رواية كل واحد عنده سر
كـل واحـد عنـده سـر
كـل واحـد عنـده سـر: كسور لا تُرمَّم

حياة جريت عليه حاولت تمسك إيده بس إيديها كانت بترتعش والصوت اللي طالع منها مهزوز زي قلبها
إنت إنت محبتنيش كفاية محبتنيش لدرجة تثق فيا وتعرفني سرك
مراد هزّه كلامها لحظة بس اتماسك بسرعة ورسم على وشه برود موجع
معلش بكرة تخفي أصل في كلام محتاج إحساس وانتي ما شاء الله معدومة الإحساس قلتلك اسمعيني اديني وقت مدّيتلك إيدي زقتيني بعنف ومشيتي وأنا اللي يسيبني في عز محنتي ما برجعوش ولو جابولي من الورد أطنان
حياة كانت بتتكلم وراه كلامها بيجري كأنها مش سامعاه
أنا قلتلك طمّني صارحني بس انت فضّلت السكوت
مراد تنهد بصوت عالي نفَسه طالع تقيل من صدره
قلتلك فيه مليون كلام مش محتاج شرح محتاج بس إيد تطبطب في عز المحن؛ سكتوا لحظة قصيرة بس تقيلة؛ السكوت كان أعلى من أي صوت؛ وحياة واقفة قدّامه حاسة إن كل خطوة رجوع اتأخرت؛ ومراد واقف ثابت بس جواه وجع اتقال واتكسر خلاص وما ينفعش يتلم تاني؛ سيف ما استحملش حدّة الصوت ولا التوتر اللي بقى مكهرب الجو دخل بينهم بخطوة سريعة وصوته حاول يخليه ثابت
انسه حياة ممكن تروحي دلوقتي تكون الأمور هديت
حياة بصّت له وبعدين لمراد نظرة أخيرة فيها ألف كلمة ما اتقالتش ولا هتتقال وسابت المكان بخطوات متلخبطة كأن الأرض مش ثابتة تحتها
سيف شد مراد من إيده من غير ما يستنى رد وركبوا العربية سيف في الكرسي اللي جنب السواق ومريم وچيسي ورا
العربية اتحركت والسكوت كان تقيل أكتر من أي كلام مريم كانت باصة من الشباك بتحاول تبلع غصة جواها وسيف سايق وهو مشدود ومراد عيونه قدامه بس باله في حتة تانية
چيسي كانت ساكتة بس عقلها ما كانش ساكت ابتسمت ضحكة موجوعة خفيفة وكأنها بتضحك على نفسها قبل أي حد وسابت الأفكار تطلع على شكل همس
هل الموقف اللي أخدته كان صح لما سبت كل حاجة ورايا بسبب عدم الثقة
نفَسها اتقطع شوية وكملت جواها
الثقة اللي بتنهدم صعب ترجع الثقة مو حق مكتسب وأنا عطيتها ياها وهو أخدها أمر مسلم به مع إنو المفروض الثقة بتتبنى مو بتكتسب
بصّت قدامها بعين لمعت من غير دموع
ربنا يسامحك يا فادي خلتني ما عاد أوثق بحدا
مريم لفّت لها بهدوء وحطت إيدها على إيدها من غير كلام اللمسة كانت أصدق من أي نصيحة وسيف من قدّام قال بصوت واطي كأنه بيكلم نفسه
اللي يتكسر جوا الإنسان مش دايمًا بيتصلح بس ممكن نتعلم نعيش بيه
مراد سكت أكتر بس قلبه كان تقيل وهو حاسس إن كل واحد في العربية دي شايل وجع شبه التاني بس بأسماء مختلفة والعربية كملت طريقها في ليل طويل كله أسئلة من غير إجابات واضحة
كـل واحـد عنـده سـر: بين الغرق والنجاة
سرح مراد في ذكريات حادثة الغواصة مع حياة، والماية حواليه ما كانتش بس بحر… كانت خوف وقرارات مصيرية. هزّ راسه بنفي متكرر، ودموعه كانت مشاركة نبرة صوته، مخليّة الكلام يطلع شبه عياط مكبوت:
كنتي عارفة. لو قاومت، الخطر هيبقى عليكي إنتِ. يا موتي يا موتك وأنا اخترت أموت عشان إنتِ تعيشي.
