المجنونة والمقبرة
المجنونة والمقبرة
المجنونة والمقبرة: خبر غير متوقع

في تلك اللحظات، كانت الأجواء هادئة نسبيًّا بعدما تمّ التعارف بين الأسرتين، وتولّت مريم وحدها دفة الحديث والتعارف، فهي صاحبة الحضور اللافت، وكأن لا صوت يُعلو فوق صوتها حين تتحدّث.
بعد أسبوع من خروج عز المستشفي أتصل بـ خالد
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.”
ردّ خالد وهو يُعدل جلسته:
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته… إزّيك يا عز، عامل إيه النهارده؟”
أجابه عزّ:
“بخير الحمد لله، كنت عايزك في موضوع كده.”
ابتسم خالد، وأجابه بثقة:
“تفضل، لو في إيدي مش هتأخر.”
خفض عزّ صوته وقال بجدية:
“ماينفعش الكلام في الموبايل، فاضي؟ نلتقي؟”
ردّ خالد بعدما نظر في ساعته:
“نص ساعة وأفضى.”
قال عزّ بحسم:
“تمام، نتقابل في الكافيتيريا اللي جنب المستشفى عندك، لأني قريب.”
ردّ خالد:
“تمام، اتفقنا.”
ومرّ الوقت ببطء، حتى أتى الموعد، وتوجّه خالد إلى اللقاء، وهو على يقينٍ تام بأن عزّ يُضمر شيئًا هامًّا.
وما إن وصل، حتى ابتسم عزّ ورحّب به قائلًا: “عز باشا! إيه الأخبار؟!”
ابتسم خالد بهدوء، وقال: “أنا بخير ولله الحمد.”
قال عزّ وهو يلوّح للجرسون:
“تشرب إيه؟”
ردّ خالد وهو يضع يده على رأسه: “قهوة، دماغي هتفرقع من الصداع.”
أشار عزّ للجرسون بسرعة:
“اتنين قهوة، واحدة منهم سادة.”
رفع خالد حاجبيه بدهشة، وقال مداعبًا: “يا ستير يا رب، سادة؟!”
ضحك عزّ وقال: “ومالها؟ المهم ندخل في الموضوع على طول.”
ثم اتّكأ إلى الخلف، وبدا وكأنه يجمع شجاعته وقال: “دخلت بيتكم، اتعرّفت عليكم، وأكيد عرفتوني كويس.”
ابتسم خالد في صمت، وقد صدق حدسه.
قال ممازحًا: “إيه يا عم، كل المقدمات دي؟!”
عندها اعتدل عزّ في جلسته، وحدّق في عيني خالد بثبات وقال: “أنا بتقدّم للآنسة ناميسا.”
تجمّدت ملامح خالد، وقد انتظر أن يُكمل عزّ حديثه، لكن عزّ صمت عند هذه الجملة، ينتظر ردّه.
سأل عز خالد مجددا بهدوء: “مسمعتش جوابك؟”
قال خالد ببرودٍ مدروس: “إنت تعرف إيه عن ناميسا؟!”
ردّ عزّ بصدق: “معرفش غير إخواتها وإنكم أسرة واحدة.”
لكن فجأة، قاطعهم صوت خفيف من خلفهم قائلًا بابتسامة واسعة: “أسرة جميلة، أسرة مع بعضنا كده، مفيش حد بيخبي حاجة عن مريم.”
تنهد خالد بملل واضح، وقال وهو يلتفت: “إيه اللي جابك هنا يا مريم؟! وبعدين فين حابي؟”
مريم وهي تشير خلفها: “أنا هنا، ربنا يهدي المفتري.”
ضحكت مريم وقالت بمزاح: “بتقول حاجة يا روحي؟!”
رد حابي بغمزة: “لأ، يا عمري.”
انفجر عزّ ضاحكًا وهو يرى طريقة مناغشتهم، وتمنّى لو يكون جزءًا من هذه العائلة المحبّة.
ضحك خالد وقال ساخرًا: “مرحب بك في عالم سمسم!”
انفجر عزّ من الضحك، حين رأى وجه مريم بعد هذه الجملة.
قاطعتهم مريم قائلة بجدية مصطنعة: “المهم المهم… ها، طالب تقابل ليه خالد؟ مش مريم أولى؟ اللي مالوش خير في مريم مالوش خير في حد!”
ضحك الجميع، وأمسك حابي بيد مريم وأجلسها قائلًا بهدوء: “اهدي شويه، خليه يتكلم الأول.”
