أحببني فلسطيني

أحببني فلسطيني وعد بين الركام

السماء كانت مغيمة بلون رمادي تقيل كأنها شايلة وجع الأرض تحتها والهواء ماشي ببطء يشيل ريحة تراب وحريق مختلطة بصوت بعيد لحد بيكسر الصمت بين حين والتاني المكان حوالين ليان كان متغير بشكل يخوف البيوت اللي كانت مليانة حياة بقت جدران مهدومة والشبابيك اللي كانت بتنور الليل بقت فتحات فاضية بتبص على الفراغ كل حاجة هنا كانت بتحكي حكاية فقد

ليان كانت واقفة جنب سعد إيديها الصغيرة ماسكة طرف هدومه كأنها خايفة تسيبه لحظة عينيها بتلف حوالين المكان بتشوف الدمار بعين طفلة مش فاهمة كل التفاصيل بس حاسة بكل الوجع اللي في الجو قلبها الصغير استوعب إن في حاجة كبيرة اتكسرت حتى لو عقلها مش قادر يفهمها

عدت لحظة وهي ساكتة بتبص لقدام وبعدين رفعت وشها لسعد وعينيها فيها حزن أكبر من سنها وصوتها طلع واطي مهزوز كأنه شايل ألف سؤال

“إيمتى بتتحرر بلدنا يا بابا؟”

السؤال وقف الزمن لحظة سعد بص لها وسكت كأن الكلمة خبطت في قلبه مش مجرد سؤال ده وجع متخبي في صوت طفلة شايفة بلدها بتتوجع قدامها ومش عارفة تعمل حاجة

قعد على ركبته قدامها علشان يبقى في نفس مستواها عينه كانت فيها تعب سنين لكن لما بص لها حاول يبتسم ابتسامة تطمنها حتى لو هو نفسه محتاج اللي يطمنه رفع إيده ومسح على شعرها بحنان

“قريب يا حلوتي… وعد الله حق”

قالها بثقة حاول يزرعها جواه قبل ما يزرعها فيها لكن صوته رغم هدوءه كان فيه رجفة خفيفة اللي عاشه خلاه يؤمن إن الطريق طويل بس برضه خلاه يتمسك بالأمل علشان خاطرها

ليان بصت له لحظة كأنها بتدور في عينه على إجابة أصدق من الكلام وبعدين قالت بهدوء

“بس كل حاجة مكسورة… هنرجعها تاني؟”

الكلمة كانت بسيطة لكن معناها كبير سعد حس بيها دخلت قلبه زي سهم بس ما بينش ده شد نفسه وقربها منه أكتر

“هنرجعها… بإيدينا… حجر حجر”

بصت حواليها تاني وعيونها وقفت على بيت مهدوم كانت واقفة قدامه كأنه كان بيت حد تعرفه أو يمكن بقى رمز لكل البيوت اللي ضاعت

“والناس اللي مشيت؟ هترجع؟”

السؤال كان أصعب من اللي قبله سعد سكت لحظة طويلة مش لاقي إجابة يقدر يقولها لطفلة بريئة من غير ما يكسرها أكتر

خد نفس عميق وقال بهدوء فيه وجع متخبي

“اللي مشي عند ربنا يا ليان… بس بيفضل جوانا… في قلبنا وفي حكاياتنا”

ليان نزلت عينيها وبقت ساكتة شوية كأنها بتحاول تفهم فكرة إن في ناس بتمشي ومابترجعش بس بتفضل موجودة بشكل تاني

الهوا عدى عليهم تاني المرة دي كان أبرد سعد شدها لحضنه أكتر وكأنه بيحاول يحميها من كل اللي حواليها مش بس من البرد من الحقيقة نفسها

“بابا…”

“قولي يا قلبي”

“إنت زعلان؟”

سعد ابتسم ابتسامة صغيرة رغم الوجع اللي جواه

“شوية… بس لما أشوفك بنسى”

رفعت وشها ليه بسرعة وقالت بعفوية

“أنا مش عايزاك تزعل”

ضحك بخفة ومسح دمعة كانت هتنزل من غير ما يحس

“وأنا كمان مش عايزك تزعلِ”

بصت له بثقة طفلة شايفة بطلها الوحيد وقالت

“طب إحنا هنفضل سوا صح؟”

سعد حضنها بقوة المرة دي وكأن السؤال ده هو اللي بيخوفه أكتر من أي حاجة لكنه رد من غير تردد

“طول ما أنا عايش… هفضل جنبك”

سكتت وهي في حضنه وحطت راسها على صدره تسمع دقات قلبه يمكن علشان تطمن إن لسه في حاجة ثابتة في عالمها اللي بيتكسر

