كيف استحوذ الغرب على إنجازات المسلمين؟

هل تعلم أن ملوك أوروبا في العصور الوسطى كانوا يرسلون أبناءهم وبناتهم إلى قرطبة المسلمة ليتعلموا أصول الإتيكيت والعلوم، في وقتٍ كان فيه الاستحمام في باريس ولندن يُعد خطيئة كنسية، وكانت القراءة تهمة تقود صاحبها إلى حبل المشنقة بتهمة السحر والهرطقة؟
واقع أوروبا المظلم في مقابل ازدهار إنجازات المسلمين.
بعد سقوط الإمبراطورية الرومانية الغربية عام 476 م، في الفترة الممتدة بين القرنين الخامس والعاشر الميلادي، سقطت القارة الأوروبية في مرحلة صعبة تُعرف تاريخيًا بالعصور المظلمة؛ سيطر عليها فكر كنسي صارم كان يعادي العلوم والتجارب، ويعتبر أي محاولة لاكتشاف الطبيعة نوعًا من التمرد والخروج عن الدين.
ما هو الفكر الكنسي وهيمنته على العقول؟
الفكر الكنسي (أو الفكر الإكليروسي)
هو نظام حكم وإدارة كامل للمجتمع والحياة اليومية، كانت تفرضه الكنيسة الكاثوليكية في أوروبا، وليس مجرد تعاليم دينية داخل دور العبادة، بل كان المعنى الحرفي لسيطرة رجال الدين على كل شئ.
حيث منعت الكنيسة الناس من التفكير أو التجربة، واعتبرت أي علم يخرج عن كلامها كفرًا وسحرًا.
لماذا يطلق عليها العصور المظلمة؟
«العصور المظلمة» هو مصطلح تاريخي يُطلق على العصور الوسطى المبكرة في أوروبا (من القرن الخامس إلى القرن العاشر الميلادي)، ويشير إلى حالة الانحدار الثقافي، والاقتصادي، والسياسي التي تلت سقوط الإمبراطورية الرومانية الغربية عام 476 م
محاربة النظافة في الغرب مقارنة بثقافة الطهارة عند المسلمين.
ولم يقتصر هذا التراجع على الفكر فقط بل امتد لأسلوب الحياة اليومي، انتشرت لديهم معتقدات غريبة تحارب النظافة والاستحمام؛ فمن ناحية، كانت بعض الرؤى الدينية وقتها ترى أن إهمال الجسد هو دليل على الزهد وطهارة الروح.
لك أن تتخيل، اعتقاد أطباؤهم أن الماء الساخن يفتح مسام الجلد فيسمح للمرض بالدخول لجسد الإنسان ويقتله، وبناءً على هذا الوهم، صاروا يتجنبون الاستحمام ظنًا منهم أن طبقة الأوساخ المتراكمة هي درع يحميهم؟
وذلك لم يحدث من الفراغ ، تحديدًا عام 1348م، عندما اجتاح مرض “الموت الأسود” (الطاعون) أوروبا وقضى على ثلث سكانها. وقتها، أصدرت كلية الطب بجامعة باريس (التي كانت أعلى سلطة طبية في الغرب) تقريرًا يفسر أسباب الوباء.
وجاء في التقرير الطبي المفجع: أن الماء الساخن يفتح مسام الجلد، وعندما تفتح المسام، يدخل الهواء الفاسد المحمل بالمرض إلى داخل الجسم فيموت الإنسان!
بناءً على هذه النصيحة الطبية، أصبح الاستحمام يُعد “انتحارًا ومجازفة مميتة”. واعتقد الناس أن طبقة الأوساخ والعرق التي تتراكم على الجسم هي درع حماية طبيعي يسد المسام ويمنع دخول الأمراض.
لدرجة جعلت ملوكًا كبارًا يعيشون طوال حياتهم دون أن يلمس الماء أجسادهم إلا نادرًا، مستعيضين عن النظافة برش العطور القوية.
من أشهر الأمثلة على الملوك لم يستحموا طوال حياتهم.