ثم سألها خالد باستغراب: “وأنتِ عرفتي منين مكاننا؟!”
قالت مريم وهي ترفع رأسها بفخر: “وقت مكالمة عز ليك كنت قريبة من باب غرفتك، سمعتكم، وعزمت أجي أشوف بتخططوا لإيه من ورايا.”
ضحك عز وقال بإعجاب: “مالكيش حل يا مريم…”
ردّت مريم ضاحكة: “متشكرين يا أخ عز، ندخل في الموضوع على طول عشان ورانا لف وشراء وليلة كبيرة ساعدتك.”
قال عزّ وهو يتنحنح وقد تورد وجهه قليلًا: “أحم، بما أن حابي موجود، فأنا بطلب يد الآنسه ناميسا…”
وفجأة، دوت أصوات الزغاريد! ومن غيرها يتقن هذه المفاجآت سوى مريم!
قالت مريم وهي تضحك: “طيب يدوب نلحق نجهز بقا!”
ردّ حابي مازحًا وهو يضحك: “يا بنتي لسه بنتفق! ثم لسه معرفناش رأي ناميسا.”
ضحكت مريم بخفة: ”
دي كلها شكليات يا أخ حابي! وأنت يا أخ خالد تاخد أجازة شهرين تلاتة سنة كده عشان الكل هيتجوز! هنعمل جواز جماعي!”
ضحك خالد وهو يقول: “وده مين اللي قرر؟!”
قالت مريم بثقة وهي تميل للأمام: “أنا، هل عندك مانع؟!”
ضحك خالد وهو يأخذ رشفة من قهوته وقال: “معنديش يا مريم، هو أنا أقدر أقول حاجة!”
ردّت مريم ساخرة: “بحسب…”
ابتسم عز وقال بهدوء: “طب يا مريم، مش نشوف رأي ناميسا؟!”
ضحكت مريم وقالت بثقة:
“ننوسه هتوافق، سيبها عليّا!”
ضحك خالد وهو يغمز قائلًا: “ما شاء الله، رقيتيها من ناموسه لـ ننوسه!”
رمقته مريم بنظرة حادة وقالت بضحك: “خليك في حالك يا أخ خالد.”
ثم قالت بحماس: “طب يلا يا جماعة، كلنا على البيت يكون أفضل للكل!”
نهض الجميع، وغادروا متوجهين إلى المنزل، استعدادًا لطلب يد ناميسا رسميًّا، وكلهم يقين أن مريم وحدها تملك مفاتيح قلبها، وكل شيء بيدها سيهون!
عاد الجميع إلى المنزل، يحملون في قلوبهم نبضات متسارعة، ينتظرون لحظة الفصل، تلك اللحظة التي ستجمع قلبين طالما تاها في دروب الحيرة والانتظار.
وفي ركن هادئ من البيت، جلست ناميسا، شاردة الفكر، يغمرها سكون الليل وتضج بداخلها عاصفة لا تهدأ… ذلك الذي سلب قلبها منذ أن رأته، ولم تعلم أنها أيضاً قد سكنت عقله وروحه.
ابتسمت بخفوت، وراحت تحدث نفسها في صمتٍ عميق، كأنها تهمس لعقلها وقلبها:
“أيها العقل، متى اتفقت مع القلب؟
أنتم دومًا في خلافٍ لا ينتهي… صراعكما لا يخمد أبدًا.
متى توافقتما على أمرٍ واحد؟
أيها العقل، لطالما سخرتَ منه، وها هو القلب لا يصغي إليك!
هل يمكن أن تكونا، أخيرًا، متفقَين على السبب ذاته؟
لماذا لم يعاتبني أحد منكما على اختياري؟
هل أنتما مستعدان لخوض هذه المغامرة؟
أنا وعقلي وقلبي… جميعنا اخترناك، يا عز…
فأنت وحدك من تسكنه روحي.”
قطع شرودها دخول نرمر إلى الغرفة، بابتسامة خفيفة وصوت هادئ داعب سكونها:
“الجميلة… بماذا تفكر؟”
ارتبكت قليلاً، فابتسمت بخجل وقالت:
“لا… لا شيء يا أخي.”
حدّق فيها نرمر بمكرٍ أخوي:
“هل تخفين شيئًا عن أخيكِ؟!”
