عيد الحب

عيد الحب: وزحمة الشارع

كان الشارع مزدحمًا على غير عادته، ترفرف فوقه بالونات حمراء وقلوب معلّقة كأن السماء قررت أن ترتدي فستانًا قانيًا احتفالًا بعيد الحب. المحال تلمع بواجهات مغطاة بالعروض، والأزواج يسيرون متشابكي الأيدي، يبتسمون كما لو أن العالم خُلق اليوم فقط.

كل شيء بدا وكأنه متفق سرًا على فكرة واحدة: أن الحب يجب أن يُرى، أن يُعلّق، أن يُشترى، أن يُصوَّر وإلا فلا قيمة له.

لكن الحقيقة التي لا تُعلّق على واجهة محل، أن المشاعر لا تنمو بقرار موسمي، ولا تزدهر لأن التقويم أشار إلى رقمٍ بعينه. الحب، إن كان صادقًا، لا يحتاج شاهدًا سوى الضمير، ولا إعلانًا سوى فعلٍ صامتٍ يتكرر كل يوم.

سارت ريم إلى جوار حنين، تراقبان المشهد بنظرات تجمع بين الدهشة والسخرية. رفعت ريم حاجبيها وقالت بتهكم

شايفة اللي أنا شايفاه يا حنين؟ قلوب في كل حتة! فجأة الناس كلها بقت رومانسية النهارده بس؟

ابتسمت حنين وهي تتأمل فتاة تلتقط صورة لباقة ورد أكبر من قدرتها على حملها

يمكن مش فجأة يمكن بس اختاروا يبينوا ده النهارده.

هزّت ريم رأسها

يعني طول السنة كانوا مخبيين الرومانسية في الدرج وطلعوا المفتاح يوم 14 فبراير؟

ضحكت حنين، لكن عينيها ظلتا تراقبان زوجين مسنين يسيران ببطء، يداً بيد، بلا بالونات ولا صور

بصي عليهم دول غالبًا ما اشتروش ورد، ولا هيكتبوا بوست طويل، بس باين عليهم إنهم عِشرة سنين مش يوم واحد.

تأملت ريم المشهد قليلًا، وسكنت سخريتها لحظة.

تكلمت بنبرة أخف

هو يمكن المشكلة مش في اليوم نفسه… يمكن في إننا بنحب المظاهر أكتر من الجوهر.

ردّت حنين بهدوء

الناس بقت تقيس المشاعر بعدد الصور، وعدد القلوب الحمراء تحتها. بس محدش بيسأل: هو في قلب حقيقي ورا الصورة دي ولا لأ؟

تنهدت ريم بقوه

الحب مش هدية تتلف في ورق لامع. هو صبر، هو احتمال، هو إنك تفضل موجود حتى لما الشغف يقل.

ثم ابتسمت بسخرية خفيفة وأضافت

بس الكلام ده مش هيبيع شوكولاتة طبعًا.

تكلمت حنين بحكمة وعقلانية

المشكلة مش إن الناس تحتفل. الاحتفال جميل. المشكلة لما يبقى الاحتفال تعويض عن نقص طول السنة. لما تبقى وردة النهارده غفران عن إهمال مبارح.

عيد الحب وتزين الشوارع باللون الأحمر

سكتتا لحظة، والشارع من حولهما يضج بالألوان والضحكات.

مرّ شاب يحمل باقة ضخمة تكاد تخفي وجهه، وكأنه يحتمي بها من خجلٍ داخلي.

نظرت ريم وعيونها مليئه بالتساؤلات

تفتكري كام واحد فيهم جاي يعتذر مش يحتفل؟

أجابت حنين مختصرا

وكم واحد جاي يثبت للناس إنه محبوب، مش لحبيبه إنه مهم؟

ابتسمت ريم بعمق هذه المرة، لا بسخرية

يمكن إحنا قاسين شوية. يمكن في ناس فعلًا بتحب، بس اختارت يوم محدد تقول فيه اللي مش عارفة تقوله طول السنة.

نظرت لها بتيه

المشكلة مش في اليوم، المشكلة في الصمت اللي قبله.

الحب لو اتقال كل يوم بأفعال صغيرة، مش هيحتاج مهرجان سنوي.

توقفت ريم أمام واجهة متجر مليئة بالقلوب المعلقة، انعكس وجهها بينها، كأنها ترى نفسها محاطة بعشرات النسخ الحمراء.

قالت بهدوء

أنا مش ضد الحب… أنا ضد إننا نفتكره رفاهية.

الحب مسؤولية.

واللي مش قد المسؤولية، لا يشتري وردًا… يشتري نضجًا.