حياة كانت عينيها متعلّقة بعينيه، بتدور جواهم على إجابة تطمّنها:
مين دول يا مراد؟ ليه عايزينك تموت؟ ومين باعتهم؟
مراد حاول ينطق، بس رجله المصابة ابتدت تصرخ من الماية اللي دخلت الجرح، وجسمه كله بيتحامل عشان يرفعها وما تغرقش، وكلامه متلخبط ومش عارف يرتّبه:
هقولك كل حاجة بس مش دلوقت مش دلوقت يا حياة. نخرج الأول أخرجك من الظلمة دي.
حياة بصّت له بنظرة تايهة، وهو كان باصص في عينيها بقوة، شايف جواهم خليط يوجع: خوف وغضب وحيرة وشك ولهفة وحب وأمل وخيبة أمل كلهم مع بعض. ما عرفش يواجه كل ده. دلوقت مش وقته. المهم يطلعوا.
شدّ نفسه، رفعها لفوق، وتقدّم بيها في الماية. كل ما جسمها يرتخي وتنسحب لتحت، يتحامل أكتر ويرفعها بلهفة. عينه بتلف حواليه، يستنجد بأي أمل، بأي ضيّ… مفيش. الوقت كان بيجري وهو بيعمل كل حاجة في نفس اللحظة.
ابتدت تغيب عن الوعي. ثبّت فيها بجنون، وميل عليها وشالها على صدره زي طفل صغير. حركته بقت أسرع، قلبه بيدق بعنف، وبيفوقها لحظات وترجع تغمض بإعياء. ضمّها أكتر، كأنه عايز يدخلها جواه.
حسّ إن كده مش هيوصل. حاول ينزّلها في الماية. أول ما حست، تعلّقت برقبته بقوة. ابتسم غصب عنه رغم الموقف:
قولتلك مش هسيبك… قولتلك متخافيش معايا. ليه مش عارفة تثقي فيا؟
ما ردّتش. نزلها بحذر وهو ماسك وسطها. وفي حركة سريعة قلب جسمه في الماية، وشه للماية وضهره للسما، وشدّها فوق ضهره. ثبتت عليه. الحركة بقت أخف، وأسرع.
امسكي فيا… متقلقيش. امسكي جامد يا حياة… أوعي تسيبيني.
الليل تقريبًا كله عدى وهم كده. لحد ما أذان الفجر شقّ صمت الجو. صرخة مراد طلعت مكتومة من قلبه:
يارب.
النهار ابتدى ينور، والشمس فردت نورها عليهم. حسّ بطمأنينة غريبة، مش عارف من النور ولا من الشط اللي ابتدى يبان بعيد قدام عينيه. تقدّم، وكل ما التعب يقرب، عقله يفكّره إنها على ضهره… وإنه لو وقع، هي تقع معاه.
قربوا فعلًا من الشط. كذا حد لمحهم. ناس نزلت الماية، ولنش صغير اتحرك ناحيتهم. لما وصلوا، حاولوا يشيلوها من على ضهره. مراد، رغم إن الموقف ما يستحملش، رفض حد يلمسها.
في حركة هادية نزلها جنبه في الماية، رفعها على طرف اللنش، واتحدفت لجواه. كتم صرخة الألم اللي طلعت منه، ونط وراها. أول ما رجله لمست أرض اللنش، حسّ إن كل اللي كان ماسكه فيه بدأ ينهار… بس كان مطمّن. هي برّه. هي عايشة. والباقي… بعدين.
كـل واحـد عنـده سـر: حين تذكَّر الطريق إلى الله
اتحرّكوا بيه لحد ما خرجوا من الماية، وطلعوه على الشط. نزّلوه على الرمل، وجسمه كان بين الإفاقة والغياب، بس عينه كانت معلّقة عليها. ما سمحش لنفسه يغيب غير لما اطمن إنها كويسة، مفيهاش كسور ولا إصابات خطيرة، بس إرهاق وخضة كبيرة.
