حكايات ذرية من قهوة الحاج عطية ( الجزء 1)

حكايات ذرية من قهوة الحاج عطية 

 المشهد الأول:-(قهوة الحاج عطية)

في إحدى ليالي شهر فبراير تحديدًا ليلة الجمعة، دوى صوت تهشم زجاج في أرجاء مقهى الحاج عطية، ذلك المقهى الذي يبدو أنه يقاوم معالم الحداثة في التحول إلى ( كافيه) وظل محتفظًا برونقه وأصالته كأحد أقدم المقاهي في حي السيدة زينب.

تبع صوت التهشم صيحة بسبَّة من الحاج عطية -مالك المقهى – ثم قال زاجرًا ذلك الشاب النحيل، أسمر البشرة

-:” ألم أقل لك ألف مرة يا “تكة” ألا تقوم بتلك الحركات البهلوانية وأنت تمسك بصينية الشاي.”

ابتسم تكة -الذي يبدو إنه معتاد على ذلك- بلا مبالاة وقال:-” ألم تقل لي أن اضبط لك هذا المذياع لتسمع أخبار الساعة.”

أمسك الحاج عطية بنبوته مصطنعًا النية في قذفه به وهتف:- ” ما علاقة تشغيل المذياع بأن تضع الصينية على رأسك يا ابن آدم، هل تحسب نفسك تو صلاح؟!”

قال تكة متهكمًا وهو يتقدم نحو غرفة جانبية ليحضر المكنسة :-” فُك كيسك وابسط يديك يا حاج عطية وأحضر مذياعًا جديدًا بدل ذلك المذياع المحتضر الذي جار عليه الزمن، سئمت من ضبط الهوائي المكسور كل خمس دقائق.”

أشاح له الحاج عطية قائلًا:-” ما الذي تفهمه أنت بتلك الأشياء، إنه تحفة متوارثة.”

أخذ تكة المكنسة وهو يقول :-” كتلك البيانولا هناك.”

مشيرًا برأسه نحوها بإيماءة سريعة، فقال الحاجة عطية:-” اسمه جرامافون يا أبا جهل، لكن معك حق ماذا يعرف جيلك عنه.”


 

المشهد الثاني :- الأبناء البارين 

 

دخل في تلك الأثناء ثلاثة رجال، متوسط أعمارهم بين الأربعين والخامسة والأربعين ربيعًا، يعتبرهم الحاج عطية أبناء المقهى البارين ، يزورونها كل ليلة جمعة في نفس الموعد، هاربين من ضجيج أشغال الحياة ليحظوا ببعض السكينة و ربما القهوة المظبوطة.

بمجرد أن دخلوا انهالت التحيَّات الحارة بينهم وبين الحاج عطية قبل أن يقول الآخير مخاطبًا تكة:-” نظف الفوضى بسرعة، وحضر الطاولة للرجال.”

ابتسم رجل منهم، وسيم، بشعر قصير بني ولحية يتخللها بعض الشيب، ثم قال باستغراب:-” ما الذي انكسر هذه المرة؟!”

ليجيب تكة وهو ينهض حاملًا بقايا الزجاج:-” لا شيء يا رشدي بيه، مجرد كوبي شاي، لكن الحاج عطية يعنفني بلا سبب .”

ضحك محمود رشدي بخفة وهو يقول :” لمَ يا حاج عطية التعنيف، لا حق لك هذه المرة، مستوى الفتى في تحسن، لقد كانوا ست ضحايا في المرة الماضية.”

فقال الحاج عطية:” خراب بيتي على يدي تكة، سلطه الله عليَّ تكفيرًا لذنب بالتأكيد.”

قال أحد الرجال الثلاثة ساخرًا وهو يعدل نظارته الطبية:-” من الواضح ان الذنب كبير.”

جلس الرجال على الطاولة الثالثة على اليمين، تحت صور الرئيس السادات و الرئيس حسني مبارك يتوسطهم صورة الحاجة عطية المعلقين على الحائط في إطارات خشبية بنقوش ذهبية غائرة.

ليظهر تكة مجددًا قائًلا :-” لمَ هذا الكلام يا دكتور أباظة، هل تقصد أنني ابتلاء؟”

ليقول دكتور عبد العزيز أباظة ببشاشة:-” لا يا تكة، أنت تعلم معزتك لدي .”