ابتسمت حنين

واللي فاكر إن الحب صورة حلوة بس، هيكتشف متأخر إن الصورة ما بتدفّيش.

تحركتا من جديد وسط الزحام، لكن شيئًا ما تغير في نبرة حديثهما.

لم تعد السخرية هي الصوت الأعلى، بل التساؤل.

تحدثت ريم أخيرًا

يمكن أهم سؤال مش هو بنحب يوم 14 بس ولا لأ…

أهم سؤال هو:

لو اختفى اليوم ده من التقويم، هيفضل في حد يمسك إيد حد تاني بنفس الطريقة؟

نظرت إليها حنين

اللي يحب بجد… مش محتاج تاريخ.

اللي يحب بجد… تاريخه مكتوب في التفاصيل الصغيرة، مش في التقويم.

وفي زحام الألوان، وسط ضحكات عالية وصور متلاحقة، بقيت هناك حقيقة هادئة لا يراها كثيرون:

أن الحب ليس مناسبة تُنتظر، بل سلوك يُعاش.

ومن عاشه بصدق، لا يهمه إن صفق له العالم… أو مرّ عليه يوم 14 فبراير كأي يوم عادي.

ضحكت حنين بصوت منخفض

وإيه يعني؟ مش أحسن ما يبقوا مكشرين طول السنة؟

كان في صوتها شيء من العقلانية التي تحاول دائمًا أن توازن حدة ريم. فليس كل احتفال ادعاء، ولا كل ضحكة زائفة. أحيانًا يختار الناس يومًا محددًا ليُصلحوا ما أفسدته الأيام، حتى لو كان الإصلاح مؤقتًا.

ردّت ريم وهي تعقد ذراعيها

آه طبعًا، بس غصب عني عايزة أسألهم سؤال واحد… هو أنتوا بتحبوا بعض يوم 14 فبراير بس؟ باقي السنة كنتوا بتتخانقوا ولا إيه؟

كانت لا تسخر من الحب نفسه، بل من هشاشته حين يتحول إلى موعد سنوي. كانت تؤمن، في أعماقها، أن المشاعر الحقيقية لا تحتاج لميكروفون ولا تاريخ محفوظ في الذاكرة، بل تحتاج قلبًا ثابتًا.

عيد الحب بطعم التنكر

مرّت فتاة ترتدي الأحمر من رأسها حتى قدميها، فستان وحذاء وحقيبة بلون واحد صارخ. ضربت ريم كوع حنين وهمست

هو إحنا في حفلة تنكرية؟ هو اللون الأحمر كان عليه عرض اشترِ واحد وخد التاني؟

كتمت حنين ضحكتها بصعوبة، بينما تابعت ريم بجدية مصطنعة

طب بقولك إيه، لو لبسنا أخضر بكرة، حد هيحتفل بينا؟ نعمل يوم عالمي للأصدقاء الساخرين مثلًا؟

ردّت حنين بمرح

أو يوم عالمي للمستفزين اللي بيكرهوا الرومانسية!

ضحكتا، لكن وسط الضحك كان هناك اعتراف غير معلن: السخرية أحيانًا قناع. قناع يحمي القلب من خيبة قديمة، أو من انتظار لم يتحقق.

مضتا حتى وصلتا إلى المقهى المعتاد. جلستا في ركنهما القريب من النافذة، حيث يمكنهما مراقبة العالم دون أن يراقبهما أحد. المكان الذي يشبه شخصيتيهما؛ حاضر في المشهد، لكنه لا يندمج فيه.

قالت ريم وهي تنظر إلى الشارع

مش قادرة أستوعب كمية الناس اللي لابسة أحمر. حاسة إني في مؤتمر لمصاصي الدماء.

أجابت حنين لكن بسؤال مفعم

وأنا نفسي أفهم ليه اليوم ده بيتعامل كأنه اختبار رسمي للحب. لو ماجبتش وردة وحطيت صورة على إنستجرام، خلاص علاقتك انتهت.

أصبحت المشاعر، في زمن الشاشات، تحتاج شهادة توثيق. وكأن الحب الذي لا يُنشر… لا يُحسب.

وضعت ريم يدها على قلبها ومثّلت بصوت درامي

حبيبي نسيني في الفالنتاين… لازم أعمل لايف وأبكي قدام الناس!

ردّت حنين وهي تمسح دمعة وهمية

قلبي انكسر… حد يطبطب عليّا!

انفجرتا ضحكًا. الضحك كان صادقًا هذه المرة، نقيًا، بلا فلتر ولا هاشتاج.

