في عالم الكيمياء عندما نتحدث عن القاتل الصامت نأتي بذكر غاز أول أكسيد الكربون؛ لكن في القطب الشمالي عندما نتحدث عن ملك القتل الغير رحيم وامبراطور الهجوم الصامت لا تحمل القائمة سوى مفترسها الأول والأشرس( الدب القطبي).
تصنيف الدب القطبي polar bear:
يُعد الدب القطبي أو مايعرف علميًا ب اسم Ursus maritimus والذي يعني الدب البحري ، من رتبة اللواحم Carnivora
وفصيلة الدببة Ursidae .
ويلقب بهذا الاسم لاعتماده الشبه الكامل على البيئة الجليدية البحرية للصيد و التنقل و البقاء .
ويعتبر وراثيًا هو الأقرب في الجينات من الدب البني وذلك لإنقسامهم عن سلف مشترك كان يعيش على الأرض من مئات آلاف السنين .
وأدت صلة القرابة هذه إلى توثيق قدرة مشتركة بين النوعين على التزاوج وإنتاج هجين يعرف ب (الدب الشبح pizzly bear).
البنية الجسدية و التكييفات:
وكما تحدثنا في مقالاتنا السابقة عن أن كل الحيوانات جسدها مُهيأ ليناسب البيئة التي تتعايش بها، فيجب أن نذكر أن جسد الدب القطبي يعتبر ترسانة حربية معدة للصيد والهجوم .
حيث يبلغ طول الذكور حوالي ٢.٥ : ٣ أمتار
ووزن يصل إلى أكثر من 800kg (الإناث أصغر حجمًا)
ويعد أكبر أنواع الدببة حجمًا
-الفراء مزدوج الطبقات :
١) الطبقة الخارجية مكسوة بشعر طويل وشفاف يعكس الضوء (يظهر للعين المجردة باللون الأبيض أو الأصفر)
٢) الطبقة الداخلية عبارة عن فراء كثيف يحبس الهواء الدافئ ناحية الجلد .
-الجلد :
على غير المتوقع من مظهره الذي يبدو كَكرة القطن فإن لون جلد الدب القطبي هو الأسود، وذلك ليساعد على امتصاص أكبر قدر من حرارة الشمس .
– ما تحت الجلد: تقع طبقة من الدهون السميكة تصل إلى 11 سم في السمك وتوفر له عزل حراري ممتاز، ومخزون طاقة إضافي يساعده في فترات نقص الغذاء .
-بنية الأقدام :
- تعد الأقدام الأمامية للدب القطبي كبيرة للغاية، وتعمل كمجاديف طبيعية أثناء السباحة، وذلك لوجود أغشية جزئية بين الأصابع فتمكنه من السباحة لأكثر من 100 كيلومتر دون توقف.
وتتميز نهاية الكفوف بمخالب قوية غير قابلة للسحب يصل طولها إلى 15 سم للإمساك بالفرائس الزلقة على الجليد وتمزيق طبقات الدهون الكثيفة في أجسادهم.
– الأنياب :
يتميز فم الدب القطبي بأنياب حادة وطويلة مخصصة لنظام لحمي صرف، فتمكنه من تمزيق وطحن الطبقات السميكة في أجساد فرائسه، وذلك على عكس باقي الدببة التي يكون نظامها الغذائي مختلط ما بين اللحوم والفواكه والأعشاب.
الإعجاز في الحاسة الشمية:
هل تعتبر نفسك تمتلك حاسة شم قوية فقط لأنك تستطيع تحديد روائح الطعام المتسللة إلى نافذة غرفتك من عند الجيران؟
لا تغتر بنفسك كثيراً! لأن الدب القطبي لديه أقوى حاسة شم بين جميع المفترسات في بيئته، حيث يستطيع شم الفقمة من تحت متر جليد كامل.
وذلك بفضل التشريح الأنفي المعقد والمصمم بدقة للقيام بوظيفتين وهما :
أ) الشم الفائق من مسافات طويلة
ب) التدفئة
لذا دعني أوضح لك كيف يكون الأمر.
تشريحيًا الشكل الخارجي لمنطقة الأنف تكون ذات فراء أسود ،وذلك يمكنها من امتصاص أكبر قدر من حرارة الشمس بالرغم من عدم وجود فراء عازل في هذه المنطقة .
من الداخل: تنقسم أنف الدب القطبي إلى تجاويف عظمية ملتفة بشكل حلزوني Nasal turbinates .
