الخشخاش..نبات البهجة.

الخشخاش..نبات البهجة.

متى بدأ الخشخاش؟

زهرة جميلة مُتعددة الألوان..ونبات قديم مرتبط بأقدم الحضارات..مصنع كيمياء للدماغ .. ومن أين بدأ نبات الخشخاش؟

زهرة الخشخاش أو أبو النوم أو كما أطلقوا عليه قديمًا أو نبات البهجة…واحد من أقد النباتات التي عُرفت قبل ما يقرب من 6000 ألاف سنة قبل الميلاد وقد تم العثور على أول تسجيل تاريخي له في أثار حضارة ما بين النهرين “الحضارة السومرية” حيث أول أستخدام للأفيون وكذلك فقد تم معرفته من قبل القدماء المصريين حيث وضع مع المقتنيات الخاصة بالموتى داخل المقابر وكما نُقش على الحلي الخاصة والتوابيت وجدران المقابر.. حيث أستعمل الخشخاش في الطب والعلاج عن طريق البذور التي تحتوي على بعض المورفين والكوديين.

ما هو الخشخاش؟

الخشخاش..نبات البهجة.

الخشخاش نبات يقع تحت العائلة الخشخاشية واسمه اللاتينية: (Papaver somniferum) هي نباتات عشبية حولية ، أو ثنائية الحول من النباتات المعمرة قصيرة الاجل. بعض الأنواع تكون أحادية الإزهار وتموت بعدما تزهر. يصل طول نبات الخشخاش إلى أكثر من متر. الزهور ذوات الانواع تملك 4 إلى 6 بتلات، يزهر الخشخاش من الربيع إلى أوائل الصيف. معظم أنواع الخشخاش تفرز مادة “اللاتكس” عندما تصاب وهي عبارة عن سائل حليبي أبيض لزج يحتوي على مجموعة من القلويدات الكيميائية الأفيونية القوية والتي يشتق منها مجموعة من الأدوية والمخدرات مثل:

المورفين (Morphine): مسكن قوي جداً للألم يُستخدم في العمليات الجراحية والحالات الطبية المستعصية.

الكوديين (Codeine): يُستخدم كمسكن للألم ومهدئ للسعال في العديد من الأدوية.

الثيبايين (Thebaine): مادة كيميائية تُستخدم كمادة خام لتصنيع مسكنات أخرى شبه صناعية مثل الأوكسيكودون.

الهيروين (Heroin): مخدر غير قانوني شديد الإدمان يتم تصنيعه كيميائياً بتعديل المورفين المستخرج من هذا اللاتكس.

الخشخاش..نبات البهجة.

كيف بدأ إستخدام نبات الخشخاش في الحضارات القديمة؟.

_الحضارة السومارية

أستخدمه السومريون في بلاد الرافدين من حوالي 3400 سنة قبل الميلاد وأطلقوا عليه إسم “نبات البهجة” حيث استخدمه الكهنة كعلاج لتهدئة المرضى قبل جلسات طرد الأرواح وعلاج بعض الأمراض الأخرى، حيث تم أكتشاف إستخداماته على ألواح من الطين تعود لتلك الحضارة والتي تكشف بيعه في الأسواق بعد جمعه وتشكيله في شكل كريات صغيرة.

_الحضارة المصرية القديمة

أما عند القدماء المصريين فقد بلغت زراعة الخشخاش القمة، حيث كانت مدينة طيبة في عهد الدولة الحديثة مركزًا مُهمًا لإنتاج “الأفيون الثيبي”، كما ذكر أيضًا في بردية “إيبرس الطبية” كعلاج خارق لتهدأة الأطفال، كما أستخدمه الجراح المصري القديم أيضًا قبل العمليات الجراحية الهامة وقد عُثر على قرون خشخاش جافة في مقبرة “توت عنخ آمون” حيث كان يعتقد أنه يساعد المتوفي على النوم الهاديء في الحياة الأخرى.

