أكتوبر المرعب
أكتوبر المرعب: التقويم الذي لا ينسى
التقويم معلّق على جدارٍ باهت اللون، أطرافه مثنية من كثرة ما لامسته الأيدي. أوراقه تتحرك مع نسمةٍ خفيفة كأنها صدرٌ يعلو ويهبط. عقارب الساعة القريبة تهمس بصوتٍ رتيب، بينما الأصابع ترتجف وهي تقلب الشهور ببطء؛ يناير يمرّ ببرودته، فبراير يذوب كذكرى قصيرة، مارس يعبر محمّلًا برياحه، حتى تتوقف اليد عند كلمةٍ واحدة مكتوبة بحبرٍ أغمق من غيره: أكتوبر.
الكلمة ليست حبرًا فقط، بل ظلًّا طويلًا يمتد داخل القلب. ليس شهرًا عاديًا في ذاكرة هذه المنطقة، بل عقدة زمنية تتجمع عندها الذكريات الثقيلة؛ انتصارات تعيد الثقة، خيبات تفتح جراحًا قديمة، ودموع لم تجف مهما مرّ الزمن. في أكتوبر تختلط رائحة البارود برائحة الدعاء، ويصير التاريخ كائنًا حيًا يمشي بين الناس، يطرق أبوابهم، ويجلس معهم في صمت المساء.
– هو ليه الشهر ده مختلف؟
– عشان فيه حاجات ما بتتنسيش… حاجات اتدفعت بدم مش بس بكلام.
أكتوبر ليس رقمًا في التقويم، بل علامة محفورة في الوعي الجمعي. كل بيت في مصر أو سوريا أو لبنان أو فلسطين يحمل حكاية مرتبطة به. كل أمّ تتذكر مرة انتظرت فيها خبرًا من الجبهة، أو جلست قرب شاشة صغيرة تتابع نشرة الأخبار وقلبها يرتجف بين الدعاء والخوف. كل طفل سأل سؤالًا أكبر من عمره، وكل أب حاول أن يشرح دون أن يكشف ارتعاش صوته.
أكتوبر المرعب: مصر ظهر العبور
الشمس في كبد السماء، العاشر من رمضان 1973. الصيام يثقل الأجساد لكنه لا يضعفها، كأن العطش نفسه صار وقودًا داخليًا. على ضفة قناة السويس يقف الجنود بملامح هادئة تخفي عاصفة مكتومة. المياه تبدو ساكنة، لكنها تعرف أن لحظة الانفجار اقتربت، وأن التاريخ على وشك أن يتحرك. هنا بدأت حكاية حرب أكتوبر التي غيّرت صورة المنطقة بأكملها.
الساعة تشير إلى الثانية ظهرًا. فجأة ينشق الصمت بصوت المدافع، كأن الأرض نفسها قررت أن تتكلم. القناة لم تعد فاصلاً، بل صارت طريقًا. القوارب تتحرك بخفةٍ متوترة، الجنود يعبرون، والساتر الترابي الذي قيل عنه إنه مستحيل يتحول إلى كتلة من الرمال تتهاوى أمام خراطيم المياه.
– جاهز يا بطل؟
– جاهز من زمان… مستني اللحظة دي من سبع سنين.
– افطر امتى؟
– لما نثبت علمنا هناك… ساعتها بس نحس إننا ارتحنا.
صيحات “الله أكبر” ترتفع، لا كصوتٍ عابر، بل كموجة تضرب في العمق. ليست مجرد كلمات، بل شحنة نفسية تكسر الخوف قبل أن تكسر التحصينات. خط بارليف الذي رُسم كحاجزٍ أسطوري يسقط أمام تصميم بشر قرروا أن الكرامة لا تؤجل.
في البيوت المصرية، كانت الأمهات يجلسن قرب المذياع. أصابعهن تعبث بطرف الطرحة، وقلوبهن تعبر القناة مع أولادهن. كل خبرٍ عن تقدمٍ بسيط كان يُستقبل كعيدٍ صغير داخل البيت.
– ماما هو بابا هييجي؟
– هييجي يا حبيبي… وربنا حافظه، ده راجل وواقف عشاننا كلنا.
الأيام التالية لم تكن سهلة. الحرب كرّ وفرّ، دماء، شهداء، مفاوضات وضغوط دولية. لكن صورة “الجيش الذي لا يُقهر” لم تعد كما كانت. في أكتوبر تغيّر ميزان نفسي كامل. لم يكن الانتصار مطلقًا، لكنه كان كافيًا ليكسر وهمًا عاش سنوات طويلة فوق صدور الناس. كان كافيًا ليقول إن الإرادة ممكنة، وإن الهزيمة ليست قدرًا أبديًا.
أكتوبر المرعب: الجولان نار البدايات (سوريا)
على الجبهة التانية، كانت الأرض السورية بتغلي كأنها بركان تحت الرماد. الدبابات تتحرك ناحية مرتفعات الجولان، والدخان مغطي السما، وصوت القصف عم يهز الجبال. عنصر المفاجأة قلب الموازين في الساعات الأولى، والاندفاع كان واضحًا بعيون الجنود.
– يلا شباب… اليوم يا منرجع الجولان يا منرجع شهداء.
