رواية عاصفة القلوب
عاصفة القلوب
عاصفة القلوب: تكملة البرواز

ملك فضلت واقفة في نص أوضتها، ماسكة الفرشة، ومش قادرة تهرب من الجملة اللي قالتها مامتُها.
الجملة كانت بتلف وتلف وتوجّع بس بشكل واعي.
لحد ما الباب اتفتح تاني، وباباها دخل بخطوات هادية زي العادة؛ بصّ لها لحظة طويلة؛ بعدها قال بصوت ثابت:
“ملك أنا سمعت والدتك وهي بتكلمك.”
ملك اتفزعت شوية، وبصّت له بعينين شاردة،
لسه عقلها متعلق بين كلمة ماما ووش أسر وذكريات ياسين اللي بتحاول تبعدها؛ قرب منها باباها وقعد جنبها، وقال جملة عمرها ما هتنساها:
“يا ملك الرؤية عشان تبقى أوضح، لازم تواربي عيونِك شوية؛ متبصّيش للنور وهو بيضرب في وشّك هتتعمي.
ابعدي خطوة، وشوفي الصورة من بعيد
ساعتها بس هتفهمي مين يستاهل يكون جوا البرواز… ومين مجرد ضوء مُضلّل.”
الكلمات دخلت قلبها بهدوء عملت زي سكينة حامية بتقطع غشاوة كانت مغطيّة عقلها؛ ملك يومها فهمت حاجة مهمّة…
إن الوضوح مش معنى إن كل حاجة تبقى منوّرة ساعات النور الزيادة بيعمّي وقررت تاخد الجملة دي قاعدة في حياتها.
عاصفة القلوب: أول البداية
في تاني يوم لبست هدومها، ورفعت شعرها بسرعة، وخدت شنطتها ونزلت على معرضها؛ أول ما دخلت، ريحة الألوان والزيت والتراب الخفيف على الأرض حضنتها.
المعرض ده كان بيتها التاني المكان اللي بتتنفّس فيه.
وفجأة صوت مألوف ضحك من وراها:
“يا بنت معقولة دي تبقى ملك ولا صورة منها؟!”
التفتت بسرعة وهناك وقفت نادين، صاحبتها اللي كانت مسافرة بقالها شهور، واقفة بشنطتها ووشها المشرق ملك صرخت من الفرحة ورمت نفسها في حضنها:
“نادين!!! انتي رجعتي أمتى؟!
نادين ضحكت:
“رجعت ولسه هسمع كل البلاوي اللي فوتّها وأنا مش هنا.”
ملك ابتسمت ابتسامة أصيلة؛ ابتسامة فيها جرح وفيها نور وفيها بداية جديدة وبين حضن صديقة راجعة وكلام باباها وغموض مامتها؛ كانت ملك لأول مرة بتحس إن الطريق قدامها مش مرعب زي الأول بس محتاج خطوة؛ خطوة بس في الكافيه اللي بيحبّوه من زمان نفس الترابيزة نفس الكراسي نفس الضحكة، بس الوجع كان جديد؛ نادين كانت قاعدة قدام ملك، بتحرك المايه بعصبية،وبتبص لصاحبتها بنظرة مليانة دهشة ووجع عليها.
“يااه يا ملك كل ده مريتي بيه؟”
خرجت منها تنهيدة طويلة كأنها بتلوم نفسها إنها مكنتش موجودة؛ ملك ابتسمت ابتسامة قوية بس باينة إنها ماسكة نفسها بالعافية:
“وأكتر والله يا نادين بس الدكتور أسر ساعدني.
إنتي لازم تفضي نفسك يوم وتعالي معايا.”
نادين بصّت لها شوية نظرة فيها تقدير وفيها خوف على صحبتها وفيها وعد؛ هزّت راسها بهدوء موافقة، بدون ما تتكلم؛ الكلام ملوش لازمة قدّام اللي سمعته؛ بعدها قاموا يمشوا؛ كل واحدة رايحة بيتها ووراها شريط ذكريات طويل،بس المرة دي في أمل ببداية جديدة.
عاصفة القلوب: نقطة ومن أول السطر
نادين أول ما دخلت بيتها، والدتها خرجت من المطبخ بسرعة:
الحمد لله على السلامة يا بنتي قولتيلي يومك كان عامل إزاي؟!
نادين قعدت جنبها وهي بتشيل الشنطة وقالت بهدوء:
“كويس يا ماما كنت مع ملك.”
الأم بصت لها نظرة بتفحص
“ملك البنت دي قلبها مليان وجع من زمان؛ احكيلي هي عاملة إيه؟”
نادين اتنهدت:
“لسه بتتعالج ولسه وجعها كبير وبصراحة قالتلي أروح معاها بكرة عيادة الدكتور أسر.”