_الحضارة المينوانية واليونانية والرومانية.

أما في الحضارات المينوانية واليونانية والرومانية فقد عثر على تمثال يسمى آلهة الخشخاش، وهي ترتدي تاج تبرز منه قرون الخشخاش..حيث كان له إستخدامات عقائدية فقد كان يتجرعه الكهنة للوصول لحالة النشوة الدينية والتي تعتبر هلاوس شيطانية في عصرنا الحالي، وفي الرومانية كان الترياق المميز لنخبة المجتمع حتى الأباطرة مثل الإمبراطور”ماركوس آوريليوس”

كما أرتبط أيضًا ببعض الأساطير والآلهة في اليونانية مثل ديمتير “آلهة الزراعة” التي تناولته لينسيها حزنها على ابنتها، وكذلك وهينبوس “إله النوم” ومورفيوس “إله الأحلام” والذي اشتق العالم سرترنر من إسمه المورفين.. في النهاية ما من إله غير الله.

الخشخاش..نبات البهجة.

الخشخاش في العصر الإسلامي.

يختلف العصر الإسلامي في إستخدامه لنبات الخشخاش عن باقي العصور، فقد حافظ علماء المسلمين عليه كنبات علاجي حيث وصف بن سينا الأفيون في كتابه “القانون في الطب” كمسكن قوي وحذر من أخطاره، وكذلك بن الرازي الذي أستخدمه في علاجات العيون، وألام المفاصل والركب.

الخشخاش بين الدواء والداء..”الهروين”.

أول مرة تم فيها تخليق الهروين من مادة المورفين كانت عن طريق الخطأ من إحدى الباحثين في عام 1874، عندما قام بغلي مادة المورفين النقي مع مادة كيميائية أخرى تسمى “أنهيدريد الخل” حيث وجد في نهاية التفاعل مركب كميائي له تأثير أكبر من المورفين وأسمه العلمي “ثنائي أستيل مورفين” ولكن عد التجارب الأولى على الحيوان فقد لاحظ الأثار الجانية القوية المقلقة فتم إيقاف الأبحاث.

إلى أن قام الألماني “فليكس هوفمان” بإعادة تصنيعه مرة أخرى ليتم إستخدامه بشكل تجاري وطبي بعدها وذلك أثناء عمله في شركة الأدوية الشهيرة باير في عام 1897، أما عن التسمية فقد جاءت عن طريق شركة باير الألمانية حيثيرجع أصول الإسم إلى الألمانية ومعناه “البطولي” وذلك بسبب تسكينه الرهيب للألم وحالة الإنتشاء الشديدة التي يُحدثها.

الخشخاش..نبات البهجة.

الإستخدام الطبي الأول للهروين.

قامت الشركة بطرح الهروين في الأسواق لأول مرة في شكل دواء لعلاج السعال ونزلات البرد الشديدة وتخفيف ألالام السل والربو، وذلك في عام 1998، وقد كان يباع دون أذن طبيب أو وصفة طبية بل على العكس تمامًا فقد كان يستخدم لعلاج الكحة لدى الأطفال.

الهروين علاج لإدمان المورفين والأفيون.

من الأشياء المُضحكة  والخطيرة هي أنه في نهاية القرن التاسع عشر أخذ الأطباء يصفون الهروين كعلاج لإدمان المورفين والأفيون معتقدين أنه أقل في الخطورة والضرر وظل يستخدم لذلك الغرض حتى إكتشاف الكارثة الكبرى، ففي غضون سنوات قليلة ومع حلول 1910 تم إكتشاف تلك الكارثة الكبري وهي أن مادة الهروين اسرع في الوصول للدماغ بثلاثة أضعاف وأن تأثيرها الأدماني أعلى وأسرع من باقي المواد، وقد تسبب ذلك الأمر في ثورة إدمان عالمية جعلت الحكومات تتحرك بسرعة أكبر لحظر صناعة وبيع تلك المادة الخطيرة.