ساعتها بس، الألم قرر يطلع.
رجله صرخت.
النزيف كان واضح، والدم مختلط بالماية والرمل كأنه بيعلن عن نفسه بعد إذن متأخر.
قرب منه راجل وقال بلهجة حاسمة:
تعالى أوديكوا مستشفى.
مراد فتح بُقه يرد، بس بدل الكلام سأل:
معاك موبايل؟
الراجل إداله الموبايل، ومراد وقف بالعافية، مشي خطوتين بعيد عنهم، واتصل مرة… قفل. اتصل تاني… سكت شوية. رجع إدّى الموبايل للراجل:
متشكر.
الراجل بص له باستغراب:
كلمت حد ييجي ياخدكوا على المستشفى؟
مراد كان كأنه ناسي تمامًا إنه محتاج مستشفى، أو ناسي نفسه أصلًا:
ها؟
بص على رجله كأنها حاجة غريبة عنه:
مش لازم دلوقت.
الراجل اتفزع:
مش لازم إيه؟! إنت رجلك بتنـزف ومتعوّرة، والماية المالحة دخلت الجرح… كده هتتأذي جامد. أمال كنت بتكلم مين؟
مراد ما ردّش. سكت، وعقله سرح في حتة تانية خالص.
في كلمة بتتقال وقت الضيق،
وفي دعوة لما الطرق تقفل،
وفي نور بيظهر لما تقول: يا رب.
افتكر فجأة إنه في لحظات كتير نسي ربنا من حساباته،
وافتكر أكتر لحظة افتكره فيها ولجأ له،
إزاي الطريق اتفتح، وإزاي النجاة جات من حيث لا يحتسب.
مدّ إيده تاني وخد الموبايل، وكلم سيف.
صوته كان هادي بس مخنوق، حكى له بسرعة:
فيه بلطجية طلعوا عليّ في الماية… نفدت منهم بالعافية.
وفيه واحدة كانت معايا… حياة.
سيف ما سألش. قفل وجري.
بعد شوية، عربية وقفت قدام المستشفى بشكل عشوائي.
سيف نزل منها يجري، قلبه سابقه.
كان متوقع يشوف مراد على سرير أو على نقالة.
لكن اتفاجئ بيه واقف قدام باب المستشفى.
من غير تمهيد، مراد ارتمى في حضنه.
حضنه جامد، طويل، حضن واحد كان شايل الدنيا لوحده وسابها أخيرًا.
سيف مسكه بقوة، وصوته كان قلق وعتاب في نفس الوقت:
ليه بعدت كده؟ ليه صمت؟ ليه تكمل لوحدك؟
قولتلك أنا واثق فيك…
بس مش واثق في الظروف، ولا في الدنيا اللي بتتخبط بينا.
قولتلك شاركني، بس إنت دايمًا…
مراد غمّض عينه في حضن صاحبه، وقال بصوت واطي مكسور:
كنت فاكر إني لوحدي أقدر.
نسيت إن القوة مش في إنك تستحمل لوحدك…
القوة إنك تقول تعبت.
شدّه سيف عليه أكتر وقال بحزم حنين:
ولا عمرك لوحدك يا مراد.
ولا عمرك.
كـل واحـد عنـده سـر : العودة إلى الملاذ
فاق مراد من دوّامة ذكرياته على صوت سيف وهو بيهزّه بخفة، وصوته مليان راحة بعد قلق طويل:
حمدالله على سلامتك يا باشا… وصلنا البيت.
مراد لفّ وشه ناحيته، ولسه ملامحه معلّقة بين اللي فات واللي حصل، وقال بصوت واطي كله امتنان حقيقي:
مش عارف أقولك إيه يا سيف…
الكلمة قليلة، والوجع أكبر من الشكر.
سيف ابتسم ابتسامة خفيفة، وحاول يكسر التقيلة اللي في الجو بهزار متعمّد:
ولاه ولاه، متُمثّـلش عليّ.
إنت لو قلت كلمتين حلوين أكتر من كده أفتكرك داخل مشهد درامي.
يلا انزل وروّح ارتاح بقى.