عيد الحب ووردة ريم

مرّ بجوارهما شاب يحمل صندوق شوكولاتة ضخمًا. تبادلتا نظرة ذات مغزى.

همست ريم

تفتكري الشوكولاتة دي لحبيبته ولا لمامته؟

أجابت حنين بسرعة

أكيد لمامته. الحب الحقيقي الوحيد هو حب الأكل.

لكن لم يكد الضحك يهدأ حتى دخل شاب وسيم إلى المقهى. كان يحمل باقة ورد حمراء، وملامحه متوترة كطالب ينتظر نتيجة امتحان مصيري. الحب، حين يكون حقيقيًا، لا يأتي واثقًا دائمًا… أحيانًا يأتي مرتجفًا.

توقفت عيناه عند طاولتهما، وتقدّم بخطوات مترددة.

تكلمت بصوت خافت

آآآ… ريم؟

نظرت إليه بدهشة

أيوه… أنا ريم. بس أنت مين؟

ابتسم بخجل

أنا أيمن. كنا في نفس المدرسة، دفعة 2015.

تبادلت ريم وحنين نظرة سريعة.

همست حنين

دفعة 2015؟ ده كان عصر الديناصورات تقريبًا!

ابتسمت ريم محاولة التذكر

آه… أيمن. فاكرة الاسم. بس إيه حكاية الورد؟

جلس أمامهما بعد أن أخذ نفسًا عميقًا

كنت عايز أقولك حاجة من زمان، بس ما كانش عندي الجرأة. وقلت بما إن النهارده عيد الحب… يمكن دي فرصة.

رفعت ريم حاجبها

فرصة مناسبة؟ إحنا من شوية بس كنا بنتريق على اليوم ده.

تكلم أيمن وهو يبتسم

عارف. وعلشان كده جيت. أنا مش جاي أعمل مشهد رومانسي تقليدي. أنا جاي أقولك إنك كنت مختلفة دايمًا. جرأتك وضحكتك كانوا لافتين… وفضلت فاكرهم السنين دي كلها.

هنا سكتت ريم.

السخرية التي كانت سلاحها اليوم… لم تجد جملة مناسبة.

الكلمات الجادة تضع الإنسان أمام نفسه، بلا حماية.

شعرت بشيء خفيف يهزّ ثباتها المعتاد. ربما لأن الحب حين يأتي بلا مبالغة، يكون أكثر إرباكًا.

همست حنين في أذنها

ده وقع في الفخ، ولا إحنا اللي اتحطينا فيه؟

تنحنحت ريم

بصراحة أنا مش متعودة على الاعترافات المفاجئة. وإحنا طول عمرنا بنتعامل مع الحب بسخرية.

ردّ أيمن بهدوء

مش لازم يكون حب جاهز. ممكن يكون بداية صداقة مختلفة. ندي نفسنا فرصة، ولو ماحصلش نصيب نبقى كسبنا معرفة كويسة.

كان عرضه بسيطًا… بلا وعود ضخمة، بلا كلمات محفوظة.

وأحيانًا البدايات الصادقة لا تصرخ، بل تهمس.

نظرت ريم إلى الباقة، ثم مدت يدها وأخذت وردة واحدة فقط. ابتسمت بخفة وقالت

مش هقدر آخد الباقة كلها، ده هيبقى انقلاب رسمي على مبادئي. بس ممكن آخد وردة… كتذكار للحظة الغريبة دي.

لم يكن قبولًا كاملًا، ولا رفضًا حاسمًا.

كان مساحة وسطى… والمساحات الوسطى هي أكثر الأماكن صدقًا.

ضحك أيمن، وشعرت حنين أن التاريخ يُكتب أمامها.

قالت وهي تصفق بخفة

ريم تاخد وردة في عيد الحب! يا جماعة حد يصور اللحظة دي!

نظرت ريم إلى الوردة بين أصابعها، ثم إلى أيمن. لأول مرة لم يكن الأحمر لونًا مستفزًا. لم يكن شعارًا تجاريًا، ولا زينة معلّقة في الهواء. كان احتمالًا.

وفي الخارج، ظلّت القلوب الحمراء معلّقة كما هي.

لكن داخل المقهى، لم يكن الاحتفال في الزينة…

بل في سؤالٍ جديد وُلد في قلبٍ كان يظن نفسه محصّنًا:

هل يمكن أن نسخر من الحب…

ثم نكتشف أننا كنا فقط نخافه؟

اقرأ يوميات سنجل بائس من هنا

للمزيد من القصص والمقالات


عوالم من الخيال


اكتشاف المزيد من عوالم من الخيال

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

اترك رد