وقد أدى ذلك إلى فرض الحصار على زراعة نبات الخشخاش حيث تحول من مجرد نبات طبي إلى عقار سحري يتهافت الكثيرين للحصول عليه، فقد إنتقلت تجارته وبيعه بين الدول لاستثمار كبير وتهريب بين العصابات والمافيا وأحيانًا حرب كبرى أو سلاح فتاك تشن به الدول حربًا خفية على بعضها كما حدث في حروب الأفيون!

حروب الأفيون…الصين وبريطانيا.

بدأت القصة من القرن الثامن عشر إلى القرن التاسع عشر حيث كان البريطانين لديهم هوس بما يسمى الشاي الصيني، وكانت الصين ترفض بيع بضائعها لبريطانيا بأي عملة سوى بعملة الفضة البريطانية، فكانت فضة بريطانيا تخرج في تجارتها فقط مع الصين وقد كبَّد هذا خزائن بريطانيا الكثير من الخسائر وتسبب في أزمة إقتصادية كبرى

فكَّرت بريطانيا في حل لصد هذا الفكر الصيني عن عملاتها الفضية وبحثت عن بضاعة أخرى تستطيع أن تقايض بها الشعب الصيني فلم تجد أفضل من الأفيون، وقد كانت بريطانيا في وقتها تحل الهند فبدأت في زراعة نبات الخشخاش وإستخراج الأفيون وتهريبة في الموانئ الصينية ومنها لداخل الصين عبر تجار ومهربين.

وكان نتيجة كارثية لذلك هو تفشي الإدمان بين بين طبقات الشعب الصيني بشكل كارثي، وتحولت خزائن بريطانيا لمستقبلات لفضة الشعب الصييني حيث تدفقت لها مقابل ثمن الأفيون

تباعيات حرب الأفيون..موقف الصين.

حينها أمر الأمبراطور الصيني بمحاربة هذا الوباء الذي راح يأكل الشعب وخزائن الدولة فتم مصادرة كل بضائع الأفيون وتدميرها وقد أستفز ذلك البريطانين فقامت بضرب المدن الساحلية للصين عن طريق اسطولها الحربي الحديث..وأمام قوة بريطانيا الماكرة هُزمت الصين وتم توقيع معاهدة ثانكينج 1842 والتي نصت على تنازل الصين عن جزيرة هونغ كونج وفتح الموانيء الصينية بالقوة لتجارة الأفيون البريطاني.

وأمام سطوة بريطانيا العظمى والتي لم تكتفي بجزيرة هونغ كونج فقط بل أرادت إحتلال الصين كاملة وتشريع تجارة الأفيون فقد تحالفت مع فرنسا، وأعلنتا الحرب على الصين حيث أنتهت هذه الحرب بفوز بريطانيا ودخول القوات البريطانية للعاصمة بكين وحرق القصر الصيفي للأمبراطور وأجبرت الصين على توقيع معاهدة جعلت بيع الأفيون قانونيًا

حرب الأفيون..قرن الإهانة.

دخلت الصين بسبب هذه الحروب في حقبة بائسة تدمر خلالها الملايين من العائلات الصينية نتيجة الإدمان المفروض عليهم وتقسم البلاد وإحتلال أجزاء كبيرة منها ولم تسترد الصين هونغ كونغ إلا في عام 1997، وهذه الحروب هي السبب الرئيسي خلف القوانين الصارمة التي تفرضها  الصين الآن على تجار المواد المخدرة حيث تصل العقوبة للإعدام الفوري ..وكل هذا نتيجة عقدة الخشخاش..نبات البهجة.

بقلم/آمنة محمد

يمكنك قراءة قصة لعنة زمجر من هنا

للمزيد من القصص والمقالات


عوالم من الخيال


اكتشاف المزيد من عوالم من الخيال

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

اترك رد