أخفضت عينيها حياءً، تتوارى خلف خجلها العذب، فابتسم بمودة:
“ولمَ الخجل؟!”
وما إن كادت تتحدث ، حتى دوّى في الأرجاء صوتٌ عالٍ، وضحكاتٍ متداخلة، وكلماتٍ متشابكة لا يُفهم منها شيء. التفتا معًا، فإذا بها مريم، تقتحم المكان بعفويتها المفرطة.
“يا عروسة… يا عروسة… أنا العريس!”
حدقت ناميسا فيها بدهشة، كمن فُجع من هول المفاجأة، بينما مريم تردد وهي تهز رأسها:
“إيه ده! محدش بيقول ورايا ليه؟! بغني لوحدي أنا ولا إيه؟!”
خرجت ريم ونور من غرفتَيهما، وقد كانتا على علمٍ مسبق بما حدث، فقد حرصت مريم على أن تطلعهما على آخر الأخبار بمكالمة جماعية فور انتهاء عز من حديثه..
مريم وهي تترنم بمرحٍ:
“يا مرحبا… يا مرحبا… أدي الزين وأدي الزينة!”
همست نور، مازحة:
“يا حول الله يا رب… كنت سايبها بعقلها، إيه اللي حصل؟!”
نظر حابي إلى الجميع بنظرة تحمل كل معاني الرضا والاستسلام:
هو اللي يعاشر مريم… يفضل طبيعي؟! ولا حتى ريم… ثلاثي المرح كامل!”
ضحكت ريم، وقالت بثقة:
“إحنا ناس فرفوشة… النكد مش لينا فيه.”
هتفت مريم، وهي تلوّح بيديها أمام وجه ناميسا:
ها، رأيك إيه يا عروسة؟!”
سألتها ناميسا، بذهول:
رأيي في إيه؟!”
ردّت مريم بجدية مصطنعة:
“لون الفستان… أخضر تفاحي ولا نخليه أبيض وخلاص؟!”
ازدادت دهشة ناميسا، فتطلعت إلى الجميع تبحث عن تفسير، فقاطعتها مريم بحماس:
“مش وقت استغراب! عز طلب إيدك من أخوكِ اللي واقف هناك… وأنا وافقت.”
انفجر نرمر ضاحكًا:
“يعني هو طلب إيدها من حابي… وأنتِ وافقتِ؟!”
رمقته مريم بنظرة تهديد:
معترض؟! حساك معترض!”
رفع نرمر يديه مستسلمًا:
“وأنا أقدر؟!”
أعلنت مريم قرارها وكأنها ملكة في بلاطها:
“يلا… أنا قررت! هنعمل جواز جماعي، حد معترض؟ لا؟ يبقى على خير!”
ضحك عز وهو يهمس بخفوت:
“مريم مش بتاخد رأي حد… هي بتقول المعلومة، وإحنا ننفذ.”
صفقت مريم بسعادة:
“صدق يا عز… إنت الوحيد اللي فهمتني بسرعة.”
هتفت ريم، متذكرة أمرًا مهمًا:
“يا جماعة… البحث بتاعي لازم يتسلم بكرة!”
رفعت مريم شعار التضامن فورًا:
“يلا يا جماعة… كلنا نمد إيد العون لريم. الإنسان مالوش غير أخوه الإنسان! يلا نساعد ريم في البحث.”
ضحك الجميع، فقال خالد مع ابتسامة:
“فظيعة في الإقناع يا مريم!”
غمزت مريم بعفوية:
“شوفت يا خالد؟! أقنعت عز إزاي؟!”
ضحك خالد وقال:
“أنتِ هتقوليلي! دايمًا مقنعة.”
أردفت مريم بحيوية:
“يلا… نحضر الأكل، الناس جعانة.”
قال حابي وهو ينهض:
الأكل جاهز من بدري… مريم دايمًا مستعدة لأي مفاجآت.”
ضحكت نور:
“مفيش زي مريم…”
صرخت مريم مازحة:
“كفاية بقى، لحسن أصدق! يلا ناكل، وورانا بحث وتجهيز للفرح!”
سألت ناميسا ريم بفضول:
“بحثك عن إيه يا ريم؟!”
ابتسمت ريم، ثم بدأت تشرح، بينما الجميع يصغي بتركيز:
المجنونة والمقبرة: بحثي عن السحر
السحر في الحضارة المصرية القديمة كان الوسيلة الوحيدة التي يلجأ إليها الناس، حين تعجز الوسائل الطبيعية عن العلاج أو دفع الأذى، مثل مداواة الأمراض أو تحييد أثر لدغة الأفاعي.