الأم هزّت راسها بقلق خفيف،لكن قالت بصوت كله احتواء:
“روّحي معاها يا نادين اللي زي ملك لازم حد يتمسّك بإيده وإنتي صاحبتها من سنين ومين غيرك؟!
نادين مسكت إيد أمها،وبصّت في الأرض، كأنها بتحس إن بكرة هيبقى يوم مختلف يوم هيفتح باب،ويقفل باب تاني،
وملك بداية حكاية جديدة فيها مش هتبقى لوحدها؛ العربية وقفت قدّامهم فجأة
يزن نزل منها بنظرة فرحة مش قادرة تتخبّى.
“أهلا ملك أهلا ؟!
بصّ ناحية نادين باستفهام.
ملك عرّفته بهدوء:
“دي نادين صاحبتي ولسّه راجعة من الإمارات.”
يزن ضحك وهو بيكرر الجملة بطريقة هزار خفيف:
“أهلا نادين اللي لسه جاية من الإمارات.”
ضحكوا التلاتة،بس كانت ضحكة غريبة؛ ضحكة شكلها بسيط،ورجع صداها في عيونهم بحكايات لسه مابدتش.
يزن لقى نفسه سرح في ضحكة ملك،الضحكة اللي فيها نور هادي،نور من النوع اللي بيطمنك من غير ما تتكلم.نادين لاحظت الشرود،
فقالت جملة وقفت فوقتهم:
طب نستأذن إحنا عشان مننتأخرش مع إن التأخير مش دايمًا بيكون في الوقت أوقات بيكون في الوقت الصح.”
ملك ويزن اتبصّوا لبعض باستغراب،وكأن كل واحد فيهم بيسأل التاني: هي تقصد إيه؟
بس قبل ما السؤال يطول يزن قطع اللحظة وقال:
“طب إنتو رايحين فين؟”
ملك ردّت بهدوء متزن:
“عيادة الدكتور أسر.”
يزن قال بسرعة لا إرادية، كأنه نطّ من جواه:
“نفس طريقي!”
ملك ردت عليه في نفس الثانية،كأنها بتقفل باب قبل ما يتفتح:
“بس سكّتنا مش واحدة.”
اليوم كان فيها قوة مش مجرد جملة؛ يزن ابتسم ابتسامة فيها غموض؛ مش غموض يخوّف،غموض يعدي لقلبك بذكاء.
“حتى لو مش واحدة؛ فيه ألف سِكّة وسِكّة نمشي منها وبرضه هنوصّل.”
الكلمة دي وقفت في قلب ملك؛ ونادين كانت واقفة بتتفرّج،وعنيها بتلمع بتساؤل:
يا ترى النهاية اتكتبت؟ولا لسه أول حرف؟
دخلوا التلاتة لعيادة أسر؛ ملك دخلت الأول، وراها نادين بخطوات ثابتة، ويزن فضل واقف عند الباب ثواني كأنه بيلمّ ملامح المشهد؛ وأوّل ما عين أسر وقعت على نادين اتغيّر؛ مش اتغيّر بمعنى صدمة لا اتسحَب.
اتسحَب من هدوئها، من طريقة مايل راسها وهي بتسمع،
من الوقفة، من رقتها الهادية اللي فيها ثِقة مش متصنّعة.
ملك ابتسمت في سرّها شافه اتخطف؛ أسر أخد نَفَس وابتسامة صغيرة ظهرت غصب عنه وقال:
“إنتِ لابِقة جدًا في الكلام يا نادين.”
نادين ردّت بابتسامة خفيفة،ابتسامة عليها وقار، مش غرور:
“شكرًا لذوقك.”
بدأوا يتكلموا في حالة ملك وأسر كان بيشرح، ونادين بتسأل، وملك بتتابع بعينيها،وبين كل سؤال وجواب كانت في حاجة بتتبني؛ كلام صامت كأن روحين بيتعرّفوا على بعض من غير ما يتعارفوا؛ بعد ما الجلسة خلصت،
وقف التلاتة عند الباب، ولحظة الوداع كانت عادية؛ إلا عند أسر كان فيه حاجة جواه بتتحرك حاجة مش شبهه، مش من طبعه هو دايمًا محسوب دقيق هادي؛ بس المرة دي اتكلم من غير ما يرجّع الكلمة،من غير ما يفكّر،من غير ما يقيس.