1/الملك لويس الرابع عشر (ملك الشمس في فرنسا):
تشير الوثائق التاريخية لطبيبه الخاص أنه لم يستحم في حياته إلا مرات معدودة جدًا (يقال مرتين أو ثلاثًا فقط) وبناءً على أوامر طبية صارمة، وكان يكتفي بمسح وجهه بقطعة قماش مبللة بالكحول، ولهذا السبب وبسبب الروائح الكريهة في قصر فرساي، اخترع الفرنسيون “العطور الباريسية القوية” لتغطية رائحة الأجساد لا لتنظيفها.
2/ الملكة إيزابيلا الأولى (ملكة إسبانيا):
تفاخرت علنًا بأنها لم تستحم في حياتها كلها إلا مرتين: يوم ولادتها، ويوم زفافها.
3/الملك جيمس الأول (ملك إنجلترا):
كان معروفًا عنه أنه لا يغسل يديه أبدًا، وكان يكتفي بمسح أطراف أصابعه برفق بقطعة قماش رطبة.
في نفس الوقت الذي كانت فيه شوارع لندن وباريس تعج بالروائح الكريهة والنفايات، وكانت أجساد الملوك تعاني من القمل والأمراض الجلدية، كانت قرطبة المسلمة في القرن العاشر الميلادي تحتوي على أكثر من 900 حمام عام بمياه ساخنة وباردة ونظام صرف صحي متطور، وكان الغسل والنظافة عند المسلمين فرضًا دينيًا (للطهارة والصلاة) وسلوكًا يوميًا، وهو التناقض الصارخ الذي جعل المؤرخين يصفون تلك الفترة بالهوة السحيقة بين الشرق والغرب.
كيف سُرقت إنجازات المسلمين العلمية وتحوّلت إلى الغرب؟
ما هي العلوم التي سرقها الغرب من المسلمين؟
إن عملية انتقال العلوم الإسلامية إلى الغرب لم تكن مجرد “تبادل ثقافي” بَرِيء، بل كانت حركة سطو واستحواذ فكري منظم في كثير من الأحيان، أُزيلت فيها أسماء العلماء المسلمين عمدًا، أو حُوِّرت لغويًا حتى يُنسى أصلها العربي، ولتُنسب النظريات والابتكارات لعلماء أوروبا في عصر النهضة.
1/ الدورة الدموية: من “ابن النفيس” إلى “سيرفيتوس وويليام هارفي”
الحقيقة العلمية التاريخية:
كان السائد عالميًا أن الدم يتكون في الكبد وينتقل عبر حواجز خفية في القلب (نظرية جالينوس اليوناني).
وفي القرن الثالث عشر الميلادي، أثبت الطبيب المسلم ابن النفيس في كتابه “شرح تشريح القانون” عدم وجود هذه الحواجز، واكتشف الدورة الدموية الصغرى (الرئوية)، موضحًا أن الدم يخرج من القلب إلى الرئة ليتنقى بالأكسجين ثم يعود للقلب.
كيف سُرقت وتحوّلت؟
في القرن السادس عشر، قام الطبيب الإيطالي أندريا ألباقو (Andrea Alpago)، الذي عاش في ولاية حلب وسوريا لسنوات وتعلّم العربية، بترجمة أوراق ابن النفيس إلى اللاتينية ونقلها لإيطاليا.
بعدها بسنوات قليلة، نشر الطبيب الإسباني ميخائيل سيرفيتوس (عام 1553م) والطبيب الإنجليزي ويليام هارفي (عام 1628م) اكتشاف الدورة الدموية وسُجل باسمهما في المناهج والغرب، وطُمس اسم ابن النفيس تمامًا حتى جرى إعادة اكتشاف مخطوطته الأصلية بالصدفة في برلين عام 1924!
2/ البصريات والمنهج التجريبي: من “ابن الهيثم” إلى “روجر بيكون وكيبلر”
الحقيقة العلمية التاريخية:
أسس الحسن بن الهيثم علم البصريات الحديث في كتابه “المناظر”، وهو أول من شرح آلية الرؤية، والإنكسار، واخترع “القمرة” (التي أصبحت الكاميرا)، ووضع قواعد المنهج العلمي القائم على التجربة.