السحر، في مفهومهم، لم يكن مجرد وسيلة، بل نظام كامل له قواعد صارمة، يتقنه السحرة بعناية.
الزيّ المُحكم، الذي يرتديه الممسوس بالسحر، كان يُعتقد أنه يمنحه قدرة خارقة… ربما يقدر به على تحطيم نظام العالم ذاته أو تغيير قدره الشخصي.
كان السحر مزيجًا بين التعاويذ والطقوس والوصفات، وكل شيء يُفعل لأجل غاية؛ سواء للعلاج أو دفع الشرور، أو حتى لفهم الحاضر وكشف أسرار الماضي.
لقد كانت فكرة التنبؤ هاجسهم الأكبر، تسيطر على أفكارهم وتحتل وقتهم.”
أنهت ريم بحثها وقدّمته إلى الدكتور المختص بعلم العادات والتقاليد المصرية القديمة، بعدما أجلت سفرها إلى اليونان بسبب زفافها المرتقب.
وفي مساء اليوم، ضجّ البيت بالضيوف، وكانت مريم، كعادتها، لا تترك مناسبة تمرّ دون مشاكستها المبهجة، تثير الضحك في كل ركن، وتترك بصمتها على كل من يمر بجوارها.
وفي زاوية هادئة، جلست ناميسا تروي قصتها لعز، الذي كان يستمع إليها مذهولًا:
“يعني إنتِ من أصل فرعوني؟!”
ابتسمت وقالت:
نعم… أنا وأخي.”
صُدم عز أكثر:
يعني نرمر أخوكي؟! طيب… وحابي؟!”
أجابت بابتسامة حنونة:
“أخي بالرضاعة… حين توفيت أمي، تبنتني الملكة باهية، وصرتُ كابنتها، وأختًا لحابي.”
ظل عز يستمع إليها بذهول لم يتوقعه يومًا… أمعقول أن يحب ويتزوج فتاة فرعونية؟! ضحك بينه وبين نفسه، وسألها بمكر:
“يعني… إنتِ دلوقتي أكبر مني في العمر؟!”
ضحكت من سؤاله الذي لم تتوقعه:
في عصري، نعم، أنا أكبر منك. أما في عصركم… فأنت الأكبر!”
قال عز، متذكرًا دهشته الأولى:
“أنا في البداية استغربت من أساميكم… قلت يمكن أجانب، يونانيين مثلًا، أسماؤهم قريبة.”
ابتسمت وقالت:
“الآن… تعرف عني كل شيء.”
رمقها بدهشة:
“يعني… ليَّ حرية الاختيار؟!”
ابتسمت بثقة:
“وأنا اخترتك.”
وقبل أن يرد، دخلت مريم فجأة، تقطع لحظتهما كعادتها:
طيب على خيرة الله! عن إذنكم… بما إنكم اخترتوا بعض، هاخد ننوسة عشان ورانا حاجات كتير نخلصها.”
تمتم عز، :
دي بتطلع منين دي؟!
ضحكت ناميسا بخفّة وهي ترمق عز بنظرات ذات مغزى، تراقب ذهوله من تصرفات مريم الغريبة عليه.
قالت مازحة، وهي تهمس إليه وكأنها تلقي عليه سرًّا:
“هتاخد عليها مع الوقت، تصرفاتها هتبقى عادية بالنسبة لك… حبة وقت بس.”
لتتابع مريم الحديث بعفويتها المعتادة، وهي تجذبهما بمرح:
— “زي ما قالت لك كده، يلا متعطلوناش بقى!”
ودخلت مريم تسحب ناميسا خلفها، في طريقهما إلى محلات فساتين الزفاف، حيث كانتا على موعد مع ريم ونور هناك. وما إن دخلن حتى علت ضحكات المكان بصوت مريم، التي لا تخلو من حركاتها طرافة مقصودة:
— “يا مليون مسا على الحلويات!”
ضحكت الفتيات، وهن يبادلنها النظرات بين إعجاب ودهشة، بينما اكتفت مريم بإلقاء نظرة لا مبالية لهن، لتكمل جولتها في اختيار الفساتين كأنها في عالم آخر، لا يعنيها من في المكان.