قال الرجل الثالث مختصرًا الحوارات:-” ثلاث فناجين قهوة مظبوطة يا تكة، واستخدم المياه المعدنية.”

كان هذا هو شكري عبد الصبور الموظف في هيئة المرور، برأسه الأصلع -إلا من بعض الشعيرات التي أبت السقوط- وشاربه الذي يشبه شارب هتلر، وطباعه الصارمة الحادة.

ليكون هو ثالث ضلع في مثلث تلك الصحبة.

تحرك تكة ليعد القهوة، وضرب بيده على المذياع ليدوي صوت المذيع مستعرضًا أخبار اليوم.


 

المشهد الثالث:( حوار في الخمسينة)

 

في ظل تبادل الأصدقاء الثلاث أحوالهم وأحداث الأسبوع في أعمالهم وشؤون عائلاتهم وأسعار البنزين، كان صوت المذيع يستعرض بجدية مستجدات قواضي التحرش التي صارت حديث البلاد .

قال الحاج عطية بآسى، بلهجته الصعيدية المميزة:” ما الذي جرى للناس، الشوارع أصبحت غابة.”

التفت الرجال الثلاثة للحوار ، فبدأ رشدي قائلًا :-” هناك بعض الرجال يجلبون لنا العار بشكلٍ يومي، معدل جرائم التحرش في مصر صار غير طبيعي البتة.”

امتعض شكري وقال بسخرية:-” ولكن النساء أيضًا يلعبن دورًا في ذلك.”

انفعل رشدي وقال:-” لا أرى أن من الصواب إلقاء اللوم على الضحايا، وتبرير فعل كهذا.”

قال أباظة مؤيدًا:-” إن كان هناك ما يمكننا استعماله كعوامل حفازة فهو انحطاط الأخلاق وانتشار الإباحية وصعوبة متطلبات الزواج المادية.”

وضع شكري الفنجان وقال بسخط-” مع كامل احترامي لكما لكنكما تتكلمان بشكلٍ نظري للغاية لا يجوز التعامل كأننا في المدينة الفاضلة إن كان أحد أركان المجتمع يتصرفون خارج نطاق الدين والأدب والأصول، أنتم لا ترون ما أرى كل يوم، ملابس الفتيات تكشف أكثر مما تستر، والتبرج صار أخر صيحة، تفعل الفتاة كل هذا ثم تعود لتشتكي من التحرش الجنسي و اللفظي .”

قال رشدي بغيظ من موقف شكري:-” وهل جميع من تعرضن للتحرش متبرجات – على حد قولك- الاعتداءات صارت وحشية وضد جميع الفئات بل وأيضًا الأطفال، هل تفسر لي التحرش بأنه رجل مكبوت رأى أمامه فرصة سانحة ممهدة لتفريغ طاقته عن طريق فتاة لا تتوافق ملابسها مع معاييره من الاحتشام.”

تدخل الحاج عطية مقاطعًا:-” هكذا سيفتح الطريق لأي وغد عديم المروءة بأن يتعرض لأي فتاة ويقول هي من استفزتني.”

قال شكري مدافعًا:-” الدين أمرهم أن يتستروا، هل توافقني يا أباظة؟!”

أخذ أباظة رشفة من قهوته ثم قال:-” إن تكلمنا على الصعيد الديني فالدين الذي أمر الفتاة بالتستر هو نفسه الذي أمر الرجل بغض البصر وأمر كلاهما بكف اللسان واليد عن بعضهم، وإن تكلمنا من منظور ديني فلقد رأينا امرأة العزيز ذات المال والجمال والنفوذ تغوي نبي الله يوسف وقد تمنع، ونرى أن من الذين يظلهم الله في كنفه شاب تمنع عن الخطيئة الممهدة مع امرأة خوفًا من الله، وتلك ليست تبريرًا لكي تسير الفتيات في الشوارع لا تفرق بين العاهرة وبنات الذوات، لكن لم يكن لباس النساء هو المبرر للتعدي عليها، وإلا لرأينا الفتيات تغتصبن علنًا على قارعة الطريق.”

فقال تكة:-” لكن هناك من تتقصدن الفتنة يا دكتور أباظة، هناك فتيات محتواهن على وسائل التواصل الاجتماعي عبارة عن رقص وإيحاءات، بل وإباحية صريحة أيضًا.”

