حواديت رمضانية
حواديت رمضانية العاديات حين أقسم الله بالخيل
في سورة العاديات
لم يكن القسم بالخيل عبثًا…
فالله سبحانه، إذا أقسم بشيء، فإنما يُقسم بما يحمل دلالة عميقة، وبما يوقظ في النفس صورةً لا تُنسى. والخيل لم تكن يومًا مجرد دابة تُركب، بل كانت روحًا تركض، وقلبًا ينبض مع الفارس، ووفاءً يمشي على أربع.
كان الليل قد أرخى سدوله، وسكنت الأصوات، إلا همسات الريح وهي تمر فوق الرمال. في ذلك السكون الثقيل، كان هناك شيء يتحرك… شيءٌ يختزن طاقةً كامنة، كالسهم قبل انطلاقه.
خيلٌ مصطفّة، أعناقها ممدودة، عيونها تلمع في العتمة، وأنفاسها تتصاعد في الهواء البارد.
ثم…
انطلقت.
﴿وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا﴾
الضبح ليس مجرد صوت.
إنه زفير الخيل حين تشتد في العدو، أنفاس متلاحقة، مختلطة بحرارة الجهد، صوتٌ يشبه احتراق النار في الصدر.
تعدو لا لأنها تفهم الغاية، بل لأنها تؤمن بصاحبها.
تعدو وكأن الأرض خُلقت لتحتمل وقع حوافرها.
كانت الرمال تتطاير خلفها، والهواء يُشقّ أمامها، والليل يُفتح لها طريقًا من الظلال. لم تكن الخيل تعرف التردد، ولا تلتفت وراءها. هي تعرف فقط أن تمضي.
وفي اندفاعها، تضرب حوافرها الصخور…
فتقدح شررًا.
﴿فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا﴾
شررٌ يتطاير في الظلام، كأن الليل يشتعل تحتها.
مشهد تتداخل فيه القوة بالجمال، والعنف بالضياء.
كأن الله يرسم لوحةً سريعة الحركة، نابضة بالإيقاع.
ثم…
مع أول خيط للفجر، حين يظن الناس أن السكون ما زال قائمًا…
تغير.
﴿فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحًا﴾
تأتي المباغتة مع الضوء الأول، حين تتبدد الظلمة، وحين تُفاجأ القلوب التي كانت مطمئنة.
الخيل لا تنتظر اكتمال النهار، ولا تستأذن الصباح… بل تشقّه شقًا.
ولكن…
لماذا كل هذا القسم؟
لماذا كل هذه الصور المتتابعة؟
هنا تنقلب الصورة فجأة.
بعد كل هذا المدح الضمني لوفاء الخيل وقوتها وطاعتها…
يأتي الحديث عن الإنسان.
﴿إِنَّ الإِنسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ﴾
كنود… أي جحود.
يجحد النعمة، وينسى الفضل، ويتقلب بين العطاء والنسيان.
كأن المعنى يقول:
انظروا إلى الخيل…
لا تعقل كما تعقلون، ولا تُحاسب كما تُحاسبون، ومع ذلك فهي أوفى لصاحبها من بعض الناس لربهم.
حواديت رمضانية الخيل حين تُرهق، لا تشكو.
حين تُصاب، لا تعلن تمرّدًا.
حين تُدفع إلى الخطر، لا تسأل: لماذا أنا؟
أما الإنسان…
فإذا أصابه تعبٌ من طاعة، ضاق صدره.
وإذا طال عليه الطريق، تساءل: إلى متى؟
هنا تكمن الحبكة القرآنية العجيبة:
مقابلة بين مخلوقٍ لا يملك عقلًا تكليفيًا، ومخلوقٍ كرّمه الله بالعقل، ومع ذلك يختار أحيانًا الجحود.
حواديت رمضانية من زاوية أخرى…
فارسٌ يضع يده على عنق فرسه قبل المعركة.
يشدّ لجامه برفق.
والفرس يشعر بنبض يده، فيهدأ.
بينهما علاقة صامتة…
ثقةٌ لا تحتاج كلمات.
وحين تنطلق الصفوف، لا يخون الفرس تلك الثقة.
يمضي حيث يُوجَّه.
يقتحم حيث يُدفع.
يقف حين يُؤمر.
هذا الوفاء الصامت هو ما يجعل الخيل في القرآن رمزًا.