آنسة نادين ممكن أعزمِك على الغدا؟”
وبص لملك ويزن بسرعة، كأنه بيبرّر لنفسه قبلهم:
“أو فطار اللي يريحك يعني كترحيب يعني…”
وبدون ما يحس،إيده راحت على شعره يعدّله بأحراج واضح؛ ملك عضّت شفايفها تمنع ضحكتها؛ يزن رفع حاجبه بتساؤل ساخر؛ ونادين وقفت، وبصت له بترتيب هادي:
“ليه؟ ترحيب ولا اهتمام؟”
السؤال نزل على أسر زي نبض في ودنه؛ جمله اتلخبطت ونَفَسه اتقطع ثواني؛ ملك ويزن اتجمدوا.
ونادين كملت بنفس الهدوء:
“عشان أعرف أجاوب.”
وجوّه العيادة جابت بداية مش صُحبة ولا صدفة بداية حاجة لسه بتتنفّس؛ مرّت الأيام وتكرّرت المقابلات بين أسر ونادين مرات في العيادة ومرات صدفة ومرات متعمدة من غير ما يعترفوا؛ الارتياح كبر،والكلام بينهم بقى أسهل،
والهدوء اللي بينهم بقى عامل زي مساحة بتنضف من الدوشة اليومية لحد ما كل واحد فيهم عمل رصيد دافي في قلب التاني،من غير ما يحس؛
عاصفة القلوب: تصادم قديم لبداية قصة جديدة
اليوم التاني ملك في يوم وهي ماشية في المول،
بيدها شنطة صغيرة وبوش هادي مافهوش أي أثر للوجع القديم،فجأة لمحت ياسين؛ هو شافها الأول واتجمّد.
وكأنه شاف ذكرى كانت زمان بتوجعه دلوقتي بقت بتضحّكه بسخرية على نفسه؛ وقفها بإيده وهو بيقول بصوت مخنوق:
“ملك
ملك وقفت ولا رعشة ولا قلب بيجري ولا وجع؛ كأن الزمن أخيرًا صفّى كل ألم؛ وساب الهدوء مكانه.
قال بخجل:
“أهلا انتي عاملة إيه؟ أنا أنا آسف.”
ملك هزّت راسها بهدوء:
“مفيش أسف ولا حاجة يا ياسين ده نصيب.”
ياسين حاول يتكلم،حاول يطلع الجملة اللي واقفة في زوره:
“ملك أنا لسه بح”
قاطعت كلامه ولمحت في عينيه حاجة كانت بتكسرها زمان دلوقتي مبقتش تثير فيها أي نبض.
“قصتنا خلصت يا ياسين بكل حلوها ومرّها.”
ياسين ضحك ضحكة مكسورة؛ نص وجع و نص راحة.
“انتي تستاهلي أكتر من كده يا ملك.”
اتنهد وبص بعيد:
“أنا راجع تاني ألمانيا.”
ملك فتحت بقها تتكلم لكن هو قطع كلامها بنفسه:
“وآه طلّقت مراتي.”
سكت لحظة؛ وبعدين قال بسرعة قبل ما تفتكر إنه عشانها:
“مش عشانك صدقيني مش عشانك.”
نبرة صادقة قوي فيها قدّ إيه هو اتكسَر واتغيّر.
“عشاني أنا عشان راحتي؛ عشان أشوف نفسي في عيون بتحبني وتحترمني؛ كان لازم أطلق عشان أنطلق عشان أعرف أحب بالشكل اللي يليق بقلبي.”
ملك سمعت من غير ما تتأثر ومن غير ما ترد الجروح اللي اتقفلت مبقتش بتوجع؛ خلصوا كلامهم،وهو راح على المطار،شنطته في إيده وملامحه بين التعب والراحة.
ركب الطيارة؛ وبين الركاب شاف دكتورة اسمها روفيدا،
كانت دكتورته النفسية في ألمانيا من فترة وكانت فاكراه كويس نظرة وقعت بينهم نظرة فيها حذر وفيها بداية جديدة مش مقصودة.
روفيدا قربت منه وقالت بابتسامة خفيفة:
“واضح إنك عديت على حاجة صعبة عايز تحكي؟”
ابتسم ابتسامة فيها ضعف وفيها أمل:
“يمكن المرة دي أحكي من الأول.”
وهنا اتولدت حدوتة جديدة؛ حدوتة طالعة من رماد المواقف ومن وجع خلّص دوره عشان يفتح باب لوجع أحلى اسمه بداية
يُتبع..!
للكاتبة صباح البغدادي
اقرا قصة عاصفة القلوب الفصل الخامس من هنا
اكتشاف المزيد من عوالم من الخيال
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.



رائع جدا
استمري وانا معك
ياعمري انت يخليلي ياد