فقال شكري:-” وهناك مدعيات للتحرش، إماء لل ( تريند) حتى على حسب سمعتها، أو لصة وقد شهدت هذا في إحدى المرات ، تدعي المرأة التحرش بها، لكي تسرق أو يسرق شريكها المحتشدين حولها ،كعملية تمويه.”

فقال رشدي:-” أنت تتكلم عن حالات لا تتعدى نسبة ال ٣٪ ، أليس من الظلم تهميش الشكاوي بفرد سوء النية على المرأة بغير معرفتها شخصيًا، على الجانب الأخر من رؤيتكم للفتيات التي تبيع نفسها وتتاجر بجسدها وكلبات الشهرة، هناك أرملة تتكفل بأيتام، وفتاة منهوبة الميراث، شابة تساعد في مصاريف زواجها، ونساء تعيل عائلاتها وأخرى تساعد زوجها، وأخرى طلبت سبيل العلم وأخريات بقصص مأساوية أكثر لم يلتفت المجتمع لمشاكلهم المادية والصحية والإجتماعية التي تنهشنهن ، لكن انتبه أنهن مصدر استفزاز للذكور عندما تعرضن للتحرش وصرخن.

إزدواجية معايير هذا المجتمع مقرفة.”

قال أباظة معقبًا:-” وفي الواقع التحرش ليس ( تفريغ طاقة جنسية) ولكنه تفريغ مشاعر عدائية نحو النساء، نتجت من التشويه والفهم الخاطئ للدين، والمعتقدات المجتمعية بل وحتى الأساطير والحكايات الشعبية التي حثت على معاملة المرأة ككيان مملوك وأن التعدي عليها ليس انتهاكًا لها بل انتهاك لملكية ولي أمرها سواء كان أب او أخ أو زوج ويدفع التعويض لهم مع تهميش الضحية وحقها (كبعض قوانين شريعة حمورابي ) ، والبعض الأخر وصفها كأداة لتفريغ الشهوات كالاغريق وقصص زيوس، أو معاقبة الضحية كقصة ميدوسا، وقيم مجتمعنا التي صورت للرجل أن جميع أخطاءه مغفورة لمجرد انتمائه لمعشر الذكور، والفتاة تنصب لها المشانق عند كل طريق إن زلت سهوًا، كل هذه العوامل خلقت رغبات ممارسة سلطة وسيطرة عدوانية لفرض الهيمنة وإذلال الآخر فقط ليس إلا.”

تدخل تكة قائلًا:-” ولا يفعل ذلك غير ضعيف شخصية، منبوذ بين أقرانه من الرجال.”

فقال أباظة :-” بل ومن بعض النساء أيضًا، لأن طبع المتحرش سادي ينتشي بخوف ضحيته، والنساء بفطرتهن باحثات عن الطمأنينة.”

قال رشدي:-” من العار أن تكون البلد التي سنت أول قانون رادع للتحرش في بردية سالت ١٢٤هي نفس البلد التي تسجل أعلى معدلات في الاعتداءات على النساء.”

كان شكري يستمع إليهما بعدم اقتناع لكنه قال منهيًا النقاش:-” الخطأ مشترك، لكن لا يبرر أحدهما الأخر.”

عم ضجيج عند باب المقهى، نظروا جميعًا ليجدوا شابًا يعترض طريق فتاة منتقبة، ويريد إجبارها على رفع نقابها ليرى ( الحلويات التي أسفله)، لا يدرون متى استل الحاج عطية نبوته، وكيف اخترق ذلك العجوز الذي تجاوز الستين الحشد، لكنه حول عظام ذلك الشاب لهريسة.

ثم صاح قائلًا:-” في ما مضى، كانت النساء من كل فئات المجتمع تمشي في الشوارع بأمان، كانت لدى الرجال نخوة ومروءة يحمون أي مستغيثة كأنها من دمائهم، كانت فتياتنا أحرص على حشمتهن منا، لذلك عندما نجد حثالة من أمثالك يا ابن الصعاليك، كنا ندهسه تحت النعال.”

بصق على المتحرش ثم مضى عائدًا لمجلسه بهدوء.

وهكذا انقضت ليلة الجمعة كالعادة حتى وإن لم تتفق الآراء لأن في المقهى الأهم هو التشارك لا الاقناع.

-سلمى مسعد

للمزيد من القصص والمقالات


عوالم من الخيال


اكتشاف المزيد من عوالم من الخيال

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

اترك رد