عدت لحظة طويلة وهو واقف شايلها وباصص لقدام مش شايف الدمار بس شايف اللي ممكن يتبني من جديد شايف مستقبل بيحاول يصدقه علشانها

“بابا…”

“نعم”

“لما البلد تتحرر… هنزرع ورد؟”

ابتسم ابتسامة صادقة المرة دي وقال

“هنزرع ورد… ونبني بيوت… ونضحك تاني”

رفعت راسها وبصت له بفرحة بسيطة وسط كل الحزن

“بجد؟”

“بجد يا ليان”

حضنته أكتر وقالت

“أنا مستنية اليوم ده”

غمض عينه لحظة وهو حاضنها وقال في نفسه قبل ما يقولها

“وأنا كمان…”

السماء فوقهم كانت لسه رمادية لكن في حتة صغيرة فيها نور خفيف بدأ يظهر يمكن وعد يمكن أمل أو يمكن بداية حكاية لسه هتتكتب من أول وجديد

أحببني فلسطيني وعد ما اتقالش

كانوا واقفين بعيد شوية يراقبوا المشهد بصمت وكأن المسافة بينهم وبين العالم هي المساحة الوحيدة اللي لسه فيها أمان الجو كان هادي على غير العادة بس الهدوء ده كان مليان كلام متخبي ونبضات قلب بتتكلم من غير صوت وقفتهم جنب بعض كانت أقرب لحقيقة بتتكتب من غير تخطيط من غير ما ياخدوا قرار أو حتى يفكروا بس في لحظة واحدة حصل كل حاجة

إيديهم قربت من بعض من غير قصد خالص لمسة خفيفة كأنها غلطة بريئة بس ما اتسحبتش بسرعة بالعكس كأن في حاجة شدتها تكمل واللحظة دي طولت أكتر من اللازم لدرجة إنها بقت أوضح من إنها تبقى صدفة إيديهم اتشابكت بهدوء وبدون أي مقاومة كأنها وعد بيتكتب من غير حبر وعد بسيط لكنه تقيل في معناه

فداء نزلت عينيها تبص على إيديها اللي في إيده قلبها دق بسرعة وحرارة خجل طلعت على وشها حاولت تستوعب اللي حصل وكأن عقلها لسه بيسأل هو ده حقيقي ولا مجرد لحظة وعدت غلط ابتسمت ابتسامة صغيرة مرتبكة ورفعت عينيها عليه لقت نظرته ثابتة عليها فيها دفا واطمئنان غريب

جت تسحب إيديها بهدوء كأنها خايفة من نفسها قبل ما تكون خايفة من الموقف لكن إيده شدت على إيدها بلطف ورفض تسيبها

بص لها بصوت واطي لكنه ثابت

“إيدك متسبش إيدي… مش ده وعدنا حتى لو ما قولناهوش بوضوح”

كلامه وقع جواها بشكل غريب مش تقيل ولا مخيف بالعكس كان دافي كأنه بيحط اسم لإحساس هي نفسها ما عرفتش تسميه سكتت لحظة وعينيها فضلت في عينه كأنها بتقرا صدقه من غير ما تحتاج دليل

ومرة واحدة قررت… سابت إيديها في إيده من غير مقاومة أكتر من كده سابت نفسها للحظة دي توعده من غير كلام بوعد حقيقي ملموس مش مجرد إحساس عابر

ابتسمت بخجل خفيف وقالت بصوت واطي

“صدفة خلتني أكون جارك… بس لو يرجع بيا الزمن أنا برضو هختارك”

كلامها كان بسيط لكنه دخل قلبه زي برق عينه لمعت فجأة ونبضه زاد كأنه أول مرة يسمع حاجة توصل له بالشكل ده الجملة خطفت قلبه من غير استئذان

قرب منها خطوة صغيرة وهو لسه ماسك إيدها وقال بصوت فيه دفا وثقة

“وأنا… لو تاهت بينا السكك… هعمل من الطريق ألف سكة وسكة علشان أوصلك بيها”

سكتوا بعدها بس السكوت بينهم ما كانش فاضي كان مليان وعد واتفاق غير مكتوب نظراتهم لبعض كانت كفاية تقول كل حاجة إيديهم لسه متشبكة كأنها الرابط الوحيد اللي بيثبت إن اللي بينهم بقى حقيقي مش مجرد لحظة وعدت

الهواء عدى عليهم بهدوء كأنه شاهد على بداية حكاية جديدة حكاية ما اتقالتش بصراحة لكنها اتفهمت واتعاشت في لحظة واحدة لحظة وعد ما اتقالش… لكنه اتحس واتكتب جواهم للأبد