وليس هذا الموضع الوحيد الذي ذُكرت فيه الخيل، فقد وردت أيضًا في قوله تعالى في سورة الأنفال:
﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ﴾
ورباط الخيل هنا ليس مجرد تجهيز عسكري، بل استعداد دائم، يقظة لا تنام، وعزم لا يلين.
فالخيل كانت عنوان القوة في زمنها، كما أن لكل زمنٍ “خيله” التي تمثل أدوات قوته.
حواديت رمضانية العودة إلى سورة العاديات…
بعد وصف الجحود، يأتي كشف الدافع:
﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾
الخير هنا بمعنى المال.
الإنسان يحب التملك، يحب الجمع، يحب أن يحتفظ بما بين يديه.
وهو في سبيل ذلك قد ينسى المنعم.
يا للمفارقة…
الخيل تجري، تُرهق، تقتحم الأخطار…
لأجل غيرها.
والإنسان أحيانًا يجمع، يكدّس، يتمسك…
لأجل نفسه.
ثم تأتي النهاية المزلزلة للسورة.
﴿أَفَلَا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ﴾
بعثرة…
كأن الأرض نفسها ستُقلب، كما كانت الخيل تقلب الأرض بحوافرها.
الصور تتجاوب…
هناك في بداية السورة:
خيلٌ تثير الغبار.
﴿فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا﴾
وهنا في نهايتها:
قبورٌ تُبعثر، وصدورٌ تُكشف.
كأن الحركة الأولى في الدنيا، تقابلها حركة أعظم في الآخرة.
الحبكة كاملة تدور حول مفهوم واحد:
الحركة.
الخيل تتحرك في طاعة.
والإنسان يتحرك في الدنيا.
لكن السؤال: إلى أين؟
هل حركتك وفاءٌ كوفاء الخيل؟
أم جحودٌ يُنسيك من أعطاك القوة أصلًا؟
لو تأملتِ أكثر، ستجدين أن القسم بالخيل يحمل بعدًا نفسيًا عميقًا.
فالخيل حين تعدو، لا تنظر إلى المسافة كاملة.
هي تركز على الخطوة التالية فقط.
وهكذا المؤمن…
لا ينشغل بطول الطريق، بل بثبات قدمه.
وفي التراث الإسلامي، كانت الخيل موضع عناية خاصة، حتى ورد في الحديث الشريف أن الخير معقود في نواصيها إلى يوم القيامة.
لماذا؟
لأنها ارتبطت بالجهاد، وبالدفاع، وبالنصرة، وبالشرف.
لكن القرآن لا يذكرها ليحدثنا عن الحرب فقط، بل ليضع مرآة أمام الإنسان.
مرآة يرى فيها نفسه…
هل هو أوفى من فرس؟
هل هو أثبت من دابة؟
تخيّلي لو أن الخيل كان لها وعيٌ كوعي الإنسان…
ورأت صاحبها يطعمها، ويعالجها، ويهيئها…
ثم حين تحتاجه يومًا، يتركها.
كيف سيكون شعورها؟
هذا ما يفعله بعض الناس مع نعم الله.
يأخذون، ويتمتعون، ويغفلون.
الخيل لا تملك خيار الجحود،
لكن الإنسان يملكه…
وهنا الامتحان.
الإنسان قادر أن يكون أرقى من الملائكة،
وقادر أن ينحدر دون الحيوان.
وسورة العاديات تُوقظ هذه الحقيقة بصوت حوافرٍ تركض.
وأخيرًا…
لو وقفتِ يومًا أمام حصان يعدو في ساحة واسعة،
ورأيتِ عضلاته تتحرك،
وشعرتِ باهتزاز الأرض تحته،
وتأملتِ كيف ينصاع لفارسه…
تذكري أن الله أقسم به.
ليس لأنه الأقوى فقط،
بل لأنه يعلّم درسًا صامتًا في الوفاء.
فهل نتعلم؟
في كل مرة نقرأ فيها:
﴿وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا﴾
اسمعي الصوت…
ليس صوت الخيل فقط،
بل صوت ضميرك وهو يسألك:
كيف تعدوين في طريقك أنتِ؟
ولمن يكون اندفاعك؟
ولمن يكون وفاؤك؟
هذه هي قصة الخيل في القرآن…
قصة تبدأ بصوتٍ مشتعل،
وتنتهي بقلبٍ مكشوف.
اقرأ حواديت رمضانية الجزء الثالث من هنا
اكتشاف المزيد من عوالم من الخيال
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.