قالت بنبرة ساخرة، دون أن ترفع عينيها عن الفساتين:
— “إنتوا مش وش كلام حلو…”
لترد نور ضاحكة، وهي تغمز إلى ناميسا:
“الله يكون في عون أخوكي حابي!”
وقبل أن تهم مريم بالرد على كلمات ناميسا الساخرة، قاطعتها نور بفضول مفاجئ، وقد تملكتها الرغبة في كشف الغموض:
— “صح يا ناميسا، إنتوا إزاي مسلمين أصلًا؟ يعني… أنا كنت أعرف إن الإسلام ما دخلش كمت أصلًا!”
هنا توقفت ناميسا عن الحركة، وقد ارتسم على وجهها مزيج من الحنين والحكمة، وراحت تسرد حكايتها، بنبرة حملت صدى الذكريات:
زمان، وأنا بدور على أخويا نرمر، استضافتني أسرة مسلمة. عرفت منهم كل شيء عن الإسلام، عن الرحمة، عن السلام، عن التوحيد، حسّيت بحاجة جوايا بتتفتح… قلبي هو اللي اختار، مش حد أجبرني. وأسلمت بإرادتي. حتى نرمر، لما أخدوه عيلة صديق الدكتور خالد، كان بيسمع القرآن كل يوم، هو ما كانش فاهم الكلام، بس… سبحان الله، حس قلبه بيترجف مع الصوت العذب ده. ولما فاق وعرف معناه، أسلم فورًا…”
توقفت لحظة، قبل أن تتابع بابتسامة خفيفة:
“أما حابي… لما شاف مريم، وعرف إنها مسلمة، قلبه اتحرك، بس قبل ما يقول لها كلمة، قعد يدور ويسأل عن الإسلام، لحد ما اقتنع، وأسلم بإيمانه، قبل ما يفوز بقلبها.”
ثم أردفت بعفوية ناضجة:
“وده لا يقلل من أي ديانة سماوية تانية… في الآخر، كل واحد حر يختار، المهم قلبه يكون صادق.”
وفي اليوم التالي، كان كل شيء ينبض بالحياة… تجهيزات الزفاف على قدم وساق، تقودها مريم بعنفوانها المعتاد، ولا أحد يقدر على إيقافها، كأنها عاصفة من الحماس.
كانت ريم قد اختارت فستانًا ناعمًا كطبعها، مزينًا بتطريز فضي بسيط، منفوش قليلًا، يعكس هدوءها. أما مريم، فاختارت فستانًا يعكس جنونها، فستان ضخم منفوش، تزينه طرحة طويلة مبهرة، تتلألأ بألوان متداخلة كأنها قوس قزح، يصرخ بجرأتها.
أما نور، فقد اختارت فستانًا بسيطًا، يشبهها في رقتها وبساطتها، بلمسة ناعمة ومكياج هادئ كالأميرات. أما فستان ناميسا، فكان مفاجأة حقيقية، فستان فرعوني الطابع، طويل جدًا، بحزام ذهبي يلتف حول خصرها، وتنسدل منه فصوص ذهبية براقة، يزين رأسها تاج ملكي، كأنها خرجت من معابد التاريخ.
كل واحدة منهن كانت كأنها نجمة متألقة في سماء الحفل، ولكل منهن هالتها الخاصة.
انتهت التحضيرات، وحان موعد اللقاء المنتظر… لقاء القلوب.
كان أول الخارجين من صدمته، هو حابي، الذي لم يقدر على تصديق عينيه وهو يشاهد مريم، فتلقّى هيئتها بذهول تملؤه السعادة:
“أنا قلبي طاير من الفرحة!”
لترد عليه مريم ضاحكة، وهي ترفع طرف طرحتها بخفة:
“ده تأثير الطرحة!”
نظر إليها بغيظ مصطنع، بينما ضحكت هي على ملامحه المتوترة.
خلاص، خلاص، بهزر والله!”
تمتم بحنق مصطنع، وهو يشير إليها:
— “إوعي كده… فصيلة مالكيش في الرومانسية أصلًا!”
تظاهرت بالحزن، متعمدة رسم ملامح الزعل على وجهها، مما جعله يضحك على سذاجة تمثيلها:
— “مش لايق عليكِ الزعل، يا جميل.”
في الزاوية الأخرى، كان هناك عاشق آخر، لا يقوى على إخفاء مشاعره، وقد انعقد لسانه من فرط الدهشة.
سألته بخفة:
“مش عايز تقول حاجة؟!”