توفر دخول الهواء بنسب كبيرة جدًا مع ضمان تدفئته قبل أن يصل إلى الرئتين عن طريق الإحتكاك مع جدران الأنف .
-كما أن الطبقة الشمية الطلائية داخل الأنف olfactory epithelium layer:
تبطن تجويف الأنف الداخلي وتكون غنية بالمستقبلات الحسية للروائح olfactory receptors .
وتعمل كل هذه المسارات على استرجاع الرطوبة والطاقة الحرارية من هواء الزفير لتقلل فقدان الماء والدفىء من الجسد في هذه الأجواء الباردة.
فتحات الأنف :
ولضمان تحول الدب القطبي إلى غواصة، ليقوم بعمليات مطاردة بحرية يستطيع أن يُغلق فتحات أنفه بشكل إرادي طوال فترة كونه تحت الماء مع ميزة هائلة لكتم الأنفاس لفترة طويلة.
استراتيجيات الصيد والسلوكيات العدوانية :
وبذلك التكوين الجسماني المرعب لملك القطب الشمالي نستطيع الآن أن نتفهم قدرته على بناء استراتيجيات معقدة من الصيد والمطاردة لفرائسه والتي تتنوع كالآتي:
١)الصيد بالكمين still -Hunting :
يخيم بالساعات بصمت وثبات رهيب بجوار فتحات التنفس التي تستخدمها الفقمات عبر طبقات الجليد ، وبمجرد أن تطل الفقمة برأسها يقتلها بضربة واحدة من مخلبه وذلك لأن الكتلة العضلية في عنق الدب القطبي وكتفه وذراعه تكون كبيرة وقوية للغاية، مما يجعل ضرباته جميعًا قاتلة تؤدي لكسر جمجمة الفقمة مباشرة.
٢) الاقتراب الخفي :
في حال رصد فقمة مستلقية على الجليد يبدأ الدب القطبي بالزحف ببطء شديد ويقف بشكل متكرر لتقليل الحركة الملحوظة من قبل فرائسه، ويستغل فراؤه كوسيلة للتمويه وسط الثلوج وبمجرد أن يصبح عند المسافة صفر يسرع وينقض بشراسة على فريسته التي شلتها صدمة ظهوره المفاجىء.
٣) سفاح بني جنسه cannibalism:
قد تبدو جميع تصرفات الدب القطبي الشرسة منطقية، بل وأساسية لضمان بقائه في هذه البيئة القاسية في القطب الشمالي ، ولكن ذكور الدببة القطبية لا تلعب بنزاهة عندما يتعلق الأمر بالبقاء على قيد الحياة.
في فترات نقص الموارد الشديد بل أحيانا تصل إلى مجاعات مؤقتة تقوم الذكور البالغة من الدببة القطبية بمهاجمة الأطفال والإناث الضعيفة.
بل وأيضًا يقوم الدب القطبي بتصرف أناني ولكن احترازي من وجهة نظره ،وهو الافتراس حتى مع الشبع، فيقوم بالتغذي على الجلد والشحم الخاص بالفرائس ويترك باقي الجثة لتتعفن مما يضيع بعض الفرص على بني جنسه في هذه البيئة الضعيفة الموارد .
ولذلك بدأ كثير من أفراد الدببة القطبية في تطوير سلوكهم الغذائي ليتضمن نظامهم التغذي على جيف الحيوانات الصالح للأكل وعلى اصطياد الحيتان البيضاء العالقة في الثلوج .
٤)العدائية المفرطة :
ورغم كل ما يتم نقشه في ذاكرة طفولتنا من صور الدب القطبي الأبيض اللطيف إلا أنه ليس لطيفاً إطلاقًا مع البشر.
حيث أنه الدب الوحيد الذي لا يهاب البشر ولو قليلاً، بل يبادر بملاحقتهم ورصدهم ومحاولة اصطيادهم في محاولات موثقة للقيام بأفخاخ للإيقاع بالمصورين والعلماء في القطب الشمالي .
بل ولا ينسى فريسته ويعود إليها من جديد بمكائد وخطط أذكى من سابقتها حتى يسقطها بين أنيابه.
وبناءً على كل ما سبق، فإن صديقنا الضخم هذا يستحق بلا أدنى شك الدخول في قائمة أشرس سفاحين الكوكب.
بقلم / سلمى مسعد
اكتشاف المزيد من عوالم من الخيال
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.