كيف سُرقت وتحوّلت؟
تُرجم كتاب المناظر إلى اللاتينية تحت اسم De Aspectibus. وقام الراهب الإنجليزي روجر بيكون (Roger Bacon) والعلماء يوهانس كيبلر وتيتو براهي بأخذ نظريات ابن الهيثم في الضوء والعدسات ونسبتها لنفسهم وللفكر الأوروبي.
تحوير الاسم: لكي يسهل تداوله في أوروبا ويُنسى أصله العربي، تم تحوير اسم “الحسن بن الهيثم” باللاتينية إلى (Alhazen – الهتزن)، وجُرّد من هويته الإسلامية في الأكاديميات الغربية لقرون.
3/الجراحة والطب: تحوير الأسماء لطمس الهوية العربية.
لم تكن السرقة تقتصر على النظريات فقط، بل تم استخدام حيلة ذكية جداً وهي “اللاتنة” (Latinization)، أي تغيير اسم العالم المسلم إلى اسم يبدو لاتينياً أو أوروبيًا، حتى يظن الطالب الأوروبي عبر القرون أن هؤلاء العلماء هم فلاسفة رومانيون أو يونانيون!
• أبو القاسم الزهراوي (رائد الجراحة ومخترع الأدوات الجراحية): حُوِّل اسمه إلى (Albucasis – البوكاسيس). أُخذت رسوماته للأدوات الجراحية وخيوط الجراحة وقُدمت في جامعات إيطاليا وفرنسا على أنها ابتكارات أوروبية.
• أبو بكر الرازي (مكتشف الجدري والحصبة ومؤسس الكيمياء الصيدلانية): حُوِّل اسمه إلى (Rhazes – رازيز).
• ابن سينا (صاحب كنز الطب “القانون في الطب”): حُوِّل اسمه إلى (Avicenna – أفيسينا).
• ابن رشد (شطحات الفلسفة والشارح الأكبر): حُوِّل اسمه إلى (Averroes – أفيروس).
4/الكيمياء والرياضيات: السطو على الأرقام والمصطلحات.
• علم الجبر والخوارزميات: أسس محمد بن موسى الخوارزمي علم الجبر والأرقام. أخذ العالم الإيطالي فيبوناتشي (Fibonacci) هذه العلوم بعد دراسته في بجاية (الجزائر)، ونقلها لأوروبا في كتابه Liber Abaci عام 1202م، ونُسب له الفضل في إدخال الحساب لأوروبا، بينما حُوِّل اسم الخوارزمي إلى مصطلح جاف وهو (Algorithm – الخوارزمية) دون الإشارة إلى أنه شخص رجل مسلم.
• علم الكيمياء: أخذ الغرب أبحاث جابر بن حيان (الذي حُول اسمه إلى Geber)، وترجموا اكتشافاته للأحماض والتقطير، واستوردوا كلماته العربية كما هي بعد تعديل نطقها مثل:
• Al-Kuhl \leftarrow Alcohol (الكحول)
• Al-Qali \leftarrow Alkali (القلويد)
• Al-Ghabra \leftarrow Algebra (الجبر)
كيف تمت السرقة عمليًا؟
تمت السرقة عبر ثلاث خطوات استراتيجية:
• المرحلة الأولى (الترجمة الصامتة): ترجمة الكتب العربية في مراكز مثل “طليطلة” و”صقلية” واستنساب المعلومات دون ذكر اسم المترجَم له.
• المرحلة الثانية (تحوير الأسماء): تحويل أسماء العلماء العرب إلى أسماء لاتينية (ابن سينا \leftarrow أفيسينا / ابن الهيثم \leftarrow الهتزن) لتجريدهم من الهوية الإسلامية.