مراد ضحك غصب عنه، ضحكة تعبانة بس صادقة. فتح باب العربية بالعافية، وقف لحظة قبل ما ينزل، وبص لسيف نظرة طويلة فيها كل اللي ما اتقالش.
صُحبة عمر… وقت الجد ما بتتكلمش، بتقف.
سيف لوّح له بإيده:
ادخل نام يا بطل…
وبلاش عناد. رجلك مش ناقصة.
مراد هزّ راسه، قفل الباب، وسيف اتحرّك بالعربية واختفى في الشارع الهادي.
طلع مراد السلم خطوة خطوة، جسمه تقيل وروحه أتقل. فتح باب شقته، أول ما دخل حس إن الهدوء هجم عليه فجأة. رمى المفاتيح، سند ضهره على الباب، ونفَسه طلع تقيل كأنه كان ماسكه طول الطريق.
ساب نفسه ينزلق على الأرض، قعد ثواني، وبعدها قام بالعافية. كل ركن في البيت كان شاهد على تعب ما اتقالش.
دخل أوضته، وقع على السرير من غير ما يبدّل هدومه، وسقف الأوضة كان آخر حاجة شافها.
غمّض عينه، والليل أخيرًا سمح له ينهار.
بس المرة دي… وهو عارف إنه مش لوحده.
كـل واحـد عنـده سـر: المفاجأة التي كسرت القلب
في نفس الليلة، وبينما مراد غارق في نوم متقطّع، كانت چيسي ترجع بذاكرتها غصب عنها. الذكريات ما استأذنتش، دخلت مرة واحدة، بنفس الوجع القديم اللي عمره ما خف.
همست بصوت واطي، كأنها لسه شايفاه قدامها:
اشتقتلك يا حب…
غمضت عيونها بكل ما تبقّى من حنين، وابتسمت ابتسامة دافية من زمن فات:
وأنا بالأكتر يا عمري… لوين بدك تاخدني اليوم؟
صوته رجع لها واضح، مليان لهفة… أو هي كانت فاكرة كده:
رح سويلك مفاجأة يا حياتي.
وقتها قلبها دق بسرعة، وما خطرش على بالها إن المفاجأة دي هتكون الكسر النهائي.
الصورة اتغيّرت فجأة. مكان غريب، معتم، ريحته خوف. وقفت وهي بتلف حواليها بعينين مرعوبتين:
شو هاد المكان يا فادي؟ لوين جبتني؟
فادي بصّ لها بنظرة ما شافتش زيها قبل كده. نظرة خبث وكره طالعة من عمق أسود:
هاد المكان يلي رح خلي أهلك يتجبّروا يوافقوا على زواجي منك.
يابنت الأكابر… مشان أهلك يبطلوا هالعنجهية ويحكولي مانك قد المقام، يابنت الذوّاد.
الكلمات نزلت عليها زي السكاكين. نفسها اتخنق في صدرها. حاولت تصرخ، الصوت خانها. رجعت خطوة، وقلبها بيضرب في ودانها. عينها وقعت على طوبة مرمية على الأرض. ما فكّرتش. الغريزة اشتغلت.
مسكت الطوبة بكل قوتها، ورفعتها، وضربته على راسه.
وقع. سكت. فقد الوعي.
وقفت ثواني مش مصدّقة اللي عملته، وبعدين جريت. جريت وكأن الشيطان وراها. سابت المكان، سابت أهلها، سابت بلدها كلها وراها.
وفي لحظة واحدة، اتولدت چيسي تانية…
مش البنت اللي كانت بتحلم بحب وأمان،
لكن واحدة بتجري من الخوف،
ونازلة على مصر،
شايلة معاها قلب مكسور،
وثقة مدفونة،
ووعد صامت إنها عمرها ما تسيب نفسها تقع في الفخ ده تاني.
يتبع…!
اقرأ الفصل الثالث من كل واحد عنده سر من هنا
اكتشاف المزيد من عوالم من الخيال
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.



بتجنن يا المتألقة ناطر باقي الاجزاء كاتبتي ❤️❤️
متل جنانك ❤❤❤❤