أحببني فلسطيني ضحكة بين وعد وخوف

كانوا سعد وليان واقفين على مسافة قريبة يراقبوا المشهد بهدوء ابتسامة خفيفة ظهرت على وشهم كأنهم شايفين حاجة حلوة بتتكون قدامهم حاجة شبه فرحة جاية في الطريق بس جواهم كان فيه سؤال صغير بيخبط في الهدوء ده يا ترى الفرح ده هيكمل ولا زي كل مرة هييجي نصه ويختفي

ليان كانت أول حد كسر اللحظة سحبت إيد سعد بخفة ورفعت صوتها تنادي بحماس ممزوج بعتاب طفولي وبتشاور على نفسها

“أبو فهد وينك يا راجل ليان بتسأل عليك”

فهد لف بسرعة ناحية الصوت ابتسامة خفيفة ظهرت على وشه وهو لسه ماسك إيد فداء بإيده كأنها بقت حاجة طبيعية بين لحظة والتانية قرب خطوة وهو بيبص لليان اللي كانت واقفة حاطة إيديها في وسطها بزعل واضح

“لا أنا بسأل على فداء بس”

قالتها ليان وهي عاملة نفسها زعلانة وعينيها فيها شقاوة مستخبية فهد وقف لحظة وفهم فورًا إنها زعلانة منه عشان اتأخر عليها قلبه دق بخفة وهو بيحاول يصلح الموقف

مشي خطوة لقدام بس من غير ما يسيب إيد فداء رفع عينه لها للحظة كأنه بيستأذنها أو مستني رد فعلها كانت نظرتها هادية فيها ابتسامة دافيه شجعته أكتر

ابتسمت ومشيت معاه من غير تردد وكأنها بتقوله من غير كلام إنها معاه في كل خطوة

فهد ركع شوية علشان يبقى في مستوى ليان وبص لها بحنان

“حبيبة قلب فهد زعلانة مني ليه؟”

ليان لفت وشها الناحية التانية بتصنع الغضب بس ملامحها كلها بتضحك

“عشان ما سألتش عليا… ولا جبتلي حلويات”

وقبل ما يكمل ردها بصت له بنظرة شقية وغمزة صغيرة وقالت

“ولا خلاص الحلويات كلها أخدتها إنت؟”

وبصت فجأة على فداء اللي اتفاجئت بالنظرة وعيونها وسعت بخضة خفيفة وبعدها ضحكت بتلقائية وهي مش عارفة ترد تقول إيه

فهد أخد نفس لحظة وهو مستوعب الموقف وبعدين انفجر ضاحك ضحكة طالعة من قلبه لأول مرة من وقت طويل الضحكة كانت عالية صافية كأنها بتحاول تطرد كل الحزن اللي جواه

قرب ليان منه وشدها في حضنه وهو بيقول وسط ضحكه

“لا يا ستي ده أنا أقدر أجيب لك الدنيا كلها مش بس حلويات”

ليان ضحكت هي كمان وحضنته بقوة

“طيب عايزة شوكولاتة كتير”

فهد هز راسه بابتسامة

“تؤمري أمر”

بصت ليان تاني على فداء بعين لامعة وقالت بخبث بريء

“وإنتي هتاكلي معايا ولا هتسيبيها لي؟”

فداء ضحكت بخجل خفيف وبصت لفهد لحظة وبعدين رجعت لليان

“لا طبعًا هاكل معاكِ”

فهد ابتسم وهو شايف التفاعل بينهم وحس بدفا غريب كأن المشهد البسيط ده عوضه عن حاجات كتير

سعد كان واقف بعيد شوية بيبص لهم بابتسامة رضا كأنه شايف بداية حاجة حلوة فعلًا حتى لو الطريق لسه طويل

الهواء مر بينهم بهدوء والضحك امتد في المكان كأنه بيرمم جزء صغير من القلب اللي اتكسر قبل كده

بس رغم الضحك والدفا… كان لسه فيه سؤال ساكن جواهم

يا ترى الفرح ده هيكمل؟ ولا لسه الحكاية مخبية وجع تاني؟

أحببني فلسطيني كلمة خرجت من القلب

رجعت فداء البيت بخطوات تقيلة وجسمها كله مرهق كأنها شايلة يوم كامل فوق كتافها بس رغم التعب كان فيه ابتسامة هادية مرسومة على وشها ابتسامة مش واضحة لأي حد غير اللي يدقق فيها ابتسامة شايلة جواها إحساس جديد دافي لسه بيتولد