• المرحلة الثالثة (عادة الاكتشاف الزائفة): يقوم عالم أوروبي بعد بضعة عقود بإعادة طباعة المخطوط العربي بلغة لاتينية ونسبه لنفسه كأنه هو من اكتشفه (كما فعل كوبرنيكوس مع الطوسي، وهارفي مع ابن النفيس).
5/ علم الميكانيكا والآلات (الروبوتات): من “الجزري” إلى “دا فينشي والمخترعين الأوروبيين”
الحقيقة العلمية التاريخية:
المهندس العبقري بديع الزمان الجزري (القرن 12م) هو الأب الحقيقي لعلم الروبوتات والنداسة الميكانيكية الحديثة. في كتابه “الجامع بين العلم والعمل النافع في صناعة الحيل”، واخترع:
• عمود الكランク (Crankshaft): وهو أهم اختراع ميكانيكي في التاريخ، والذي يحول الحركة الدائرية إلى حركة خطية (وهو أساس عمل المحركات والسيارات اليوم).
• الآلات الذاتية الحركة (الروبوتات): اخترع فرقة موسيقية آلية تعمل بالماء لترفيه ضيوف القصر، وساعات مائية معقدة (مثل ساعة الفيل).
• الصمامات والمكبس: أساس مضخات المياه والآلات الهيدروليكية.
كيف سُرقت وتحوّلت؟
تُرجم كتاب “الحيل” للجزري ونُقلت مخططاته الهندسية الدقيقة إلى إيطاليا، وجد المؤرخون الغربيون أن تصاميم ليوناردو دا فينشي للآلات الهيدروليكية والميكانيكية في القرن الخامس عشر هي نقل شبه حرفي لمخططات الجزري الهندسية. وفي الثورة الصناعية، أُعيد إنتاج “عمود الكرانك” والمكبس الهيدروليكي ونُسبت للمخترعين الأوروبيين مثل “جيمس واط”، ونُسي الجزري كليًا!
6/علم الزراعة والنبات (Botany): من “ابن البصّال وابن العوام” إلى “الثورة الزراعية الأوروبية”
الحقيقة العلمية التاريخية:
أسس علماء الأندلس مثل ابن العوام وابن البصّال (القرن 11 و12م) علم الزراعة الحديث؛ حيث صنفوا التربة، واكتشفوا الأسمدة العضوية، وابتكروا نظام “التدوير الزراعي” لعدم إجهاد الأرض، ونظم الري بالتقطير والنافورات.
كيف سُرقت وتحوّلت؟
تُرجم كتاب “الفلاحة” لابن العوام إلى اللاتينية والإسبانية، وكان المرجع الأساسي الذي قامت عليه الثورة الزراعية في إسبانيا وإيطاليا. أخذ الأوروبيون طرق الري والتركيب الجيني للنباتات والأسمدة، ونُسبت هذه الابتكارات لاحقًا لعلماء النبات الإنجليز والفرنسيين في القرن الثامن عشر.
الحقيقة التاريخية لإنجازات المسلمين.
في النهاية، يُثبت التاريخ المدعوم بالمخطوطات والأدلة أن النهضة الغربية الحديثة لم تنبت من الفراغ، ولم تكن معجزة أوروبية خالصة كما حُاول تصويرها لقرون؛ بل كانت ثمرة مباشرة استندت بالكامل على إنجازات المسلمين والمنهج التجريبي الذي أسسوه في حواضرهم من بغداد إلى قرطبة.
إن إعادة قراءة هذا التراث واسترجاع الحقائق العلمية لا يهدف فقط إلى إنصاف العلماء المسلمين الذين طُمست أسماؤهم وراء ألقاب لاتينية مستعارة، بل يُعيد التذكير بأن العقل العربي والإسلامي كان يومًا هو المحرك الأول للحضارة الإنسانية. واليوم، تقف هذه المخطوطات والابتكارات شاهدة على أن التاريخ قد يُزوَّر برهة من الزمن، لكن الحقيقة العلمية تعود دوماً لتنسب الفضل لأصحابه الحقيقيين.
تمت.
إعداد: زينب عطية.
اكتشاف المزيد من عوالم من الخيال
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.



