الوعاب أبو ديل

الوعاب أبو ديل همس النار وبداية اللعنة

الوعّاب الأسطوري في الغابة المظلمة – مشهد رعب نفسي غامض
الوعاب أبو ديل

كان الليل ساكنًا إلا من أنفاس الريح وهي تزحف فوق الرمال ككائنٍ خفي يبحث عن أثر قديم النار تتراقص في فناء البيت الطيني ووجوه الجدّات تتبدل بين الضوء والظل كأن كل واحدة منهن تخبئ حكاية لا يجوز أن تُروى إلا همسًا في القرى البعيدة في اليمن وعلى أطراف الجزيرة العربية وحتى في بعض مناطق السودان ومرتفعات إثيوبيا تتكرر الحكاية نفسها بصيغ مختلفة لكن المخلوق واحد يشبه الإنسان حد التطابق يعيش بين الناس يتكلم لغتهم بلهجتهم يضحك كما يضحكون ويغضب كما يغضبون لكنه يخفي تحت ثيابه ذيلًا طويلًا لا يظهر إلا إذا اطمأن أو إذا شعر أن سره انكشف يسمونه الوعّاب ويؤكد البعض أنه انقرض منذ مئة عام لكن لا أحد رأى قبرًا له ولا عظامًا ولا أثرًا يدل على نهايته

الجدة زينب تميل نحو حفيدتها وصوتها ينخفض حتى يكاد يختلط بصوت النار

سمعتي قبل كده عن الوعاب

فتحت الطفلة عينيها بفضول ممزوج بالخوف

هو مين يا تيته

هو اللي يشبهنا بس مش مننا ولو ناداك باسمك بالليل مترديش

عشان لو رديتي يعرف إنك شايفاه

تسألت طفلة أخرى بصوت مرتجف

هو بيخطف الناس

هزت الجدة رأسها ببطء

لا هو ما بيخطفش هو بيستبدل

الصمت سقط فجأة فوق الحلقة الصغيرة كأن الهواء نفسه توقف ليستمع

الوعاب أبو ديل دفتر الجدة والاسم المنطوق

مرت السنوات وكبرت سلمى باحثة في التراث الشعبي كانت تؤمن أن الأساطير مجرد خوف قديم يتناقل عبر الأجيال حتى عثرت على صندوق خشبي قديم في بيت جدتها بعد وفاتها الصندوق كان مغلقًا بقفل صدئ كأن أحدًا تعمد ألا يُفتح إلا في وقت محدد داخل الصندوق دفتر بجلد داكن وصفحات صفراء ورائحة تشبه الغبار الممزوج بأسرار طويلة

كانت سلمى تقرأ في إحدى الصفحات أن الوعّاب لا يظهر إلا لمن يبحث عنه وأنه إذا ناداك بصوت شخص تحبه فلا تلتفت لأن الصوت ليس صوته بل صوته هو وأن العلامة الأولى لوجوده ليست الذيل بل المعرفة فهو يعرف عنك أكثر مما تعرف عن نفسك

أبتسمت بسخرية خفيفة

يعني مخلوق خارق وكمان مثقف

في تلك اللحظة يأتيها الهمس واضحًا خلف أذنها

سلمى

الصوت مطابق تمامًا لصوت أمها التي كانت مسافرة منذ أيام تجمدت في مكانها وبرودة غريبة تسللت إلى أطرافها لم يكن النداء عاليًا لكنه كان قريبًا جدًا قريب لدرجة أنها شعرت بأنفاسه على رقبتها

ماما

لا إجابة

تلتفت ببطء فلا تجد أحدًا لكن الباب كان مفتوحًا قليلًا والستارة تتحرك بلا ريح والساعة على الحائط توقفت عند الثانية عشرة تمامًا

الوعاب أبو ديل الرجل الذي لا يخطئ

خرجت إلى الشارع والظلام يبتلع التفاصيل رأت رجلًا يقف عند نهاية الزقاق ملامحه عادية جدًا عادية لدرجة تثير الريبة وجه لا يُحفظ ولا يُنسى تقدم خطوة نحوها وابتسم ابتسامة لا تُفهم

إنتي بتدوري عليا

أنا معرفش حضرتك

بس أنا أعرفك كويس

تعرفني منين

من حكاياتك ومن خوفك ومن الدفتر اللي في أوضتك

شعرت أن قلبها يسقط في فراغ بلا نهاية

اسمك إيه

على حسب إنتي عايزة تسميني بإيه

صوته كان بلهجة الحي نفسها بنفس النبرة الشعبية بنفس الكلمات التي يستخدمها الجيران لا اختلاف ولا خطأ وكأنه ولد بينهم وتربى في بيوتهم

رفعت عينيها لتثبت نظرتها فيه فارتفعت عباءته لحظة قصيرة كأن الهواء تعمد كشفه ورأت شيئًا يمتد خلفه ثم يختفي ذيل رفيع يلامس الأرض ثم يعود تحت القماش