قفلت الباب وراها بهدوء وسندت ضهرها عليه لحظة مغمضة عينيها وكأنها بتستعيد كل اللي حصل في يومها من أول التعب لحد اللحظات اللي قلبها دق فيها بشكل مختلف افتكرت إيده وهي في إيدها وكلامه اللي لسه بيرن في ودنها ابتسمت أكتر من غير ما تاخد بالها وبعدها اتحركت بالعافية ناحية سريرها

رمت نفسها عليه من غير حتى ما تغير هدومها أو تفكر في أي حاجة تانية التعب كان أقوى من كل حاجة وسرعان ما غمضت عينيها ونامت نوم عميق

في نفس الوقت فهد كان قاعد مش مرتاح حاسس بحاجة ناقصة حاجة مش في مكانها مسك موبايله واتصل بيها مرة واتنين وتلاتة بس مفيش رد قلبه بدأ يقلق دماغه جابت له ألف فكرة وكلهم أسوأ من بعض قام وقف مكانه وبدأ يفكر يروح لها يطمن عليها بنفسه

بس وقف مكانه فجأة التردد مسكه افتكر إنها لوحدها وإن الوقت متأخر وإن ممكن يحرجها أو يضايقها لو راح فجأة فضل واقف محتار بين خوفه عليها وبين احترامه لمساحتها

عدت الدقايق تقيلة عليه وهو كل شوية يبص في الموبايل مستني أي رد لحد ما فجأة الموبايل نور باسمها قلبه دق بسرعة ورد فورًا من غير تفكير

فداء في الوقت ده كانت لسه فايقة من النوم دخلت الحمام بسرعة تحاول تفوق غسلت وشها بالمية الباردة يمكن تصحى شوية خرجت وهي لسه نص نايمة ومسكت الموبايل على رنة الاتصال

ردت بصوت هادي فيه نعاس واضح

“ألو…”

قبل ما تكمل كلامها اندفع صوت فهد بسرعة مليان قلق وخوف

“إيه يا فداء! مش بتردي ليه كل ده؟ هموت من القلق يا شيخة!”

سكتت لحظة وهي سامعة نبرة صوته حسّت بحاجة دافية جواها حاجة تخليها تبتسم من غير ما تقصد فعلاً ابتسمت بس حاولت تخبي ده في صوتها وهي بترد

“متخافش يا فهد أنا بخير بس من التعب نمت ومحستش بحاجة”

على الناحية التانية فهد زفر نفس طويل كأنه كان شايله من وقت ما اتصل أول مرة

“الحمدلله كنت هموت من القلق يا وجعة قلبي إنتِ”

كلمته وقعت في قلبها بهدوء وسابت أثر أكبر مما هي متخيلة لحظة صمت صغيرة عدت بينهم بس كانت مليانة إحساس

وفداء من غير ما تفكر ومن غير ما تحسبها قالت الكلمة اللي خرجت من جواها على طول

“بحبك يا فهد”

سكتت فجأة كأنها استوعبت اللي قالته قلبها دق بسرعة رهيبة وإيديها اترعشت شوية وعينيها وسعت بصدمة من نفسها

على الناحية التانية فهد سكت تمامًا كأن الزمن وقف عنده للحظة الكلمة وصلت له مباشرة من غير أي حاجز حس بيها بكل تفاصيلها بكل صدقها

بلع ريقه بصعوبة وصوته لما طلع كان أهدى بس مليان إحساس عمره ما خباه قبل كده

“إيه اللي قولتيه؟”

فداء غمضت عينيها بإحراج شديد نفسها تهرب من اللحظة بس في نفس الوقت مش قادرة تنكرها

سكتت شوية وبعدين همست بصوت واطي

“أنا مقصدتش أقولها كده”

فهد ابتسم رغم كل التوتر اللي جواه وقرب الموبايل من ودنه أكتر كأنه عايز يسمع قلبها مش صوتها

“بس قلتيها…”

سكتت تاني وهو كمل بهدوء

“وأنا مستنيها من زمان”

رفعت عينيها فجأة وكأنها مش مصدقة

“بجد؟”

رد من غير تردد

“بحبك يا فداء”

المرة دي قلبها هو اللي سكت لحظة مش من الخوف لكن من الدهشة والسعادة اللي دخلت مرة واحدة

قعدت على طرف السرير وهي مبتسمة دموع خفيفة لمعت في عينيها من غير ما تنزل

والسكوت اللي جه بعد كده ما كانش إحراج كان راحة

راحة إن كل حاجة اتقالت أخيرًا

اقرأ الفصل السادس من هنا

للمزيد من القصص والمقالات


عوالم من الخيال


اكتشاف المزيد من عوالم من الخيال

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

2 تعليقات

  1. تحفةةةة اووووي مبدعة يا افضل كاتبة كملي.وانا جنبك.هادعمك ❤️❤️❤️❤️

اترك رد