وهو يقول ساخرًا: “حاجة بسيطة جدًا… موبايلي ضاع.”

ابتسمت فجأة، وفتحت حقيبتها لتُخرج الهاتف، تُقدّمه له بابتسامة خجولة: “لقيته واقع وقت الحادث، واحتفظت به.”

أخذه منها وهو يبتسم بلطف: “شكرًا بجد، اهتمامك كبير أوي.”

ردّت سريعًا: “ده أقل حاجة أقدر أعملها، أنا آسفة جدًا.”

ابتسم: “خلاص، حصل خير.”

فتح الهاتف، وأجرى مكالمة سريعة: “يا عم، أنا في المستشفى… مش هعرف أقدّم المشروع. روح إنت قدمه، وربنا يستر.”

رد صديقه: “خلاص، سيبها عليّ، ألف سلامة عليك يا حبيبي.”

أغلق الهاتف، ونظر نحو “ناميسا” بارتياح: “الحمد لله، كده اتحلت مشكلتي.”

ابتسمت بارتياح أيضًا: “الحمد لله… كله خير.”

بعد دقائق، دخلت عائلته إلى الغرفة، والدته منهارة من شدة البكاء، تعانقه وتُردد بحرقة: “يا ضنايا… يا نور عيني، إنت ابني الوحيد، ما ليش غيرك ولا غير أختك الصغيرة اللي لسه في الجامعة.”

ضحك عز بخفة، يُحاول تهدئتها: “يا ماما، اهدي، والله أنا كويس، مجرد إصابة بسيطة، وإن شاء الله أخرج بكرة.”

خلف كل هذا المشهد، ظلت “ناميسا” واقفة في زاوية الغرفة، تتأملهم بصمت، لا تعلم هل ما حدث كان صدفة… أم بداية لحكاية لم يُكتب لها بعد عنوان؟

مرّت الأيام ثقيلة على عز، لكنها لم تكن وحيدة كما ظنّ.

طوال فترة مرضه، كانت “ناميسا” تباغته برسائلها واهتمامها، تسأل عنه في كل صباحٍ ومساء، وتتابع تطورات حالته بشغفٍ لا يُخفى.

أما “خالد”، فقد تحوّل مع مرور الوقت من طبيبٍ معالج إلى صديقٍ مقرّب، يجمعهما المزاح والدردشة وكأن الحادثة كانت بابًا صريحًا لصداقةٍ جديدة.

وجاء اليوم المنتظر، يوم إزالة الجبيرة، وهو يومٌ انتظره “عز” بلهفةٍ ممزوجة بالقلق.

كان خالد يطمئنه، وهو يفحص قدمه بعناية الطبيب المتمرّس: “أهي يا سيدي، كله تمام… لا مضاعفات، ولا أي آثار جانبية، والجروح التئمت بفضل الله.”

ابتسم “عز” بحمدٍ داخلي، وهو يتنهّد بارتياح: “الحمد لله… والله كنت مرعوب يحصل عجز أو مشكلة تفضل معايا العمر كله.”

ضحك خالد بخفّة، مردفًا: “تفائل خير يا عم، مافيش حاجة… جسمك زي الفل، وراجع أقوى من الأول.”

ابتسم عز، يحاول أن يداري ارتباكه: “الحمد لله.”

وفيما الجو يزداد هدوءًا، إذ فجأة…

فُتح باب العيادة بعنف، ودخلت فتاة غريبة الأطوار، بصوتٍ جهوريٍ وصياحٍ أربك الجميع: “فين دكتور الجزار ده؟!”

انتفض خالد وعز في مقاعدهم، يلتفتان نحو الباب بدهشة، بينما علت الدهشة وجه “عز”، وقد ظن للحظة أنهما أمام مشهد تمثيلي غريب.

ابتسم “خالد” بمرارة خفيفة، وهو يشير لها ضاحكًا: “أعرّفك… دي مريم، صداع العيلة.”

همس “عز” بدهشة وهو يحدّق بها: نعم؟! دي بتدخل العيادة بالطريقة دي؟! ده شغل مش مسرح!”

لكن “مريم” لم تهتم، بل تقدّمت بخطواتٍ واثقة، وهي تردّ ببرودٍ شديد وبلهجة عامية ثقيلة: “آه، أنا كده، عادي جدًا… لو مش عاجبكوا، غيّروا الباب.”

لم يتمالك “عز” نفسه، فضحك رغماً عنه من عفويتها الغريبة، وقد قرأ من نبرتها أنها تملك جنونًا خاصًا، يشبه أولئك الذين يقتحمون الحياة بلا استئذان.

وقبل أن يستوعب الموقف، وجّهت مريم أصابعها نحوه وقالت بضحكة ساخرة: “أنت بقى عز… اللي ناموسة جابت أجله؟!”

تجمّدت ملامح “عز”، ينظر إليها في حيرة تامة، وقد حسبها تهذي.

“ناموسة؟! هو أنا اتخبطت من ناموسة ولا إيه؟!”

في لحظة، رأى الجميع حذاءً صغيرًا يُقذف باتجاه “مريم” بدقة عجيبة، وتبعته صرخة غاضبة من الزاوية الأخرى للغرفة.

كان الحذاء يطير فوق رؤوسهم، بينما صوت “ناميسا” يهدر في الأجواء: “عشان تعرفي تقولي اسمي كويس يا شيخة، قرفتيني! ناموسة إيه؟! قولي سوسو، قولي أي حاجة… إلا دي!”

ضحكت مريم بوقاحة، غير آبهة، وردّت بخفة دم: “أحبوش.”

ردّت ناميسا، بحدة لا تخلو من المرح: “حبك برص يا بعيدة.”

وهنا، وسط هذه الفوضى الساخرة، تلفّت “عز” باندهاش حقيقي، وهمس وكأنه يتذوّق الاسم للمرة الأولى: “ناميسا…”

كرّر الاسم ببطءٍ وانبهار، كأنه اكتشف كنزًا ضائعًا، فقد أدرك أنه طوال الفترة الماضية لم يكن يعرف اسمها حقًا، رغم كل الاتصالات والرسائل.

ابتسم بدهشة وهو ينظر إلى “خالد”: “يعني كانت هتموتني… من غير حتى ما أعرف اسمها ؟!”

قهقهت “مريم” بضحكة عالية، وهي تشير إلى “ناميسا” بمرح: “برافو! بتسلمها تسليم أهالي… ناميسا يا سادة!”

لوّحت ناميسا بيدها، تُهدّد بخفة ومرح: “تحبوا تجربوا أنتم كمان؟!”

وانفجر الجميع بالضحك، حتى عز نفسه نسي ألم قدمه، فقد ابتلعت الضحكات جو الغرفة بأسره، وصارت كأنها سهرة بين أصدقاء، لا مريض فيها ولا طبيب.

وفي داخله، كان “عز” يعلم يقينًا أن ما جمعه بهذه الفتاة الغريبة، لم يكن مجرد حادثٍ عابر… بل لعله كان بداية لحكاية لم يُكتب لها بعد فصلها الأول…!

اقرا الفصل السابع من المجنونة والمقبرة من هنا

للمزيد من القصص والمقالات


عوالم من الخيال

المجنونة والمقبرة

المجنونة والمقبرة الفصل السابع المجنونة والمقبرة الفصل التاسع

اكتشاف المزيد من عوالم من الخيال

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

اترك رد