إنت مش إنسان

هو الإنسان إيه غير شكل

بيقولوا إنكم انقرضتوا

اللي بينقرض بيبقى له قبور شفتي قبورنا

اقترب خطوة أخرى حتى كادت تشم رائحة تراب قديم في أنفاسه

إحنا ما بنموتش إحنا بنبدل جلدنا ونعيش باسم جديد

الوعاب أبو ديل رحلة البحث عن السلالة

لم تستطع النوم بعدها قررت أن تبحث سافرت بين قرى بعيدة تسجل شهادات متشابهة رجل في الجنوب يؤكد أنه عاش بجوار جار لم يشيخ يومًا امرأة مسنة في قرية نائية تحكي أن زوجها اختفى ليلة عرسهما وعاد بعد عام بشخصية مختلفة وعينين أبرد شيخ في أطراف الصحراء يهمس بأن الوعّاب ليس واحدًا بل سلالة تدخل بين البشر جيلاً بعد جيل وكل جيل يصبح أقرب إلينا من السابق حتى يأتي يوم لا نستطيع فيه التفريق

سألته سلمى

إزاي نعرفهم

مش هتعرفي غير لما يبقى الوقت فات

يعني إيه

يعني لما تكتشفي إنك منهم أو إن حد قريب منك منهم

كلماته سكنت داخلها كرصاصة بطيئة

الوعاب أبو ديل العودة والظل

رجعت إلى بيتها مثقلة بالأسئلة وقفت أمام المرآة تحدق في عينيها طويلًا شعرت أن نظرتها لم تعد كما كانت كأن شيئًا خلف الحدقة يتحرك ببطء طرق الباب بخفة فتحت لتجد أمها واقفة تبتسم ابتسامة لم ترها من قبل

رجعتي امتى

أنا كنت هنا طول الوقت

إزاي وإنتي مسافرة

مش كل سفر بيبقى بعيد

احتضنتها الأم لكن البرودة التي تسللت إلى جسدها لم تكن طبيعية كانت كأنها تحتضن جسدًا بلا حرارة

بينما كانت تغلق الباب رأت ظلًا خلف أمها ظلًا له امتداد طويل يتحرك ببطء على الأرض رفعت رأسها ببطء شديد وعينا أمها تلمعان ببريق غامض

إحنا مش منقرضين يا سلمى إحنا بنتوارث

بنتوارث إيه

القدرة على البقاء

تراجعت خطوة

إنتي مش أمي

الأم تبتسم بهدوء

وأنا مين قال إني مش هي

الوعاب أبو ديل التحول

في تلك اللحظة شعرت سلمى بشيء يتحرك خلفها التفتت بسرعة ولم تر شيئًا لكن إحساسًا غريبًا امتد أسفل ظهرها كخيط بارد يتشكل ببطء ألم خفيف ثم دفء ثم إحساس بالثقل اقتربت من المرآة مرة أخرى وحدقت في انعكاسها طويلًا

أمي أنا مش فاهمة حاجة

مفيش حاجة تتفهم دي حاجة تتقبل

انعكس في المرآة ظلها واضحًا ظل طبيعي تمامًا إلا من امتداد رفيع يكاد لا يُرى يتحرك بخفة كأنه يتعلم كيف يختبئ

قالت الأم بصوت أعمق

إحنا بنختار واحد في كل جيل يعيش بنصه البشري ونصه التاني يفضل ساكت لحد ما ييجي وقته

وأنا

وقتك جه

دمعت عيناها

يعني أنا مش إنسانة كاملة

الأم تقترب وتمسح دموعها

إنتي أكتر من إنسانة

الوعاب أبو ديل النهاية ام البداية

الليل يعود كما بدأ ساكنًا لكن سلمى لم تعد كما كانت تمشي في الشارع وابتسامتها هادئة نظرتها أعمق تستمع إلى همسات لا يسمعها غيرها تمر بجوار الجيران فيحيونها بشكل عادي جدًا لا أحد يرى شيئًا مختلفًا لكن الكاميرا تنخفض ببطء نحو الأرض حيث يتحرك ظلها خلفها طبيعي تمامًا إلا من امتداد رفيع ينساب بخفة ويتلاشى كلما اقترب الضوء

ويمر رجل عادي جدًا من جوارها يلتفت إليها للحظة ويبتسم ابتسامة مألوفة

تبادله الابتسامة

في مكان بعيد تجلس جدة جديدة تحكي لحفيدة صغيرة نفس الحكاية

سمعتي قبل كده عن الوعاب

والطفلة تهمس بخوف لذيذ

هو لسه موجود

الجدة تنظر نحو الظلام وتبتسم

هو عمره ما مشي

اقرأ حواديت رمضانية من هنا 

للمزيد من القصص والمقالات


عوالم من الخيال


اكتشاف المزيد من عوالم من الخيال

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

اترك رد