– المهم ما نرجع مكسورين… منرجع رافعين راسنا.
التقدم كان سريع بالبداية، مواقع عم تسقط وحدة ورا التانية، وشعور غريب بالقدرة عم يكبر بالقلب. الخوف موجود، بس الإرادة أقوى. كل خطوة للأمام كانت كأنها ردّ على سنوات من الانتظار.
في بيت بدمشق، عيلة قاعدة حوالين الراديو، الصمت عم يملأ الغرفة.
– شو عم يقولوا بالأخبار؟
– في تقدم عالجبهة… بس الوضع صعب.
– الله يحمي شبابنا ويرجعهم سالمين… يا رب ترجع الضحكة عهالبلد.
المعارك اشتدت، والدعم الدولي دخل على الخط، والحسابات تعقدت. بس أكتوبر ترك أثره بالقلب السوري. يمكن ما تحققت كل الأهداف، ويمكن الطريق كان أطول مما توقعوا، لكن انكسرت فكرة إنو كل شي ثابت للأبد. صار واضح إن الجمود مش قدر، وإن المبادرة ممكنة ولو للحظة.
أكتوبر المرعب: الجنوب بين القصف والصمود (لبنان)
السنين مرقت، بس النار ما طفت. جنوب لبنان عاش احتلال طويل قبل الانسحاب سنة 2000، وبعدين رجعت الحرب سنة 2006، اللي عُرفت باسم حرب لبنان 2006.
القصف كان عنيف، البيوت عم تهتز كأنها قلوب خائفة، والطريق مسكّر بالدخان. صوت الطيارات بيخترق السما، وصدى الانفجارات بيضل عالق بالهواء.
– ماما عم يخوّفني الصوت…
– ما تخاف يا روحي، هيدي أرضنا… ومنرجع منعمرها لو شو ما صار.
– رح يوقف القصف؟
– بدو يوقف… ما في شي بيدوم، حتى الحرب إلها آخر.
الناس نزلت عالملاجئ، الكهربا انقطعت، بس العزيمة ما انقطعت. بين جدارين إسمنت، كانت في عيون عم تحلم ببيت راجع يتعمر، وبشباك يرجع يطل عالشمس. الحرب خلصت بوقف إطلاق نار، والدمار كان كبير، بس الصورة اللي كانت مرسومة عن قوة ما بتنكسر، اهتزّت مرة جديدة.
لبنان خرج مجروح… بس واقف، متكئ على ذاكرة الصبر.
أكتوبر المرعب: فجر غزة لحظة التحول (فلسطين)
فجر 7 أكتوبر 2023. غزة نايمة على صمت قصير قبل العاصفة. البحر هادي، والسماء رمادية. بعدها صار الهجوم اللي عُرف باسم هجوم 7 أكتوبر 2023، والمشهد انقلب خلال ساعات. الحدود اللي بدت محكمة انفتحت، والصدمة كانت كبيرة.
– يابا شو بصير؟
– بصير اللي عمره ما كان متوقّع… الدنيا بتتغيّر بلحظة.
– يعني رح نرتاح؟
– يا ريت… بس الطريق طويل يا ابني.
الرد كان قاسي. قصف، دمار، بيوت تهدمت، مستشفيات امتلأت. الليل صار أطول من العادة، والنهار ثقيل كأنه ما بده يخلص.
– دارنا راحت…
– الدار بتنبنى، بس الناس أهم.
– ليش دايمًا إحنا؟
– لأن الصراع هون ما خلص من سنين طويلة… ولسه القصة ما خلصت.
غزة دفعت ثمنًا إنسانيًا موجعًا. دموع الأمهات نزلت بصمت، وصراخ الأطفال اخترق السماء. في كل شارع حكاية، وفي كل ركام صورة لبيت كان فيه حياة. أكتوبر صار تاريخًا ثقيلًا… عند البعض صدمة، وعند البعض لحظة تغيير، وعند كتيرين جرح مفتوح ما التأم.
أكتوبر المرعب: الذاكرة التي لا تموت
أكتوبر بيمرّ كل سنة، بس عمره ما بيمرّ عادي.
في مصر… ذكرى عبور رجّعت الروح.
في سوريا… ذكرى مواجهة كسرت السكون.
في لبنان… ذكرى صمود وسط الركام.
في فلسطين… ذكرى تحوّل وألم ما بينام.
– هو التاريخ ده هيخلص إمتى؟
– لما العدل يبقى حقيقة مش حلم… ولما الدم يبطل يكتب العناوين.
الشهور بتعدّي، بس بعض الأيام بتفضل واقفة في القلب، كأن الزمن نفسه بيحترمها وما يقدرش يعدّي عليها بسهولة. أكتوبر واحد منها… شهر بيذكّر إن القوة مش أبدية، وإن الشعوب مهما تعبت بتفضل تدور على كرامتها، ومهما طال الليل بتستنى فجر جديد.
التقويم يتقفل ببطء…
لكن الحكاية لسه مفتوحة،
والذاكرة… لسه حية.
اقرأ قصة خف حنين والأعرابي من هنا
اكتشاف المزيد من عوالم من الخيال
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.