تمتم بحروف متقطعة، كأنها خرجت من قلبه لا من فمه:
— “إنتِ… سحرتي عيوني… مش قادر أغمضها… اشفقي على قلبي، ده خلاص…”
ابتسمت بحنو وهمست له:
— “أحبك، يا من ملكت قلبي ووجداني.”
اتسعت عيناه بذهول، غير مصدق أنه يسمع منها تلك الكلمة التي ظل ينتظرها طويلًا:
“إيييه! إنتي قلتي إيه دلوقتي؟!”
ابتسمت ببراءة، ورددت بتأكيد وهي تلمس أنفه بخفة:
“أحبك يا فرعون قلبي.”
لم يتمالك نفسه، فحملها بين ذراعيه، ودار بها ضاحكًا، وهمس بعشق لم يُخفِه:
— “بحبك يا نوري…”
نعم، الحب لا يحتاج إلى كلمات مزخرفة، بل إلى قلوب صادقة، إلى نظرات تفضح المشاعر، وتصرفات تُغني عن كل اعتراف.
الحب الحقيقي هو أن تجد الراحة في حضور من تحب، أن تجد نفسك في تفاهم صامت معه، أن يغفر لك حين تخطئ، أن ينبض قلبه باسمك، بلا تردد.
وفي زاوية أخرى، كان المشهد مختلفًا تمامًا بين ريم وخالد…
صاحت ريم بعناد، بينما تُمسك بفستانها:
— “يا بنتي يلا هنتأخر! شاورما إيه اللي عايزاها دلوقتي؟!”
ردت ريم ببراءة مصطنعة، وهي تتظاهر بالجوع:
— “ماليش دعوة، جعانة، أموت من الجوع يعني!”
خالد، وقد فقد الأمل، تمتم وهو يرفع يديه إلى السماء:
— “لا حول ولا قوة إلا بالله… عين مريم ما رشقتش غير قلبي… كنت حاسس!”
قاطعته ريم بحدة، وقد استوقفتها جملته:
— “طب ومريم جابت سيرتك عشان تجيب سيرتها؟!”
لم يكد يرد حتى سمع صوت مريم خلفه فجأة، فانتفض من مكانه، كأنها شبح ظهر من العدم:
— “أعوذ بالله! بتطلعي على السيرة!”
انفجرت ريم ضاحكة على وجهه المتفاجئ، بينما مريم تبتسم بتسلية:
“يا جماعة، مريم بتيجي في كل سيرة، خصوصًا معاك يا خالد.”
مريم، كعادتها، دخلت بجرأة:
— “خلصتوا قطع في سيرتي؟! أنا جاية أقولكم نتصور قبل ما ندخل القاعة… أنا غلطانة إني سألت أصلًا!”
رد خالد بمبالغة، واضعًا يده على قلبه:
— “لأ يا طيبة… يا أميرة… قلبي الصغير لا يتحمل حنانك ده!”
ضحكت مريم بسخرية خفيفة، ثم قالت وهي تلوّح بيدها:
— “صدقني يا خالد، طول ما أنت بتتريق عليا، لا هتكسب ولا هتخسر… ومتسألش إزاي!”
ضحك الجميع، لكن خالد لم ينسَ أن يعقّب بتهكُّم:
— “يعني بالله عليك، في عروسة تطلب أكل يوم فرحها؟!”
لترد مريم بجدية مرحة:
— “آه، عادي جدًا… ريم!”
نظر إليها بدهشة، ثم غادر وهو يردد:
— “لا أنا شكلي اتخدعت… كان لازم أعرف من البداية، طالما في مريم يبقى مفيش حاجة اسمها مفاجأة!”
ضحكت ريم، ثم أمسكت بذراعه برقة:
— “استنى بس… هفهمك، تعال… خلاص مش عايزة أكل.”
همس خالد وهو يضحك بحنق مصطنع:
— “ريم الكيوت تطلع كده! لا، أنا شكلي اتخدعت رسمي.”
ثم تمتم، وهو يبتسم وهو يرى مريم تقترب منهما مجددًا:
— “يا دي مريم… اللي في كل جملة تطلع في السيرة! أنا خلاص… سيبهالكم بقى.”
وضحك الجميع، واصطحب خالد ريم نحو البوفيه، حيث استسلم أخيرًا لرغبتها في الطعام… في يوم فرحها
اقرا المجنونة والمقبرة الفصل الثامن من هنا
اكتشاف المزيد من عوالم من الخيال
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.


